أوراق من سيرة والدتي…. 14!
رحلة المجهول….
أبو علاء منصور.
عطا ياسين ليس مجرد صديق، إنه أخ، وقد تأسست علاقة طفولتنا على شراكة بالجلول، كنتُ متميزاً بهذه اللعبة ودعمني عطا بتعريفة -نصف قرش- لأشتري جُلولاً، وبهذه الشراكة جمعتُ جلول أولاد القرية. كبرنا وكبرت معنا العلاقة فعملتُ معه في فرن في قرية عين عريك لبيع الكعك، كنا نحمل الكعك على رؤوسنا من القرية صعوداً إلى مدينة رام الله.
أحبك يا عمّان. مشيتُ شوارعك فتى مراهقاً، أحمل “الفرش” على رأسي، وأوزع الخبز على البيوت والدكاكين والمطاعم في حارات جبل عمان الراقي. كنتُ آتيك في العطل الصيفية للعمل مع صديقي عطا في مخبز جبل عمان بالقرب من الحاووز، ومخبز الأمانة المقابل لجامع الصفدي. وفي نهاية العطلة أعود لوالدتي بخمسة دنانير، فأفرح قلبها بابتسامة ودمعة، أنني أصبحتُ شاباً! طعمك مرٌ اليوم يا عمّان! فأنا أقصدك نازحاً ووالدتي حزينة! كل شيء تغير بفعل الهزيمة.
فور وصولي إلى عمان توجهتُ إلى مخبز الأمانة حيث صديقي عطا، ومن هناك إلى منزله الصغير في حيّ المصاروة. في ذلك الصيف كان عطا أباً لطفلتين ويملك نصف -مخبز الأمانة- ويسكن شقة من غرفتين ومطبخ، وحمّام خارجي وحوش صغير. أتاح له تفهم زوجته مريم ياسين للظروف التي استجدت بعد الحرب. احتضاني واستضافة عدد من شبان قريتنا في منزله المتواضع. فما كان يحتاج إليه النازح يومها لا يزيد عن منامة، وكسرة خبز يُسكتُ بها معدته ووجه بشوش يحفظ كرامته. كل ما عدا ذلك يبدو رفاهاً وفائضاً عن الحاجة.
ظن كثيرون أنني وعطا أشقاء، وكان هو يدعم هذا الاعتقاد بالقول: محمد أخوي. أما والدتي فتقول: عطا يستحق حصة في الميراث كشقيق. اتفق معي عطا على أن أعمل عنده في المخبز بأجرة خمسة عشر قرشاً يومياً مضافاً إليها عشرة قروش منه لتدريسي في الجامعة. التحقتُ بكلية الحسين في جبل الحسين. كنتُ أشتغل من الفجر وأداوم في المدرسة ظهراً. وأنام في غرفة أم عطا. كانت السيدة العجوز توقظني عدة مرات ليلياً: محمد، قوم يا بنيّي، تأخرت عن شغلك. كنتُ أنظر إلى ساعتي فأجدها تشير إلى منتصف الليل فأقول: لا زال الوقت مبكراً يا حجة. وما أن تغفو عيناي حتى تعاود إيقاظي: محمد قوم لشغلك. كان ذلك يتكرر ليلياً وأرد بهدوء مصطنع: لم يحن وقت العمل بعد يا خالة، لا تقلقي.
مع تحيات أبو علاء منصور
يتبع
9\12\2020