أحداث في كردستان …. 6!
الفساد.
ابو زيزوم.
كانت إدارة الإقليم نظيفة من الفساد اذا قيست بالإدارة في العراق . الفساد هناك تحتكره عائلات متنفذة في أعلى الهرم السياسي . وربما هم لا يعتبرونه فساداً لأنه امتداد لسياقات عمل الحزبين عندما كانا يقاتلان ضد الدولة في عقود خلت . فكل ما يخدم البيشمركة في قتالها يكون مشروعا . لكنهم ومنذ عام 1991 باتوا حكومة ليس بين أعمالها القتال ومع ذلك استمرت إجراءات السيطرة على الموارد بطريقة حزبية . كانت الروح الثورية والقومية متفوقة على المطامع والأنانيات ، غير انها وبطبيعة الحال لا تبقى كذلك خصوصاً بعد 2003 وانفتاح انهار الذهب بغير حساب . وهنا يدخل العامل المهم في انتشار الفساد وهو عامل العدوى ، فالفساد من أكثر الآفات الاجتماعية قابلية للعدوى .
سلطة الإقليم في الوقت الذي تحاسب فيه بصرامة اي تعاطي غير قانوني مع المال العام داخل اجهزتها لم تكن تتبنى ذات الموقف مع المحسوبين عليها العاملين في الدوائر الاتحادية . فالضابط الكردي مثلاً العامل في وحدات الجيش العراقي يعلم جيداً انه لن يحاسب في الإقليم على أية سرقات يمارسها في عمله ، بل ربما يلقى تشجيعاً ، وعلامة التشجيع ان الإقليم يشكل له ملاذاً آمناً من الملاحقة الاتحادية عندما ينكشف فساده ويطلبه القضاء . انه وببساطة يعود الى الإقليم ويجلس هناك آمناً مطمئناً . ولم يتم حتى الان تسليم كردي واحد متهم بالفساد الى المحاكم العراقية رغم انهم بعشرات الآلاف .
اما في المناطق المتنازع عليها حيث تتداخل الحكومة الاتحادية والإقليم في كل المفاصل فإن الظاهرة ذاتها موجودة وبصورة شديدة الغرابة . لأن الموظف الموالي للإقليم يمارس عملاً مركباً ، انه لا يسرق ويهرب كما هو حال العاملين في بغداد وانما وبحكم ان السيطرة الأمنية لأجهزة الإقليم يسرق ويبقى ويحاول ان يؤثر على الدوائر لإرتكاب مخالفات يكون هو بمنأى عنها . اي انه يمارس الانحراف بتوجيهات حزبية تخدم السياسة العامة للإقليم ، ويمتزج فيها الحزبي بالشخصي .
وهناك أيضاً البُعد الأمني ، فالمقياس العام هو خدمة القضية القومية بمعزل عن الاعتبارات الاخرى . ان إرهابياً يقدم خدمة لكردستان لا يعامل كإرهابي من قبل السلطات . وفطن الإرهابيون في وقت مبكر لهذه النقطة فمدوا جسور التعاون . ولا غرابة ان تكون ماشياً في منطقة القلعة بأربيل وتصادف إرهابياً معروفاً من ابناء منطقتك ، وطبعاً اول ما يخطر ببالك ان تفعله هو الاختباء بين الناس كي لا يراك لعلمك اليقيني انه لم يتواجد هنا اعتباطاً وأنك الخاسر في الاحتكاك به .
وتأتي الحكمة القائلة ( من حفر بئراً لأخيه وقع فيه ) فبعد الحرب مع داعش ومن ثم عودة اغلب المناطق المتنازع عليها الى السلطة الاتحادية عاد الى الإقليم أغلب أولئك المتكسبين . عادوا بكل ما في حوزتهم من خبرة وتجارب في مجال الفساد وبكل ما في نفوسهم من استعداد وعزم لمواصلة المسيرة . الحالة تشبه بالضبط ان تقرر السلطات تفكيك مجمعات الكاولية ودمجهم في المجتمع ؛ اي الطرفين يؤثر في الطرف الآخر . وهكذا كان وأصبحنا في الهوى سوا . وانقشعت حقبة من الزمن كان فيها الإقليم مضرباً للمثل في النجاح والتقدم والنزاهة ، كان السياسيون الأكراد يفاخرون على الشاشات بتجربة النجاح في كردستان ، واذا بالأمور تنقلب رأساً على عقب . فأصبح المواطن الكردي الموظف على ملاك الحكومة الاتحادية محسوداً بين اقرانه وجيرانه . وقامت المظاهرات في مناطق السليمانية ليس لأن الأوضاع في أربيل ودهوك أفضل وانما لأن هامش الحريات في ثقافة الاتحاد الوطني اوسع مما هي عليه عند الديمقراطي الكردستاني. ولا يتوقع احد حلولاً سحرية للازمة التي بدأت تمس ثوابت كان المساس بها من المحرمات كإحراق مقرات الحزبين التقليديين والمطالبة بالعودة الى بغداد بدلاً من سلطة كردستان . فإلى أين تتجه الأمور ! هذا ما سنحاول الإجابة عليه في المنشورات التالية .
________ يتبع
( ابو زيزوم _ 943 )
2020-12-15