الأحداث في كردستان …. 2!
نمط التعامل مع بغداد.
ابو زيزوم.
بعد احتلال العراق عام 2003 ونشوء الوضع الجديد إختار الساسة الأكراد ان يتعاملوا مع بغداد بأسلوب القوة والتعالي وفرض الإرادة . أقول اختاروا لأن هذا الأسلوب لم يكن الخيار الوحيد أمامهم . وطبعاً لكل اُسلوب فوائده ومحاذيره وعندما يقع عليه الاختيار فإن اجتناب مضاره والاستفادة من مزاياه فقط غير ممكن . انها مغامرة عندما تفشل لن يُجنى منها الا الأضرار . ولابد انهم فاضلوا بين المناهج واستقر رأيهم على اُسلوب القوة كخيار ناجح في الحالات المماثلة التي تحتاج خلق واقع جديد ديموغرافي وجغرافي واداري .
لا اعتقد ان هذه النقطة تحتاج الى إيضاح طالما ان قراءنا العراقيين يعرفون ان اكبر مسؤول في الدولة العراقية لا يستطيع دخول الإقليم الا بموافقات مسبقة او ينتظر عند نقطة الاسايش ريثما يتصلوا ويقرروا ان يدخل او لا يدخل . وان العربي في المناطق المتنازع عليها حين كانت تحت سيطرتهم لا يستطيع ان يشتري قطعة ارض او يبني الا ضمن قيود صارمة وأحيانا لا يستطيع بالمطلق . وان الدوائر الاتحادية في تلك المناطق لا تتبع بغداد الا شكلياً ، فالدولة الاتحادية لا تتعدى كونها ممول بينما الإجراءات العملية خاضعة لسلطة الإقليم تماما . وحتى الأجهزة الأمنية هناك تأتمر بأوامر البشمرگة والاسايش .
هذه الحالة وما حققته من نجاحات أغرت الساسة الأكراد بأنها السبيل الوحيد والمضمون لتحقيق اهدافهم القومية . النجاحات التي تحققت حتى عام 2014 لها اسبابها الموضوعية. وعندما تتبدل تلك الأسباب لا تعود تلك السياسة ناجحة وهو ما لا يريدون الإقرار به لأكثر من سبب أهمها انهم قطعوا شوطاً بعيداً في المسار ، والتراجع عنه يعني تقهقراً كارثياً . فبقدر الإنجازات التي حققوها بُنيت أحقاد وحساسيات يصعب وربما يستحيل القفز فوقها .
هذا الأسلوب في التعاطي مع بغداد انعكس على الجانب الأهم وهو الجانب الاقتصادي والمالي. إذ دأبوا على الاغتراف من الخزينة العراقية ما يفوق ضعف استحقاقهم السكاني ( وهو ما نشرحه بالأرقام في المنشورين القادمين ) فلم يكن وارداً في حساباتهم التعامل مع الدولة العراقية بأي شكل من اشكال الشراكة فضلاً عن التبعية . كانوا يجتهدون لنهب كل ما يمكن نهبه من هذه الدولة الواقعة تحت الاحتلال قبل مغادرتها بدولة كردية مستقلة . وكانت الأوضاع جميعها لصالحهم بدءاً بالمحتل الذي يوفر الغطاء لكل ما يريدون الوصول اليه ، مروراً بالساسة العرب المتكالبين على المناصب والمغانم دون الالتفات لما يفعله الإقليم بل ان كثيرين منهم وفي اعلى المستويات يعملون للإقليم كحلفاء او كأجراء او كعملاء ، وانتهاءً بالفساد الذي استحال باباً مفتوحا يلج منه الأكراد الى كل ما يريدون ، وهو موضوع انقلب ضدهم في ما بعد كما سنوضح لاحقاً.
لقد مر اقليم كردستان بطفرة رخاء هائلة لثلاثة أسباب : الاول انه كان يحصل على أموال خيالية من الدولة العراقية لا يحصل على نصفها اي جزء آخر من العراق . والثاني ان الادارة في الإقليم كفوءة وأنزه من الادارة في اي جزء آخر من العراق . والثالث ان المساعدات الدولية للعراق تتركز في كردستان ولا يصل المناطق الاخرى الا الفتات . لكن المستوى السياسي لم يكن بالمستوى الاداري ، فلم يتم التخطيط لبناء تجربة اقتصادية ناجحة . الذي جرى يشبه الاستمتاع بقرض ، سيتلاشى عندما يحين وقت السداد . وهو ما نراه اليوم في السليمانية وغيرها .
_________ يتبع
( ابو زيزوم _ 939 )
2020-12-11