أيام مع مروان البرغوثي من ذكريات اجتياح العام ٢٠٠٢ .ح4!
محمد يوسف.علاء ابو منصور
ابو عمار ومروان في الانتفاضة.
كان لانتفاضة الأقصى ثلاثة عناوين أساسية (مراكز قيادية)، ابو عمار يقودها سياسيا من مقره في المقاطعة، ومروان البرغوثي يقود فعالياتها الميدانية من مقره في اللجنة الحركية العليا، وصخر حبش ينظم برامج الفعاليات الشعبية كالمظاهرات والمسيرات وغيرها عبر إطار القوى الوطنية والإسلامية. وبالإضافة لهذه المراكز الثلاثة كان هناك بؤر واجتهادات شتى لا تخضع لهذه المراكز بغض النظر عن قربها منها او بعدها عنها، سواء كان ذلك الفصائل المختلفة وأذرعها العسكرية القديمة او الناشئة وفي مقدمتها كتائب شهداء الأقصى التي ولدت من رحم الانتفاضة، وهناك الأجهزة الأمنية والمبادرات الفردية التي لا حصر لها.
في احدى محطات الانتفاضة تزايد اللغط حول مروان البرغوثي وكيف ان تطرف موقفه يمكن ان يجر الانتفاضة والسلطة إلى كارثة. وفي احد اللقاءات اشتكى البعض ذلك لأبو عمار فلم يعلق، ولما خرجوا همس لمروان: (اتردش عليهم يا اخويا، اللي ما أقدرش عليه انا تعملوا انت). وبعد وقت قصير عين مروان عضوًا في المجلس المركزي التابع لمنظمة التحرير. بعقلية القائد العملي كان ابو عمار يدرك قيمة مروان، وبعقلية القائد البراغماتي الذي يريد الامساك بكل الخيوط دعم مناوئين له. كان مروان يقول لي:(فرق كبير بين التبعية والالتزام، انا ملتزم وليس تابع، هذه هي روح المقاتل الحقيقي، عندما اتخذ موقفا لا افكر بما تريده القيادة وإنما بمصلحة الشعب). ربما من هنا كانت تنبع الخلافات في الرأي، من استقلالية مروان العالية ورغبة ابو عمار في الإمساك بكافة الخيوط، من هذه الثغرة تسلل بعض الانتهازيون والحساد. كان ابو عمار ومروان متفقون استراتيجيًا ويختلفون احيانا في التكتيك، وقد ظهر ذلك جليا حين أعلن ابو عمار عن وقف لإطلاق النار، فيما دعا مروان لتصعيد المقاومة. كلاهما كان مقتنعًا ان لا حل سياسي مع شارون، والفرق ان ابو عمار أراد تفادي سهامه القاتلة فيما أراد مروان كسرها.
قبل الاجتياح الكبير (عملية السور الحامي)، اعتاد جيش الاحتلال على اجتياح بعض المدن واحياء من رام الله. وفي احد الاجتياحات وصل إلى وسط مدينة رام الله. في تلك الليلة تفقدت ومروان مخيم الامعري والتقينا نشطاء فتح والفصائل المختلفة. بعد مغادرتنا المخيم بوقت قصير دهمت قوات الاحتلال المخيم بأسلوب جديد لم يعتده الشباب. طوقته الدبابات وأمطرته طائرات الاباتشي بالقذائف والرشاشات الثقيلة. وراح الجنود يقتحمون البيت ويحشرون سكانه في غرفة ويفتحوا ثغرة في الحائط ويدخلوا منها إلى البيت المجاور وهكذا.
في طريقنا عائدين من المخيم إلى مركز المدينة مررنا بدوار المنارة. بدا المشهد أليمًا وقد انتشرت شائعات مفادها ان دبابات الاحتلال وصلت إلى منتزه رام الله. ففر عشرات المسلحين وعناصر الأجهزة الأمنية المتواجدين في المكان كقطيع أغنام هاجمته الذئاب؟ هؤلاء الشبان لا تنقصهم الشجاعة ولا تعوزهم التضحية! لكن ماذا يفعلون ووجودهم في المكان دون هدف يجمعهم! بلا خطة ولا قيادة مشتركة او إطار تنسيقي! باي روح يقاتلون ومنهم من لا يملك ثمن علبة سجائر او رغيف ساندويش! كانوا هائمين على وجوههم وجاء تصرفهم تلقائيا.
أيام وأجريت لمروان عملية جراحية فتسلل ابو عمار من مكتبه في المقاطعة دون ضجيج وفي سيارة واحدة للاطمئنان على صحة مروان. جاء القائد العام ليتفقد رئيس اركان حرب الانتفاضة والناطق باسمها. أبدا لن أنسى ذلك اللقاء المشحون بالانفعالات، كان ابو عمار مفعم بعاطفة أبوية وهويمسد شعر مروان ويقبل يده، لكنه بدا مهمومًا وشارد الذهن.
همس لي وأنا أرافقه إلى سيارته لتوديعه بعد ان قضى ساعة في البيت الذي فيه مروان مقابل منتزه رام الله:(ان ضاق عليكم الوضع تعالوا عندي على المقاطعة). قال ذلك بحنان وذكرني ما قاله بما قاله لنا في اجتماع سابق قبل مدة (جميعنا مطلوبون. نحن مشاريع شهادة).نعم ضاق الوضع لكننا آلينا ان لا نصبح نقطة ابتزاز للقائد من جانب المحتلين الذين سيطالبون بتسليم مروان.
في واحدة من أيام الانتفاضة رن هاتفي الجوال وكان المتحدث ابو عمار:(انتو عندكم بكرة مظاهرة الساعة اتنعشر). قلت:(نعم). قال:(ايه رأيكم تعملوها الساعة عشرة او الساعة اتنين لانه بكره عندي كولن بأول وزير الخارجية الأمريكي). قلت:(امرك يا اخ ابو عمار). أبلغت مروان واتفقنا مع الشيخ حسن يوسف فالتظاهرة ستنطلق من جامع جمال عبد الناصر. انطلقت المظاهرة بعد صلاة الجمعة وخاطب الشيخ المتظاهرين:(المظاهرة اليوم وسط المدينة وليس باتجاه المقاطعة). لكن المتظاهرين لم يستجيبوا واندفعوا في شارع الإرسال صوب المقاطعة.
لم يراجعنا ابو عمار ولم يؤنبنا على ما جرى، ولم يعتبر ذلك تمردا عليه او عدم التزام بتوجيهاته. ربما قال في سره:(الحمد لله ان المظاهرة حصلت هكذا، فليسمع باول الهتافات). ابو عمار قائد عظيم.
يتبع
2020-04-22