أوراق من سيرة والدتي….. 10!
شيء من سيرة عائلتي….
مع تحيات أبو علاء منصور.
لم تكن أُسرتي متدينة بمعنى الالتزام بالعبادات والطقوس، لكن والداي متدينان بالفطرة، فقد صحوتُ على الدنيا ونحن نصوم شهر رمضان. كانت والدتي بسيطة لدرجة السذاجة ولا تعرف قراءة الفاتحة فأخالها قديسة. بعد عام أو أكثر من تخرجي في الجامعة تفجرت عند والدي فجأة رغبة لأداء فريضة الحج. ما الذي حركها في قلبه بهذا التصميم ووضعُنا الاقتصادي لا يسمح؟ جادلته الوالدة بالأمر لكنه أصر وترك المنزل غاضباً إلى جهة مجهولة. رغم ما تسبب به تصرفه من حرج لكني كنتُ واثقاً من أن تركه المنزل فكرة شيطانية أوحى بها أحد أصدقائه المقربين والهدف ابتزازي لتغيير شخصيتي غير المنسجمة مع المتعارف عليه من إذعان واعتباره من الخلق في نظر المجتمع. طمأنت الوالدة على أن ما حصل ليس من شخصية الوالد وشيمه. يومين ورجع الوالد أشد عناداً. قال لوالدتي: (سأبيع الأرض وأتزوج، إن كان لأولادك رغبة في شرائها فليشتروها وإلا سأبيعها للغير). ارتعبت الوالدة كأنثى وزوجة أما أنا فقرأتُ موقفه في سياق رد الفعل واستمرار الضغط، وأنه يتحدث من فيض غضبه وليس من حقيقة موقفه.
عدتُ من رام الله إلى القرية في نهاية الأسبوع، وحين التقينا قلت للوالد بنبرة غيظ: (تقول الوالدة أنك ترغب ببيع الأرض لتتزوج، الأرض أرضك ومن حقك أن تتصرف بها كما تشاء، وإن كنت تبغي الزواج حقاً فهذه مئة دينار نقوطاً). اشتم الوالد في كلامي رائحة سخرية فانطلق خارجاً من الغرفة كصاروخ وهو في حالة هستيريا: (عليّ الطلاق لأقص راسك). قال ذلك وعاد من السقيفة بسيف. أسرع الحضور وأقفلوا الباب بالزند وظل والدي يزمجر في الخارج، فيما والدتي تتكوم في زاوية كقطة مذعورة فهي تعرف شخصيته وتدرك جديته، كانت تختلس نظرة يائسة سريعة إليّ وتعود بعينيها المستنفرتين لتحرسا الباب. لحظات مرعبة تذكرتُ فيها ما قاله لي والدي وأنا فتى وهو يعطيني درساً في حسن الخلق: (كان هناك ولد متميز في المدرسة فأرسله والده إلى الجامعة في لندن. وحين تخرج احتفى به الوالد وأقام حفلاً بالمناسبة. تناول المحتفلون الغداء وصعد الشاب إلى المنصة، تحدث بفخر عن شهاداته وأنهى خطابه بالقول إنه يأسف لكون والده فلاح). أضاف والدي: (استل الوالد الشهم مسدسه من على خاصرته وأطلق النار على رأس ابنه فقتله). بالجملة التي أنهى بها والدي كلامه تخيلتُ مصري، فالكرامة عنده شيء لا يمكن المساومة عليه. كيف تسللت هذه الرواية المدمرة إلى ثقافتنا ومن ساهم في نشرها؟ لم أعد أذكر كيف انتهت غضبة والدي، لكني لم أعد للنوم في منزلنا حتى توفيت والدتي.
وأنا أستعيد ذكرى تلك الحادثة التي أظهرتنا كأسرة مفككة فيما أننا لسنا كذلك، لقد كانت الأسرة تشهد تحولاً في المفاهيم في ضوء تخرجي في الجامعة وشخصيتي المستقلة، وما جرى كان آلام مخاض. وأنا أستذكر تلك الحادثة أتساءل مع نفسي: (من غرس في ثقافتنا مقولة: إعمل خير تلاقي شر). أظن أن من ابتدع الفكرة الشريرة شخص أراد استغلال ماله لبناء عصابة موالية تخدم مصالحه، ولما تمرد (العبيد) تفتق ذهنه عن تلك المقولة الشيطانية، والصحيح أن من يعمل خيراً يرتد عليه خيراً مضاعفاً.
سنوات بعد وفاة الوالدة وأدى والدي وخالتي أم رحيمة -زوجته- فريضة الحج وبدأ يؤم المصلين في مسجد القرية، لكنه لم يطلق ذقناً أو يلبس دشداشة، وظلت مفاهيمه الاجتماعية إيجابية وبنّاءة ونظرته للدين واقعية.
مع تحيات أبو علاء منصور
2020-12-05