أوراق قديمة من التجربة القاسية… حق الرواية والكلام…
الضحك في قعر الجحيم الأخير…
أحمد الناصري
في تموز من عام 79، أي في الأيام الأولى لصعود صدام الرسمي، وإطلاق مشروعه الفاشي التدميري، الذي أعده وحضره بعناية على نطاق واسع من العام 69. كنت معتقلاً أجوب دهاليز الفاشية الهمجية، معصوب العينين، مهدداً بالموت الحقيقي المباشر وليس المجازي، معلقاً بين الموت والحياة، وما بينهما من عذاب رهيب، على أثر خيانة رخيصة وسريعة، يعرفها الحزب والمدينة، نفذها ولد ريفي ساذج.
بعد جولة وتنقل في مواقف وأقبية ودهاليز كثيرة من الجحيم السفلي، من بينها مديرية أمن الرصافة المرعبة، وإنقاذ بالصدفة (بمشيئة الحياة المجيدة والعارفة بمصيري) من موت محقق وأكيد وليس عابر، نقلوني إلى معتقل أمن بغداد الرهيب، بواسطة سيارة مموهة لبيع الآيس كريم، يلقى فيها المعتقلون كالخرق على ارضيتها الحديدية. أمن بغداد، قطعة مهمة وخطيرة من شبكة ذاك الجحيم السفلي السري، المنتشر والموزع على خارطة الوطن، ومن ركائز الأمن العام الوحشي الأساسية.
هناك التقيت بعدد كبير من الرفاق والأصدقاء، ومن المواطنين العراقيين البسطاء الأبرياء، وشاهدت من بعيد صديقي علي عبد الكريم مدرس التاريخ الشهير في الناصرية، من تحت عصابة العينين، الذي كتبت عنه بالتفصيل، ورد عليّ بشكل جميل ومؤثر، وعدد من الرفاق الذين زرتهم لاحقاً في بغداد (من بينهم رفيق صاحب دكان لبيع الكعك والمعجناب في الباب المعظم اسمه عبد الزهرة من مدينة الثورة). كان ينام بجانبي رفيق من كلية طب البصرة المرحلة الخامسة أسمه عبد الحسن (صديق الشهيد حسن مرجان). وقد تعرض لتعذيب قاس ومدمر، ومع ذلك كان يساعد المعتقلين ويخفف من جراحهم وآلامهم المرعبة. كنا نتحاور ونهمس ونقرأ الشعر ونحكي عن البصرة والناصرية ومصير الحزب ووحشية وهمجية الجلادين والمواجهة. كنا نعرف حجم وقساوة التعذيب والمحنة، من آثار الحبل الغائص في الحجلين (للتعليق والفلقة) وقد مزق الجلد والعصب، فظهر العظم أبيض مسود…
في إحدى الليالي الطويلة، حكيت له نكتة فاحشة، لكنها قوية جداً وجديدة، كان قد حكاها لنا الراحل سمير هامش في ليالي الناصرية العجيبة في غرفته (نا) التاريخية الشهيرة. وقد ضحكنا بقوة حول النكتة، وبدأنا نهتز ونشخر كي لا يسمعنا الحرس المرابط على باب الموقف ويعاقبنا، وسط ذهول وخوف المعتقلين فمن يقدر على الضحك في الجحيم؟! بعدها جاء الحرس وهز الباب بقوة وركله وخشخش المفاتيح في فتحة الباب وسأل… من هذا الذي يستطيع أن يضحك وهو في قعر الجحيم؟!
ابحث عن صديقي عبد الحسن، لعل الحياة تساعدني في أن أجده فيها، وقد تجاوز محنة رحلة العذاب والموت وعاد إلى الحياة كشرط طبيعي أول. ف (على هذه الحياة ما يستحق الوجود)!
في الاعتقال الدامي الثاني وليس الأخير ذاك، قررت الانتحار كي لا يقلونني صبراً. الآن، البعض يدعي أن من تبرأ من الحزب هو (صامد أو نص صامد) لتتوسع المروحة والدائرة لتشمل من تعاون مع الأمن العام وكان حارساً في خنادقهم حتى ليلة الاحتلال وجيش المندسين السفلة، أو من قدم خدمات جسدية ليلية رخيصة ومسح طاولات ضباط الأمن العام القتلة في شقق حقيرة، وربما غسل ملابسهم الداخلية وجواربهم، وروى لهم نكات يسخر فيها من النضال والرفاق والشهداء والفقراء… لا احد يستطيع تصدير هذه البضاعة ولا فرضها…. التجارب والحياة أقوى وأنصع وأبقى، فلنا حق الرواية والشهادة….
صورة للفتى قبيل الاعتقال بقليل. تصوير الصديق الراحل عباس ذيبان ستوديو فينوس الناصرية عام 78