عُـرس الشـهــادة!
زمزم العمران
قال تعالى في كتابه الكريم : (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) .
مابين عرس إقامه في الأرض ، وعرس أعدته السماء لم تمضِ سوى إيام قليلة ،فترك عروسه ومضى الى وعد الله ،فرِحاً بما أتاه الله من فضله .
لم يكن حسين شاباً عادياً مرّ في هذه الدنيا كما يمر الآخرون ؛ فقد عرف منذ وقت مبكر أن العمر ليس بعدد السنوات ،وأن الإنسان لايُقاس بما يملك بل بما يقدّم ، وان الطريق إلى الله يحتاج قلباً لاتفتنه زينة الحياة مهما أطلقت سهامها في وجه الشباب ،في زمن انشغل فيه الكثير بتحسين مظاهرهم ونسوا بواطنهم ،وتغيرت فيه الأهداف حتى ضاعت علة الوجود ،كان حسين ينسحب بهدوء من ضجيج الدنيا ،ليقترب أكثر من السماء ،كان تلميذاً في مجالس الحسين عليه السّلام، حتى أصبح معلماً في مدرسة الحب والإخلاص والطاعة والفداء.
أنه السيد الشهيد حسين بن السيد سامي بن السيد عبد الصاحب بن السيد هاشم بن السيد حبيب الموسوي ،الذي ينتهي نسبه الى السيد جعفر الخواري بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، ولد عام 1993 في ناحية كرمة علي جنوب مدينة البصرة ،وسط عائلة عُرفت بإيمانها والتزامها الديني والأخلاقي ومواقفها المناهضة للنظام البعثي ، وفي ذلك البيت نشأ حسين فتربى على حب اهل البيت عليهم السلام،وشرِب منذ طفولته معنى الولاء والالتزام والتضحية .
لم تكن علاقة حسين بالحسين عليه السلام علاقة مناسبة أو موسم عزاء ينتهي بأنتهاء أيامه ،بل كانت علاقة حياة ،كان كثير الحضور في المجالس الحسينية ،مواظباً على صلاة الجماعة متعلقاً بخدمة الإمام الحسين عليه السلام،كثير البكاء عليه كان يجد في طريق المشي من البصرة الى كربلاء في زيارة الأربعين معنى آخر للحياة ، كان يسير بجسده نحو كربلاء ،فيما كانت روحه تسير منذ سنوات نحو الحسين عليه السلام ،اتصف الشهيد بطيبة القلب ونقاء السريرة ،فلم يكن يحمل في داخله حقدا على أحد ، واذا حدث سوء فهم بينه وبين شخص ،لم يكن يستطيع النوم قبل أن ينهي ذلك الخلاف حتى وإن كان هو صاحب الحق ، كان يرى أن القلب الذي يريد أن يسكن فيه حب الله،واهل البيت عليهم السلام لا ينبغي أن يترك فيه مكاناً للضغينة، كان حسين يُسابق الجميع في خدمته لأبا عبدالله،في حسينية العقيلة زينب عليها السلام،كان يحمل اكواب الشاي ويوزعها على الزائرين ،حتى أصدقاؤه يقولون له ممازحين : (سيد اترك لنا شيئاً من الخدمة ) ،فيجيبهم بقول الله تعالى :(أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) .
كان من أبرز خدام موكب العقيلة زينب عليها السلام،احد المواكب الحسينية الكبيرة في البصرة،كما ساهم في تأسيس موكب عبد الله الرضيع لخدمة زوار الإمام الحسين عليه السلام،ولم تتوقف اهتماماته عند الخدمة الحسينية فحسب ،بل شارك أيضاً في تأسيس جلسة الانتظار ،وهي هيئة تهتم بثقافة الانتظار والتمهيد لعصر الظهور الشريف ، كان للفقراء نصيب كبير من قلبه لم يكن يحب أن يعرف الناس ما يقدمه ،لذلك اختار صدقة الليل ،كان في كل شهر يجهز السلات الغذائيةوالاموال ،ويوزعها ليلاً على الفقراء ، يطرق الأبواب في الظلام يقدم مايستطيع ثم يمضي دون أن ينتظر شكراً،وعندما يسأله البعض لمن يكون ثواب هذه المساعدات ؟ فيجيبهم : فقط ادعوا لصاحب الزمان بالفرج ، كانت علاقته بصاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف،علاقة خاصة وعميقة ،لم يكن الانتظار عنده مجرد فكرة أو حديث ،بل كان منهجاً ينعكس على أعماله اليومية .
كان يجعل من أعماله ومستحباته بنية تعجيل الفرج،حتى في ساحات الجهاد لم يكن يرى الوقت وقتاً للقتال فقط ،بل فرصة أخرى للارتباط بالله وأوليائه ،كان دائما يقول : نحن في نعمة كبيرة نغفل عنها وهذا الوقت يجب أن لايمر من دون ذكر أهل البيت عليهم السلام،وخصوصاً صاحب العصر والزمان،كان يجمع رفاقه ويطلب من كل واحد منهم أن يقرأ يومياً دعاء الفرج حتى يعودوا إلى منازلهم قائلاً : ( بهذا العمل سوف ندخل الفرح والسرور إلى قلب الحجة عجل الله فرجه الشريف) .
كانت له أمنية واحدة لايخفيها عن اصدقائه “أن يُقتل في سبيل الله” ، بل كان يتمنى أن تكون شهادته عطشاً مواساة لجده الإمام الحسين عليه السلام،فكانوا أصدقاؤه يمازحونه ويسألونه :متى تستشهد سيد ؟ ،فيجيبهم مازحاً: انا لا استشهد حتى اتزوج ! ،وكأن القدر كان يستمع لتلك الكلمات ،في الاول من يناير عام 2016 ، كان موعد زفاف السيد حسين الموسوي،كان حفلاً متواضعاً بسيطاً يشبه صاحبه ،وقبل ساعة من إقامة المحفل ،وصل خبر استشهاد صديقه وقائده الشيخ جليل الأسدي، حاول الحاضرون اخفاء الخبر عنه لكن الخبر وصل إلى مسامعه ،حزن حسين كثيراً كان اخوه قد ذهب لإحضار كعكة الاحتفال فأتصل به حسين قائلاً : اجعل لون الكيكة اسود واكتب عليها الشهيد الشيخ جليل الأسدي،وفعلاً جائت الكعكة سوداء تحمل اسم الشهيد ، أقيم المحفل وقطع حسين الكعكة ووزعها على الحاضرين لكنه اختار القطعة التي كُتب عليها اسم صديقه الشهيد وقال : (هذه حصتي ) ،اي عريس كان هذا ؟! واي قلب يستطيع أن يحول ليلة فرحهُ الى ذكرى لشهيد ؟!! ،يروي أحد أصدقاء الشهيد أنه في يوم من الايام،كان برفقة السيد حسين عند الشيخ جليل الأسدي وكان الشيخ يحبه كثيراً وبين الحديث والمزاح ،قال الشيخ :(مدوا ايديكم لنتعاهد أمام الله) مد الشيخ يده ،ووضع السيد حسين يده فوقها ، ثم وضع الصديق يده ،وقال الشيخ :(اللهم اشهد اني اشفع لهم يوم القيامة اذا كنت من أهل الشفاعة ) فكرروا العهد نفسه السيد حسين وصديقه ، ولم يكونوا يعلموا أن الأيام ستختصر المسافات وأن ذلك العهد لن يبقى مجرد كلمات ،قِيلت في مجلس الاصدقاء .
في ليلة زفافه وصل الأمر بالالتحاق إلى قاطع الثرثار،أصر حسين على الذهاب فوراً لكن أصدقاؤه ووالده اقنعوه بأن ينهي مراسم زفافه ثم يلتحق برفاقه ،انتهى الزفاف وفي الليلة الثالثة من زواجه أعلن قراره بالالتحاق ،اعترضه والده قائلاً بلهجة الأب المليئة بالخوف والحب :(بوية وين ماشي وهاي بنت الناس المن تزوجتها ) ، فأجابه حسين : ( اذا ماتخليني التحق ،بعد لادكول احنا سادة ومن ذرية النبي،الآن احنا لازم نقتدي ونتأسى بالحسين عليه السلام،لأن الحسين مامنع القاسم عليه السلام من الجهاد والشهادة) ،فسكت الاب ولم يجد جواباً أمام كلمات ابنه،فكيف يمنع رجلاً اتخذ من كربلاء طريقاً له ، ترك حسين عروسه بعد ايام قليلة من زواجه وترك خلفه بيتاً ،كان يمكن أن يعيش فيه حياة هادئة،لكنه اختار طريقاً آخر،لانه كان يعلم أن بعض الاعراس لاتقام على الأرض حين بدأ يودع الدنيا ،قبل استشهاده تغير حسين كثيراً،صار يطيل الجلوس وحيداً في الليل ،كثر بكاؤه،قل كلامه ، وبدأ يسأل أصدقاءه اسئلة غريبة ، لكنها كانت في الحقيقة رسائل وداع ،كان يقول : كيف لمؤمن يحضر مجلس عزاء الإمام الحسين عليه السلام ويعصي الله تعالى ، وكيف لعين تبكي للحسين عليه السلام وتنظر إلى المحرمات، وكيف للسان يقرأ كلام الله وينطق بالفحش ؟!! ، وكأنه كان يغسل روحه من كل مايمكن أن يحجبها عن لحظة اللقاء وكأنه يتهيأ إلى الجائزة الكبرى وهي الشهادة ، اتفق حسين وأصدقائه على إقامة مجلس أسبوعي لقراءة حديث الكساء كل ليلة اربعاء في بيت أحدهم ،وكان حسين يفرح فرحاً شديداً،عندما يكون المجلس في بيته .
وفي إحدى العمليات في مدينة تكريت ،وقبل الدخول إلى الهجوم التفت إلى أحد اصدقائه وقال : (قل لأهلي أن لاينسوا مجلس حديث الكساء في بيتنا اذا استشهدت ) ، لم يكن يفكر في وصايا الدنيا كان كل همه الا ينقطع ذلك النور من البيت ،فقد رآه أحد أصدقائه في المنام وكأنه على عجلة من أمره ويريد الذهاب، فأمسك الصديق يده وقال الى اين تذهب فأنا مشتاق لك كثيراً،فأجابه حسين:انا ذاهب لأتزوج ،تعجب صديقه وقال : الم تتزوج منذ أيام ؟ لماذا الزواج مرة أخرى،استيقظ صديقه من حلمه ولكن قلبه غير مطمأن فقال لصديقه حسين ادفع صدقة رأيت فيك رؤيا ، لكن حسين اجابه وكأنه أدرك معنى الرؤيا : والله لن ادفع صدقة ، اتأتي الشهادة وادفعها بصدقة ، وهل هناك عاقل يفعل ذلك ، كان حسين قد فهم وكان ينتظر ،وبعد يومين فقد جاء الأمر بالهجوم ،دخل حسين ورفاقه إلى الهجوم كان المكان لايبعد عن مواقع العدو سوى ثلاثمئة متر فقط ، تمركز حسين على مسافة خمسة عشر متراً من اصدقائه ، واشتد القتال حتى صار الموت اقرب من الأنفاس،وسط أزيز الرصاص والصواريخ كانت اصوات الأعداء تصل إليهم بالسباب والافتراء ،أما حسين فكان صوته يرتفع فوق اصوات المعركة” لبيك ياحسين” ، “لبيك يا زهراء” ،”لبيك يا عراق ” ،وفي وسط هذا الجحيم حاول أحد أصدقائه أن يمازحه قائلاً : “سيد خابر امك خل تشوفلي مرة ” فرد حسين : ( شتسوي بالمرة ،ماتشوف هاي حور العين ،ثم مد يده خلف الساتر وأشار ،وكأنه يرى مالايراه الآخرون ،كانت الكلمات تمر على أصدقائه كمزاح في لحظة حرب ، لكن بعد ساعات فهموا أن حسين كان يرى عرساً اخر .
اشتد القتال ، واقتربت اللحظة ،كان من المعتاد أن يقول المقاتلون لبعضهم عن اقتراب الشهادة : وداعاً والملتقى عند الحسين عليه السلام، لكن حسين حتى في شهادته كان مختلفاً،التفت إلى صديقه المقرب وناداه :(حبيبي علي ، وداعاً والملتقى في الرجعة ) ،كانت كلمات لم يفهمها صديقه في تلك اللحظة ، لكنه أدرك لاحقاً أن حسين كان قد بدأ يودع الدنيا بطريقة لاتشبع أحداً ، وعندما اشتد القتال أكثر قال حسين لرفاقه: (لقد اهلكني العطش الا يوجد لديكم ماء ) ، حاولوا الوصول إليه لكن كثافة الرصاص كانت تمنعهم من رفع رؤوسهم ،كان الماء قريباً لكن الطريق إليه كان ناراً ، وظل حسين عطشاناً ذلك الشاب الذي طالما تمنى أن يواسي جده الحسين عليه السّلام في عطشه ،شاءت إرادة الله أن تتحقق أمنيته.
وفي الثالث عشر من كانون الثاني عام 2016 ،أصابت رصاصة قلبه الشريف فسقط حسين شهيداً،عطشاناً، كما كان يتمنى ،لقد عاش حياته كلها وهو يتعلم من مجالس الحسين عليه السلام معنى الفداء ، كان خادماً في مواكب الحسين يسابق الجميع على حمل اكواب الشاي،وكان يطرق أبواب الفقراء ليلاً ،وكان يقرأ دعاء الفرج،وكان ينتظر صاحب الزمان ، وكان يبكي الحسين ،وكان يتمنى الشهادة عطشاناً ،ثم جاءت اللحظة التي اجتمعت فيها كل تلك الطرق في طريق واحد ، طريق الخلود .
رحل حسين ،لكنه ترك وراءه سؤالاً كبيراً لكل شاب : ماذا فعلت بعُمرك ؟
لقد أثبت حسين أن الشباب ليش مرحلة للضياع ، وان القلب يمكن أن يكون أكبر من مغريات الدنيا ، وأن الإنسان يستطيع أن يعيش عمره كله من أجل هدف لإيران الناس ،لكنه يراه واضحاً بينه وبين الله ، رحل تلميذ المجالس الحسينية،لكنه عاد أستاذاً في مدرسة الوفاء ، رحل العريس من ليلة زفافه،لكنه دخل عرساً لاينتهي ، رحل عطشاناً لتبقى شهادته قطرة ضوء في طريق الحسين عليه السلام ،فسلام على قلب لم يعرف الحقد ، وسلام على يد سبقت إلى خدمة الحسين ، وسلام على قدم مشت من البصرة الى كربلاء،سلام على السيد الشهيد حسين الموسوي،يوم احب الحسين ،ويوم خدم الحسين ، ويوم قاتل وهو يهتف لبيك ياحسين، ويوم ارتقى عطشاناً ويوم يُبعث مع الحسين .
2026-08-29