متى تصبح السيادة فضيلة بين رذيلتين!
أ.د. عامر حسن فياض
رسم المفكر الفرنسي جان بودان (1530 – 1596) ومن جاء بعده صورة السلطة متلازمة بمفهوم السيادة التي تعني استقلال الدولة وحكومتها وقرارها عن أية إرادة خارجية أو داخلية. وتتمتع هذه الدولة والحكومة ذات السيادة بسلطة عليا لا تتجزأ وغير منقوصة تمارسها على إقليمها ومواطنينها.
وهذا التحديد للسيادة لم يقف صلداً أمام تحولات الفكر والواقع، وظلت أطروحة السيادة سؤالاً سجالياً لا يعرف الثبات ولا يعترف بالديمومة والاستقرار إزاء خصومها دعاة العولمة التي اكتسحت الحدود الوطنية؛ فأصبح المال معولماً والسلع معولمة والأفكار معولمة، وهكذا كل أنماط الحياة أصبحت معولمة في استهلاكها وإنتاجها واستخدامها وانتشارها وانتقالها.
إن السيادة الإطلاقية البودانية كانت قد سببت حروباً ونزاعات وتقاطعات بين القوميات والأمم حتى كادت شعوب العالم لا تطيق تداعياتها بعد أن اختنقت بها. وفي ذات الوقت، فإن البديل وتجلياته هو الآخر توسل الحروب والهيمنات المطلقة على مصائر الشعوب ومقدراتهم من قبل مراكز رأسمالية متوحشة، فالشركات المتعددة الجنسيات والمتلاعبة على الجنسيات والتي قلبها وعقلها الولايات المتحدة الأمريكية تريد فقط الاستحواذ على سلطة حكومية عالمية مطلقة التصرف، الأمر الذي يستدعي البحث عن سيادة فضيلة؛ أي السيادة التي لا تتجاوز إرادة الشعوب في العيش اللائق والمشترك في ظل أنظمة حكم سياسي قائمة على الإقرار بالتعددية والتنوع وسائرة على نهج يضمن الحريات والعدالة الاجتماعية.
وهكذا تصبح السيادة المنشودة لكل شعوب العالم وأوطانها هي فضيلة بين رذيلتين هما: رذيلة الإفراط في السيادة البودانية العدوانية الصلبة، ورذيلة التفريط بالسيادة (السيالة المعولمة).
وهذا إذا أردنا أن نوجه رسالة انتباهات إلى متخذي القرار القابضين على السلطة بصدد مسألة السيادة، نضع مسطرة معرفة لها صلة بعقلانية وتفكير وسلوك من يريد أن يكون رجل دولة يجيد التعامل مع أطروحة السيادة فكراً وعملاً، وتلك الانتباهات تتمثل بما يأتي:
- ضرورة فهم علاقة الاعتماد المتبادل بين الاستقلال السيادي والديمقراطية المدنية للدولة.
- ضرورة فهم الترابط بين سيادة الداخل والخارج، أي انتزاع السيادة داخلياً وتكامل السيادة خارجياً.
- ضرورة وحدة الخطاب السيادي الموحد للدولة وإخراجه من دائرة الاستحقاقات الجهوية الفرعية القابلة للخلاف والاختلاف وإدخاله في دائرة الاستحقاقات الوطنية العليا للدولة غير القابلة للخلاف والاختلاف.
- ضرورة التمييز بين نهج التدويل والنأي بالنفس في التعامل مع المحيط الإقليمي والدولي انطلاقاً من نهج العراق أولاً.
- اعتماد النهج الوظيفي لا العقيدي في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
الإشارة إلى أن الأعمال السيادية لا تحتاج أزلام سياسة وهم كثر، بل تحتاج رجال دولة وهم قلة، ومن الضروري عدم اكتفاء رجل الدولة بالتصدي والانشغال والتعامل والمعالجة للمشاكل القائمة فحسب، بل القادمة أيضاً.
وآخر الانتباهات تفيد بأن الدولة مالم تكن لها سيادة ناجزة توفر اكتفاءً ذاتياً بالغذاء والدواء والمعرفة سوف لا يكون لها مكان تحت شمس المستقبل.
عندها سيكون الحريص على بيته الوطني منفتحاً لا منغلقاً ولا مقاطعاً، وبالمقابل ستكون البيوت الوطنية الأخرى متعاونة معه لا مخاصمة لبيته، وهنا لا خشية على أسرار ومقدرات بيوت العالم وهوية أبنائهم وحقوقهم حتى لو أصبح العالم قرية كونية صغيرة يظل كل بيت فيها يتمتع بسيادة حريته والعدالة الاجتماعية بين أبنائه.
ولا خشية على السيادة بعد ذلك طالما أن القرارات والخيارات، سواء بالتنازل أو بالتمسك بالحقوق، مقترنة بإرادة كل شعب قادر على التعبير عن خياراته بحرية قائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية. فالحرية هذه في كل وطن هي السيادة التي ينبغي أن تسود بدل السيادة البودانية المطلقة العدوانية الصلبة، وبدل السيادة المعولمة الرأسمالية المتوحشة.
ونحن هنا نراهن على حركات الشعوب الاجتماعية غير المنفلتة والمنظمة بمؤسسات دستورية وبسلطات شعوب موازية، ليصبح عالمنا عالم سيادة شعوب لا عالم السيادة البودانية (عالم شريعة الغاب) ولا عالم سيادة العولمة المطلقة (عالم غاب بلا شريعة)؛ لأن الشعوب لا تستاهل ماضيها في السيادة البودانية القومية العنصرية المتقاتلة، ولا تستاهل حاضرها في سيادة عولمة نيوليبرالية متوحشة.
2026-08-29