أوراق من سيرة والدتي… حلقة 25!
للإناث عيون لا يعرفها الذكور….
أبو علاء منصور.
قال أحمد سمارة -أبو معن- وهو من أبناء جيلي: (ونحن صغاراً كانت والدتك تنادينا بصوت حنون للعب في قاع داركم حيث الظل. في إحدى المرات شاهدتها تزيل مسامير من قاع قفة -أداة من الكاتشوك- ثم أحضرت مسلة -إبرة طويلة- وخيط قنب وراحت تخيطها عوض المسامير التي اقتلعتها. سألتها عما تفعله فقالت: (أبو محمد ناصح يا بنَيّي وما بقدر على الحصيدة وهو مقرفص. خطرت ببالي الفكرة كي يزحف على القفة زحفاً ويساعدني في الحصيدة). والدتك سيدة مبدعة. أذكر كيف أرسلتك إلى عمان بعد حرب حزيران عام 1967 مع عزات الديك الذي كان ينقل النازحين بقلابه. في تلك الآونة كنتُ أنا وأنت متخاصمين -حرابة- ، لكني حزنتُ حين شاهدتك تترك القرية. لولا جرأة والدتك وشجاعتها ما أصبحتَ أول جامعي في القرية.
انتقلت من بيت أبو معن إلى بيت لطيفة ياسين -أم العبد- ولطيفة قصة بحد ذاتها، فقد سافر زوجها إلى البرازيل وهي في العشرين من عمرها، تاركاً في حضنها طفل عمره ثمانية عشر شهراً وفي رحمها جنين، وعلى مدى سنوات انقطعت أخباره ولم يرسل نقوداً. قالت عن كيف تدبرت أمرها في غيابه: (كان لدي قطعة أرض سهلة وخصبة، كنتُ أزرعها خضروات صيفية -باميا لوبيا بندورة كوسا وفقوس- وأبيع منتوجها في القرية والقرى المجاورة وأحياناً في رام الله، وكانت حماتي -العزبة- تساعدني وتعتتني بأطفالي، وظلت تسكن معي حتى عاد أبو العبد من البرازيل. يوم عاد كان عمر ابني الصغير رضوان 16 عاماً). تأوهت وقالت: (حياة قاسية لكن الصبر يُلين الحديد). حاولتُ استفزازها للحديث عن تجربة كانت فيها بطلة في مواجهة ظلم الأهل فقالت: (لا أحب تذكر تلك الأيام، الله لا يوريها لحدا. أم عطا -لطيفة زوجة عمي البعل- عليها رحمة الله طلقوها من زوجها وحرموها رؤية أطفالها -4 أولاد وبنت- وقيل أن فتاة أخرى تزوجها رجل لليلة واحدة ووقّعها على أوراق تنازلها عن أرضها وطلقها في اليوم التالي. قلوب لا تعرف الرحمة وأناس لا دين لهم. وعن والدتي قالت: (قبل ارتباطها بوالدك كانت متزوجة من ابن عمها، لم يتفقا فزوّجته والدته بامرأة اسمها وسيلة من قرية كفر عقب، لم تحتمل والدتك الأمر فحردت عند أخوالها في حزما وطلبت الطلاق، وقيل إن أقاربها اشترطوا عليها التنازل عن أملاكها مقابل ذلك)
من بيت لطيفة إلى بيت زينب العبد -105 سنوات-. ردت أم محمد حين حاولتُ تعريفها بنفسي: (أنا بأسمعش يا ابنيّي، وقعتني الهّواية -تقصد المروحة- وقعتُ على الووكر وضغط على صدري). بالكاد أسمعتها في أذنها أنني ابن محمود سليم فابتسمت وقالت: (محمود ابن عمتي حليمة ياسين. أنا كنت خياطة وعندي ماكنة، كنت أخيط لبلدنا وكفر نعمة وصفا وخربثا سقا الله تلك الأيام). جاء ابنها أحمد ودخلنا في حديث عن والدتي فقال: كنا نلعب الجلول أمام بيتكم، كانت والدتك تفتح البوابة وتدخلنا إلى قاع الدار. سيدة حنونة وكريمة النفس ومحبة للأطفال. لم تطردنا يوماً أو تقول أخرجوا برّة. كنتُ أنا وعدنان ناصر ومحمد توفيق وأحمد عيسى ورياض الخطيب نلعب الرنة في قاع داركم، وكان أخوك جمال ومحمد توفيق أكثرنا مهارة في اللعبة، وفي لعبة الجلول كان جمال الفائز دوماً، وكنا نلعب سدايد ومراتي. وفي خميس البيض -خميس الأموات- كانت والدتك تطعمنا ملاتيت ومخمرات. أما والدك فلم يتوانى عن خدمة الجميع، كان ماهراً في كثير من الأعمال اليدوية، حلاّق ويُصلح كل ما يحتاجه البيت والفلاح من إبرة البابور والمذراة وحتى قلع الأسنان.
انتقلت إلى بيت محمد توفيق\68 عام. رجل جعلته جلطة دماغية نصف مشلول ومتعثر الحديث. تعاونت زوجته وأحد أبنائه في توضيح ما أراد قوله: (أمك محترمة كنا نلعب أنا وجمال مراتي ورنّة. كانت أم فهمي صديقتها العزيزة)
من هناك إلى بيت زهرة برناط أم -ازدهار- التي تميزت في مقاومة الجدار، كانت تضع أوعية الماء على طريق المتظاهرين، وكان بيتها بمثابة استراحة للمتضامنين الأجانب والإسرائيليين والصحفيين. قال زوجها هاشم برناط\69 عام الذي اشتهر في طفولته باصطياد الأفاعي والسحالي: (كانت والدتك بارعة في خبز الشراك). قالت زهرة: (كنتُ ألعب وأختك جمالة في قاع داركم، لكني لم أسرح مع الوالدة إلى الخلاء)
من هناك إلى بيت أديبة\أم وحيد\75 عام، السيدة التي اشتهرت وشقيقتها لبيبة\أم وجيه بالتبرع بدونميّ أرض لبناء مدرسة البنات في القرية. قالت حين ذكّرتها بالتبرع: (الطمع وقلة الدين والتناحر على الأراضي أكبر مشاكل الناس. لو أنهم يخافون الله كما يخافون المرض لكنا بخير وصلحت الدنيا). وعن والدتي قالت: (كانت أمك صديقة يُسرى إبراش -أم فهمي- كأنهما شقيقتان، كان زوج أم فهمي مسافر في فنزويلا وكانت والدتك تقضي وقتاً طويلاً عندها)
من هناك إلى بيت زهدية الخطيب التي تشتهر بعصاميتها وجرأتها في التصدي لجنود الاحتلال، وبخبز الطابون في احتفالات جامعة بير زيت وبعض مدارس رام الله ومطاعمها. ما زالت السيدة قوية رغم أن مرض السكري أكل جسدها. قالت زهدية عن والدتي: (كانت والدتك تسرح مع والدتي على الخلاء، تجمعان نباتات الشتيلية وتجففانها وتدرسانها لاستخدامها زبلاً للطابون. كانت والدتك علماً من أعلام القرية).
في اليوم التالي قصدتُ بيت شقيقتي حليمة فقالت عن والدتي: (اعتاد الرجال الجلوس صيفاً في ظل بيتنا حتى الظهيرة. في أحد الأيام طبخت والدتي رجلين بقر. وحين نضج الطعام سكبت في -صينية- وخرجت لتطعم الرجال، كان الحضور كما أذكر علي الخطيب\أبو سميح وشقيقه رشيد الخطيب\ أبو محمد، ومحمد منصور\أبو مصطفى، وعلي ياسين\أبو محمد، والواوي\أبو محمود وزوجته عواشة، وصفية تفاحة\أم محمد توفيق. ومما أذكره أن جلال القزعر\7 سنوات كان يأتي إلى بيتنا كأنه بيت أهله فيقول لوالدتي: (بدي خُبزة). كانت تعطيه ما يريد). أضافت: (أنجبت والدتي من ابن عمها ابنتين فهمية وفهيمة ولأنه وحيد أهله زوّجته والدته من فتاة من كفر عقب اسمها وسيلة، فطلبت الوالدة الطلاق، ولجأت بابنتيها إلى بيت خالها حسن أبو عوض في حزما حتى تزوجت من والدي، بعد ذلك اعتادت أن تجوب الجبال والأودية لقطف الزعتر، وكانت تقطف ورق الدوالي من الغرّام وتبيعها في رام الله وترسل ثمنه لك في الجامعة. أذكر أن صديقتها رابعة\أم سامي كانت حاملاً وضخمة الجثة، وأن والدتي كانت تنزع عنها ثيابها وتحممها في السقيفة في قاع دارنا). أضافت حليمة: (ذات مرة طلب رجل من القرية من الوالدة أن تقطف له كيسيّ فول مقابل ربع دينار للكيس الواحد، تشجعت وأخذت جمال وجمالة وملؤوا الكيسين. جاء الرجل لاستلامهما ورفض إعطاءها سوى ربع دينار فرفضت بشدة، فقد قضت وأشقاؤنا يوماً في قطفها). وعن علاقة الوالدة بخالتي يسرى قالت: (كانت والدتي تقضي أوقاتاً كثيرة عندها. واعتادت بعض صديقاتها أن يستحممن في بيتها، كونها تملك بئراً في قاع الدار وغرفتين واحدة للنوم والثانية تستخدم مطبخاً وللاستحمام، وزوجها مسافر في فنزويلا)…. ما سمعته من حليمة عرّفني أن للإناث عيوناً لا يعرفها الذكور، فأنا على سبيل المثال لا أذكر شيئاً مما قالته عن رابعة واستحمام النساء في بيت خالتي يسرى.
مع تحيات أبو علاء منصور
3\1\2021