أوباما… والقرارات الصعبة حول دور أميركا العالمي
ترجمة: ليلى زيدان عبد الخالق
كتب جيفري غولدبيرغ في مجلة «آتلانتك» الأميركية:
كان أوباما يعرف أن قراره عدم قصف سورية سوف يزعج حلفاء أميركا على الأغلب. وقد فعل.
وقال لي رئيس وزراء فرنسا، مانويل فالس، إن حكومته كانت تشعر بالقلق مسبقاً من تداعيات التقاعس عن العمل في سورية عندما جاءتها الأخبار عن تراجع أوباما. وقال لي فالس: «بعدم التدخل في وقت أبكر، خلقنا وحشاً. كنّا متأكدين تماماً أن الإدارة الأميركية سوف تقول نعم للعمل. كنا قد حدّدنا الأهداف مسبقاً بالعمل مع الأميركيين. كان ذلك مفاجأة عظيمة.
أعتقد أن الأمور كانت ستختلف كثيراً اليوم لو أننا قصفنا كما كان مخططاً».
وقال ولي عهد إمارة أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، الذي كان غاضباً أصلاً من تخلّي أوباما عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، قال غاضباً لزوار أميركيين إن الولايات المتحدة يقودها رئيس غير جدير بالثقة.
وملك الأردن عبد الله الثاني ـ المستاء مسبقاً مما رآه على أنه رغبة أوباما غير المنطقية في النأي بالولايات المتحدة عن حلفائها التقليديين من العرب السنّة وخلق تحالف جديد مع إيران، راعية الأسد الشيعية ـ قال في جلسة خاصة: «أنا أؤمن بالقوة الأميركية أكثر مما يفعل أوباما».
كما غضب السعوديون أيضاً. لم يثقوا أبداً بأوباما. كان قد أشار إليهم، قبل وقت طويل من أن يصبح رئيساً، أنهم «ما يدعى حليفاً للولايات المتحدة».
وقال عادل الجبير، السفير السعودي في واشنطن سابقاً ووزير الخارجية حالياً، لرؤسائه في الرياض: «إن إيران هي القوة العظمى الجديدة في الشرق الأوسط، والولايات المتحدة هي القديمة».
أيام فوضوية
تسبّب قرار أوباما في هزّات عبر واشنطن أيضاً. كان جون ماكين ولندسي غراهام، الصقران الجمهوريان الأبرز في مجلس الشيوخ، قد اجتمعا مع أوباما في البيت الأبيض في وقت سابق من الأسبوع، وتلقيا وعداً بشنّ هجوم. وقد أغضبتهما هذه الاستدارة الكاملة. كما وقع الضرر أيضاً حتى في داخل الإدارة نفسها.
لم يكن أيّ من تشاك هاغل، وزير الدفاع في ذلك الحين، ولا جون كيري، حاضرين في المكتب البيضاوي عندما أعلم الرئيس فريقه بأفكاره الجديدة. ولم يعرف كيري عن التغيير قبل وقت متأخر من ذلك المساء. وقال لصديق بعد فترة قصيرة من التحدث مع الرئيس في تلك الليلة: «لقد ذهلتُ تماماً فحسب». عندما سألت كيري مؤخراً عن تلك الليلة المضطربة، قال: «إنني لا أكفّ عن تحليل الأمر. خمّنت أن لدى الرئيس سبباً لاتخاذ القرار، وبصراحة، فهمت فكرته» .
كانت الأيام القليلة التالية فوضوية. طلب الرئيس من الكونغرس منح تفويض باستخدام القوة ـ وعمل كيري الذي يتعذّر كبحه رئيساً لجماعة الضغط ـ وسرعان ما اتضح في البيت الأبيض أن للكونغرس قليلاً من المصلحة في توجيه ضربة.
وعندما تحدّثت مع بايدن مؤخراً عن قرار أوباما عدم إنفاذ تهديد «الخط الأحمر»، علّق بملاحظة خاصة عن هذه الحقيقة. قال: «من المهم أن يكون الكونغرس إلى جانبك، إلى جانب قدرتك على استدامة ما تنوي فعله».
إن أوباما لم يذهب إلى الكونغرس ليخلّص نفسه من الصنارة. كانت لديه شكوكه عند تلك النقطة، لكنه كان يدرك أنه إذا أراد فعل أي شيء، فإن من الأفضل له بكثير أن يكون الجمهور معه، أو أن مسعاه سيكون رحلة قصيرة جداً. وقد أقنع تردّد الكونغرس الواضح في منح التفويض جو بايدن بأن أوباما كان على حق في تخوّفه من المنحدر الزلق.
وتساءل بايدن: «ما الذي يحدث لو أن طائرة سقطت؟ ألا نذهب إلى هناك للإنقاذ؟ يجب عليك أن تدعم الشعب الأميركي».
العملاق الروسي
وسط ذلك الارتباك، ظهرت آلة خارقة عملاقة في شكل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. في قمة العشرين في سانت بطرسبورغ، التي عُقدت بعد أسبوع من عكس قرار سورية، سحب أوباما بوتين جانباً، كما تذكر وهو يحدثني، وقال للرئيس الروسي أنه إذا أجبر الأسد على التخلص من الأسلحة الكيماوية، فإن ذلك سيلغي حاجتنا إلى توجيه ضربة عسكرية.
وفي غضون أسابييع، سوف يهندس جون كيري، بالعمل مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، أمر إزالة معظم ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية ـ وهي برنامج كان الأسد قد رفض حتى ذلك الحين مجرد الاعتراف بوجوده.
جلب ذلك الترتيب الثناء على الرئيس، من بين جميع الناس، من بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء «إسرائيل» الذي كانت علاقته معه مثيرة للجدل على الدوام.
فقد شكلت إزالة مخزونات أسلحة سورية الكيماوية «شعاع الضوء الوحيد في منطقة بالغة الظلمة»، كما قال لي نتنياهو بعد وقت قصير من الإعلان عن ذلك الاتفاق.
لا يعرض جون كيري اليوم أي صبر أمام أولئك الذين يجادلون اليوم ـ كما فعل هو نفسه ذات مرّة ـ أن أوباما كان يجب أن يقصف مواقع نظام الأسد من أجل تأكيد قوة الردع الأميركية. وقال لي عن ذلك: «كانت ستظل لديك أسلحة هناك، وربما كنتَ الآن بصدد مقاتلة داعش من أجل السيطرة على الأسلحة».
مشيراً إلى تنظيم «داعش» الإرهابي. وأضاف: «لا يبدو ذلك معقولاً فحسب.
لكنني لا أستطيع أن أنكر أمامك أن تلك الفكرة عن تعرّض الخطّ الأحمر للتجاوز، وعدم فعل أوباما أي شيء حيال ذلك، قد كسبت حياة خاصة بها وحدها».
يدرك أوباما جيداً أن المؤرّخين سوف يستنطقون بلا رحمة القرار الذي اتخذه بالتراجع عن الضربات الجوّية لسورية، والسماح بأن يذهب تجاوز خط أحمر كان قد رسمه هو نفسه من دون عقاب. لكن ذلك القرار يشكل اليوم مصدر ارتياح عميقا بالنسبة إليه.
قال لي الرئيس: «إنني فخور جداً بهذه اللحظة. لقد ابتعد الوزن الساحق للاعتقادات السائدة ولآلة مؤسسة أمننا القومي مسافة جيدة. كان التصور هو أن مصداقيتي كانت على المحك، وأن مصداقية أميركا كانت على المحك.
وحتى الآن بالنسبة إليّ، كان ضغط زر الإيقاف في تلك اللحظة، كما أدركت، سيكلفني سياسياً. وحقيقة أنني تمكنت من الابتعاد عن الضغوط المباشرة والتفكير ملياً وحدي في تقدير ما هو أفضل لمصالح أميركا ـ ليس فقط في ما يتعلق بسورية، إنما أيضاً في ما يتعلق بديمقراطيتنا ـ كان ذلك قراراً صعباً اتخذته. وأعتقد في نهاية المطاف أنه كان القرار الصحيح الذي ينبغي اتخاذه».
قال الرئيس: «أين يجعلني ذلك مثيراً للجدل؟ عندما يأتي الأمر إلى استخدام القوة العسكرية، فإن ذلك هو مصدر الجدل. هناك كتاب لقواعد اللعبة في واشنطن، والذي يفترض في الرؤساء أن يتبعوه.
وهو كتاب يأتي من مؤسسة السياسة الخارجية. ويصف كتاب قواعد اللعبة هذا ماهية الردود على الأحداث المختلفة، وتميل تلك الاستجابات إلى أن تكون عسكرية. وحيث تكون أميركا مهددة مباشرة، فإن كتاب القواعد هذا يعمل. لكن كتاب قواعد اللعبة يمكن أن يكون أيضاً مصيدة ربما تقود إلى اتخاذ قرارات خاطئة.
وسط تحدّ دولي مثل سورية، سيتم الحكم عليك بقسوة إذا لم تتبع القواعد المذكورة في الكتاب، حتى لو أن هناك أسباباً وجيهة لتفسير عدم انطباق تلك القواعد على واقع الحال».
«الأراضي العربية المحتلة»
خلصت إلى الاعتقاد بأن 30 آب 2013 كان في ذهن أوباما بمثابة يوم تحرّره اليوم الذي لم يتجاهل فيه مؤسسة السياسة الخارجية وكتاب قواعدها لاستخدام صواريخ «كروز» فحسب، إنما تجاهل أيضاً مطالب حلفاء أميركا المغيظين ومكلفي الصيانة في الشرق الأوسط ـ بلدان تسعى، كما يشتكي لأصدقائه ومستشاريه في الجلسات الخاصة، إلى استغلال «العضلات» الأميركية لخدمة غاياتها الخاصة الضيقة والطائفية.
وبحلول عام 2013، كان استياء أوباما قد تطوّر إلى حدّ كبير. أصبح مستاءً من قادة الجيش الذين يعتقدون أنهم يستطيعون إصلاح أي مشكلة إذا منحهم القائد الأعلى ببساطة ما يريدون. وكان مستاءً من مجمع مؤسسات الفكر والرأي المختصة بالسياسة الخارجية.
وكان هناك شعور سائد إلى حدّ كبير في داخل البيت الأبيض بأن عدداً من أكثر المؤسسات الفكرية المشتغلة في السياسة الخارجية بروزاً في واشنطن، إنما تقوم فقط بتنفيذ عطاءات لصالح مموليها من العرب ومؤيدي «إسرائيل». وقد سمعت مسؤولاً في الإدارة يشير إلى جادة مساشوستس، حيث توجد مقرات عدد من هذه المؤسسات الفكرية، بِاسم «الأراضي العربية المحتلة».
بالنسبة إلى بعض خبراء السياسة الخارجية ـ حتى في داخل إدارته نفسها ـ كان انقلاب أوباما على فرض الخط الأحمر لحظة محبطة، والتي عرض فيها الرئيس كلاً من التردد والسذاجة، وألحق ضرراً دائماً بموقف أميركا في العالم. وقال لي ليون بينيتا مؤخراً، والذي عمل مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ثم وزيراً للدفاع في ولاية أوباما الأولى: «اعتقدت في ذلك الحين أن مصداقية القائد العام وهذه الفكرة نفسها سيكونان على المحك إذا لم يقم بإنفاذ التهديد». ومباشرة بعد تراجع أوباما، قالت هيلاري كلينتون في حديث خاص: «إذا قلتَ إنك ستضرب، فعليك أن تضرب. لا خيار أمامك».
وفي ذلك الوقت، كتب شادي حميد، الباحث في معهد بروكينغز، في مجلة «آتلانتك»: «تتم الآن مكافأة الأسد عملياً على استخدامه الأسلحة الكيماوية، بدلاً من معاقبته كما كان مقرراً في الأساس. لقد تمكن من إزالة تهديد عمل عسكري أميركي بينما يعطي القليل جداً في المقابل».
المعلّقون الذين كانوا متعاطفين عموماً مع سياسات أوباما، حتّى هم، نظروا إلى ذلك الفصل على أنه كارثي. وكتب جدعون روز، محرّر مجلة «فورين آفيرز» مؤخراً «أن معالجة أوباما لهذه الأزمة ـ إعلانه في البداية عن التزام كبير، ثم تعثره في الوفاء به، ثم إلقاء الكرة بشكل محموم في ملعب الكونغرس من أجل استصدار قرار ـ شكل كله حالة دراسة للارتجال وعمل الهواة بطريقة محرجة».
مع ذلك، يقول المدافعون عن أوباما إن قراره عدم إنفاذ التهديد الخاص بعبور الخط الأحمر لم يلحق أي ضرر بمصداقية الولايات المتحدة، مستشهدين بموافقة الأسد اللاحقة على إزالة أسلحته الكيماوية. وقال لي تيم كين، السيناتور الديمقراطي من فيرجينيا: «كان ذلك التهديد بالقوة موثوقاً بما يكفي بالنسبة إليهم ليجعلهم يتخلون عن أسلحتهم الكيماوية. لقد هدّدنا بعمل عسكري وهم استجابوا. هذه هي مصداقية الردع».
«اللعبة الطويلة»
ربما يسجّل التاريخ يوم 30 آب 2013 على أنه اليوم الذي منع فيه أوباما الولايات المتحدة من دخول حرب أهلية إسلامية كارثية أخرى، واليوم الذي أزال فيه تهديد احتمال شن هجوم كيماوي على «إسرائيل» وتركيا والأردن. أو أنه ربما يتم تذكره على أنه اليوم الذي جعل فيه أوباما الشرق الأوسط ينزلق من قبضة أميركا، إلى أيدي روسيا وإيران و«داعش».
كنت قد تحدثت مع أوباما عن السياسة الخارجية أول الأمر عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي عام 2006. وفي ذلك الوقت، كنت على دراية بشكل خاص بنصّ خطبة كان قد ألقاها قبل أربع سنوات من ذلك، في نشاط مناهض للحرب أقيم في شيكاغو.
كانت تلك كلمة غير عادية لتلقى في مناسبة مناهضة للحرب، لأنها لم تكن مناهضة للحرب فقد جادل أوباما، الذين كان في ذلك الحين عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي، ضدّ حرب واحدة محدودة فحسب، والتي كانت ما تزال مجرد حرب نظرية في ذلك الحين. قال: «لا أوهام لديّ إزاء صدام حسين. إنه رجل وحشي. رجل لا يرحم… لكنني أعرف أيضاً أن صدام لا يشكل أي تهديد وشيك ولا مباشر للولايات المتحدة أو لجيرانه». وأضاف: «إنني أعرف أن غزواً للعراق بلا تبرير منطقي ومن دون دعم دولي قوي سوف يزيد نيران الشرق الأوسط اشتعالاً فقط، وسوف يشجع أسوأ ـ وليس أفضل ـ نوازع العالم العربي، وسوف يقوّي ذراع التجنيد لتنظيم القاعدة».
في ذلك الحين، جعلتني هذه الكلمات فضولياً إزاء صاحبها. أردت أن أعرف كيف أن سيناتوراً من ولاية إلينوي، وأستاذ قانون يعمل بدوام جزئي ويمضي أيامه متنقلاً بين شيكاغو وسبرنغفيلد، وصل إلى فهم أكثر بصيرة لكابوس قادم من أكثر مفكري السياسة الخارجية خبرة في حزبه، بمن فيهم شخصيات مثل هيلاري كلينتون، وجو بايدن، وجون كيري ـ ناهيك بطبيعة الحال عن ذكر معظم الجمهوريين ومعظم محللي السياسة الخارجية وكتابها، بمن فيهم أنا شخصياً.
منذ ذلك اللقاء الأول عام 2006، أجريت مقابلات مع أوباما بشكل دوري، حول شؤون تتصل بالشرق الأوسط في غالبية الأحيان.
لكنني قضيت على مدى الأشهر القليلة الأخيرة ساعات عدة من الأحاديث معه حول الموضوعات الأكثر عمومية من «اللعبة الطويلة» التي خاضها في السياسة الخارجية، بما فيها موضوعات بدا أكثر حرصاً على مناقشتها ـ وبالتحديد تلك التي لا صلة لها بالشرق الأوسط.
قال لي أوباما في واحدة من هذه المحادثات: «إن داعش ليس تهديداً وجودياً للولايات المتحدة. لكن التغيّر المناخي هو تهديد وجودي محتمل للعالم كله إذا لم نفعل شيئاً حياله». وشرح أوباما أن التغيّر المناخي يقلقه بشكل خاص لأنه مشكلة سياسية مصممة بشكل مثالي لصدّ التدخل الحكومي. إنها مشكلة تشمل كل بلد، وهي حالة طارئة تتحرك بخطى بطيئة نسبياً.
لذلك، هناك دائماً شيء يبدو في ظاهره أكثر إلحاحاً من مشكلة المناخ على الأجندة.
بين المُلِحّ والمهمّ
في هذه اللحظة، بطبيعة الحال، تشكل سورية المسألة الأكثر إلحاحاً من بين تلك القضايا التي تبدو في ظاهرها أكثر إلحاحاً. لكن بالوسع أيضاً، في أي لحظة مُعطاة، قلب رئاسة أوباما كلها رأساً على عقب بعدوان من كوريا الشمالية، أو هجوم تشنه روسيا على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، أو وقوع هجوم من تخطيط «داعش» على الأرض الأميركية.
وقد واجهَت قلة من الرؤساء مثل هذه الاختبارات المتنوّعة على الساحة الدولية كما فعل أوباما. وكان التحدّي الأبرز بالنسبة إليه، ولكل الرؤساء، هو التمييز الدقيق بين المُلِحّ فقط والمهم حقاً، والتركيز على المهم.
كان هدفي في محادثاتنا الأخيرة رؤية العالم من خلال عيون أوباما، وفهم ما يعتقد أنه ينبغي أن يكون دور أميركا في العالم. وتستنير هذه المادة بالسلسلة الأخيرة من محادثاتنا التي أجريت في المكتب البيضاوي على مأدبة غداء في غرفة طعامه على متن الطائرة الرئاسية وفي كوالا لامبور خلال زيارته الأخيرة إلى آسيا في تشرين الثاني الماضي.
كما تستنير هذه المادة أيضاً بمقابلاتي السابقة معه وبخطاباته وتأملاته العامة الغزيرة، فضلاً عن حوارات خضتها مع كبار مستشاريه لشؤون السياسة الخارجية والأمن القومي، ومع الزعماء الأجانب وسفرائهم في واشنطن، ومع أصدقاء الرئيس وآخرين ممن تحدثوا معه حول سياساته وقراراته، وخصومه ومنتقديه.
على مدار أحاديثنا، أصبحت أرى أوباما كرئيس يصبح أكثر قدّريَّة باطراد إزاء محدوديات قدرة الولايات المتحدة على توجيه الأحداث العالمية، حتى مع أنه راكم في وقت متأخر من رئاسته مجموعة من الإنجازات التي ربما تكون تاريخية في السياسة الخارجية ـ إنجازات مثيرة للجدل، وموقتة بالتأكيد، لكنها تظلّ إنجازات مع ذلك: الانفتاح على كوبا اتفاقية تغير المناخ في باريس اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ وبطبيعة الحال، اتفاق إيران النووي. وقد صنع أوباما هذه الإنجازات على رغم شعور متنام لديه بأن ثمة قوى أكبر ـ تياراً معاكساً من الشعور القبَلي في عالم ينبغي أن يكون قد تخلص مسبقاً من رجعيته صمود الرجال الصغار الذين يحكمون بلداناً كبيرة بطرق مناقضة لأفضل مصالحها تواصل سيادة الخوف باعتباه الشعور الإنساني الغالب ـ والتي تتآمر ضد أفضل النوايا الأميركية. لكنه أدرك أيضاً، كما قال لي، أن القليل جداً يتم إنجازه في الشؤون الدولية من دون قيادة الولايات المتحدة.
الرئيس الأمميّ
تحدَّث أوباما إلي من خلال هذا التناقض الواضح: «أريد رئيساً لديه شعور بأنه لا يمكنك إصلاح كل شيء». ولكن من ناحية أخرى، «إذا لم نقم نحن بتحديد الأجندة، فإنها لن تكون هناك أجندة». وشرح الرئيس ما يعنيه: «الحقيقة هي كالآتي: لم تكن هناك أي قمة حضرتها منذ أصبحت رئيساً حيث لم نضع نحن الأجندة، وحيث لم نكن نحن المسؤولين عن النتائج الرئيسة».


