أوكرانيا تتغذي على منطق الفوضى .. وأمريكا رأس حربة الصراع!
توفيق سلاَّم
في خضم ضباب الحرب وتراشق التصريحات، تتكشف ملامح مرحلة خطرة من العلاقات الدولية، يتراجع فيها منطق التسوية ويصعد خطاب الهيمنة والغطرسة إلى مستويات الانتفاخ. ليست أوكرانيا مجرد دولة في صراع حدودي مع جارتها روسيا، بل تحولت إلى ميدان مركزي لحرب باردة تتجدد، وتتقاطع فيها مصالح حلف شمال الأطلسي ونفوذ الولايات المتحدة، ويتقوض فيها أي أمل في تسوية دبلوماسية حقيقية على الأقل في الوقت القريب. أوروبا التي تحرك دوافعها واشنطن منغمسة في الصراع، ولا تريد الخروج منه، وربما مشدودة إلى ذلك دون تراجع.. وأخيرًا اتخذت الحزمة ال 18 من العقوبات الاقتصادية الإضافية على روسيا. وفي قلب هذا المشهد، يظهر دونالد ترامب ليس كصانع سلام، بل رجل حرب كرمز لفوضى سياسية جديدة تتغذى على الابتزاز، وتعيد إنتاج منطق الإمبراطوريات على أنقاض القانون الدولي.
إعادة تفعيل جغرافيا الحرب
الأزمة في أوكرانيا ليست وليدة لحظة، فمنذ العام 2014 تسير البلاد في مسار تصعيدي مستمر، يتغذى من تدخلات واسناد الغرب لدفع أوكرانيا نحو التحول إلى قاعدة لحلف شمال الأطلسي على حدود روسيا. بمعنى آخر أن الحرب ليست روسية-أوكرانية بالمفهوم الضيق، بل هي مواجهة شاملة بين روسيا والأطلسي، حيث تلعب أوكرانيا دور الوكيل العسكري والسياسي في صراع تتوسع خريطته الجغرافية ببطء ولكنه بثبات.
الاتفاقات التي حاولت تركيا ووساطة أنقرة التوصل إليها في مباحثات إسطنبول كانت بداية واعدة، لكنها تعثرت تحت وطأة ضغوط الغرب، إذ لا يبدو أن الولايات المتحدة ومن خلفها حلف الأطلسي معنيون فعلاً بوقف النزيف الأوكراني- الروسي. كل المؤشرات تدل على استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تهدف إلى إنهاك روسيا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا.
الولايات المتحدة التي لم تخرج بعد من عقدة الأحادية القطبية، تجد نفسها اليوم في مواجهة متعددة الرؤوس، في أوروبا مع روسيا، وفي الشرق الأوسط مع إيران، وفي آسيا مع الصين. لكنها، رغم ما تدعيه من قوة، تبدو فاقدة لتوازنها الجيوسياسي، تستعرض عضلاتها أكثر مما تمارس نفوذًا حقيقيًا، وتراهن على إذكاء الصراعات بدل احتوائها.
في هذا السياق، تعيد الإدارة الأمريكية تحت إدارة ترامب تفعيل جغرافيا الحرب، من أوكرانيا إلى بحر البلطيق، وكالينينغراد، وإلى الحدود الفنلندية، دول البلطيق كلها مسارح يجري توتيرها بتوسيع الناتو، حتى النمسا التي كانت دولة حياد سياسي تاريخي، يجري الآن دفعها نحو الأطلسي، في مخالفة صريحة لمعاهدات ما بعد الحرب العالمية الثانية. إنها سياسة التطويق الاستراتيجي التي تجعل من روسيا دولة محاصرة، تُغلق عليها الجبهات واحدة تلو الأخرى.
ترامب، الذي يدعي أنه يحمل مفاتيح السلام، لا يتحدث بلغة الدبلوماسية، بل بلغة دبلوماسية الرسوم الجمركية، وتصريحاته لا يمكن البناء عليها. وها هو اليوم، بعد سبعة أشهر من عودته إلى السلطة، يكشف حقيقة مشروعه، ليس مشروع تهدئة بل مشروع حرب. يتحدث بلغة التهديد والوعيد والتخويف والابتزاز السياسي والاقتصادي. حدد مهلة 10 أيام، لإنهاء الحرب الأوكرانية، وإن لم تسجب روسيا سيتخذ إجراءات فرض رسوم جمركية على حلفاء روسيا بنسبة 100%.
ماذا بعد العشر ؟
الإجراءات التي سيتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما فيها الإنذار الموجه لموسكو، لن تتمكن من التأثير على سير المعارك ونتيجتها في أوكرانيا. وتحديد مواعيد لتحقيق هذا الهدف (وقف إطلاق النار)، بغض النظر عن مدتها، لن يغير بأي حال. المنطق الأساسي الذي يقضي بأن روسيا لن تتخلى أبدًا عن رافعة نفوذها الرئيسة، وهو التفوق العسكري والهيمنة على أوكرانيا، دون تنازلات جوهرية من كييف والغرب، حسب ماتقول موسكو.
ويبدو أن الولايات المتحدة، لا تستطيع تقديم الكثير من حيث التأثير على الديناميكية العسكرية الثنائية بين روسيا وأوكرانيا،
وأن الحل الوحيد يكمن في دبلوماسية متسقة وإبداعية تأخذ في الاعتبار جميع التحديات والفرص في العلاقات الأمريكية-الروسية، لأن المخاطر تتجاوز بكثير أوكرانيا. وفي نفس الوقت، اعترف الرئيس الأمريكي بأنه غير متأكد من فعالية هذه القيود، أي رفع الرسوم الجمركية.
وعلق دميتري مدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي على تصريحات ترامب بأنها تمثل خطوة نحو الحرب، بشأن التوصل إلى وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، قائلا إن هذه “خطوة نحو الحرب”.
وكتب مدفيديف على منصة “إكس”: “ترامب يلعب لعبة الإنذارات مع روسيا، 50 يومًا أو 10 أيام.. وقال:” عليه أن يتذكر أمرين: الأول، أن روسيا ليست إسرائيل، ولا حتى إيران. والثاني، كل إنذار جديد يُمثل تهديدًا وخطوة نحو الحرب، ليس بين روسيا وأوكرانيا، بل مع بلده، وأضاف “لا تسلكوا درب جو النعسان!”.
ميدفيديف، الذي لا يتحدث من موقع شخصي، بل كممثل لمجلس الأمن القومي الروسي، أرسل رسالة واضحة، بأن روسيا ليست دولة لتُضرب وتبتلع الأمر، بل قوة نووية عظمى، جاهزة للرد بما يوازي التهديد.. الدلالة الدبلوماسية في كلامه تكمن في رمزيته، فالرجل يتحدث بلغة “الردع النووي غير المعلن”، ويكشف بوضوح أن التهديدات الأمريكية لم تعد تمر مرور الكرام، وأن استخدام أوكرانيا كورقة ضغط لم يعد بلا تكلفة.
تصريحات ترامب، التي قلصت المهلة من خمسين إلى 10 أيام، تتجاوز البعد السياسي إلى منطق الغطرسة الإمبريالية. إنها محاولات حثيثة لتوسيع جبهة الحرب الاقتصادية على روسيا، عبر فرض العقوبات والضغط على الدول المتعاملة معها، وهو تصعيد خطير، يوازي في دلالته الاستعداد لاستخدام وسائل أكثر تطرفًا إذا لم تُذعن موسكو.
رد ميدفيدف، اغاض الامبراطور الأمريكي، وهو ما جعله يتحدث بلغة التهديد مرة أخرى، ليقول:” علينا الحذر بعد تصرح نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، وقد ارسلت غواصتين نوويتين” لم يحدد وجهتهما.
ازدياد حجم الدعم الغربي
المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا لم تتوقف، بل ازدادت من حيث النوع والكم. الحديث لم يعد عن ذخائر تقليدية، بل عن صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة قادرة على ضرب العمق الروسي، بما في ذلك موسكو نفسها. ومع التهديد الأمريكي غير الخجول بهذه الضربات، يبدو أن الغرب بات أكثر استعدادًا لتجاوز خطوط بوتين الحمراء، ربما يدرك حجم الرد الروسي المحتمل، ومع ذلك يستعلي على القدرات الروسية، أو هكذا تشير تلميحاته. ولهذا جاء رد ميدفيديف قويًا، عندما قال:” بأن حربنا ستكون مع أمريكا”.
من هنا، لا تبدو احتمالات الحرب الشاملة مستبعدة. العالم يقترب من سيناريو غير مسبوق، حرب أوروبية جديدة، قد لا تخلو من نكهة نووية هذه المرة في حال تدخل الأطلسي. ومشروع السلام لم يعد له وكلاء، وأمريكا تقود العالم من جديد نحو هاوية، لا عبر الأخطاء، بل عبر التصميم.
وإذا كانت الجغرافيا السياسية تقول إن أوكرانيا هي خط التماس بين روسيا والغرب، فإن ما نشهده اليوم هو تحولها إلى فتيل قد يشعل ما هو أبعد من حدود أوروبا الشرقية. صراع المصالح صار صراع بقاء، والخطاب السياسي تحول إلى صراع إرادات نووية.. والسؤال الذي لا بد أن نطرحه هو: هل نعيش الأيام الأخيرة لما تبقى من الحياة على الكوكب في ظل هذا الاهتراء؟ أم أن البشرية على عتبة التحول الكبير نحو عالم جديد، عالم التعدد القطبي الأكثر عدالة الذي تقوده الصين وروسيا؟ الجزم حول هذا التحول أن هناك حراكًا دوليًا يمضي، وهناك إصرار قوي معلن وغير معلن على هذا التحول، للخروج من عباءة الأحادية القطبية والتفكير الامبريالي بالهيمنة والنفوذ على العالم.
2025-08-04