أسباب تراجع اليسار بشقيه الماركسي والناصري !
كتب ناجي صفا
مقدمة:
أمام التراجع المريع لتجربتي كل من اليسار الماركسي و اليسار
الناصري،أجد من واجبي كناصري وكماركسي مقاربة هاتين التجربتين مقاربة نقدية أولية، هي محاولة متواضعة لوضع النقاط فوق الحروف، انها مقاربة لا تدّعي الكمال والإحاطة بكافة عناصر هاتين التجربتين ، فذلك يتطلب صفحات وربما كتب… وانما هي محاولة لفتح الباب أمام النقد الذي بات ضرورياً لهاتين التجربتين. لان دور المثقف ان يكون نقديا ، واذا فقد هذه الخاصية يسقط مبرر وجوده .
أولاً: اليسار الماركسي:
بين اليسار “المائع” واليسار الجدي ؟؟
عاش اليسار العالمي بشكل عام، والعربي بشكل خاص ، صدمة كبيرة لم يكن مهيأً لها إثر إنهيار الإتحاد السوفياتي.
فرغم مرور عقود على نشوء اليسار في منطقتنا العربية، إلا أن هذا اليسار بقي هشاً، وسريع العطب ، لتضافر عدة عوامل، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي.
في الأسباب والظروف الموضوعية :
هذا اليسار كان مرتبطاً إرتباطاً جدلياً بالإتحاد السوفياتي السابق، وكان هذا الإرتباط وثيقاً لدرجة أسقطت عملية الإبداع والتفكير المستقل، وكانت هذه العلاقة بين اليسار والإتحاد السوفياتي وثيقة ومحكمة لدرجة سَرَتْ دعابة تقول أنه إذا أمطرت في موسكو، فإن اليسار في الوطن العربي وبخاصة لبنان ، كان يحمل المظلات (الشماسي)،وهذا ما أفقد اليسار العربي حريته وإمكانية تطوره، كما أفقده حرية التفكير والإبداع والمبادرة لوضع حلول للأزمات التي كانت تعاني منها تلك الأنظمة.
لا شك أنه كان لإرتباط تلك الأنظمة بالمستعمر الأجنبي أثراً كبيراً في خلق تلك الأزمات وفي المراوحة، لكن ينبغي الإعتراف بأن ذاك الترابط العضوي بمواقف وسياسات الإتحاد السوفياتي وإيديولوجيته شكلا عائقاً أمام حرية هذه الأحزاب في أن يكون لها موقفاً متمايزاً عن الإتحاد السوفياتي.
أما الظروف الذاتية فهي تلك الناتجة عن الهشاشة الفكرية لغالبية قيادات ذلك اليسار، والإتكال على الإتحاد السوفياتي في غالبية المواقف والأمور، ناهيك عن الإنتهازية والأنانية التي شكّلت جزءاً هاماً من شخصية تلك القيادات، وفشلها في أن تشكل نموذجاً يُحتذى به للأجيال، لا سيّما تلك التي سلب ألبابها الفكر الماركسي والعناوين والشعارات البراقة التي كانت تسوّق من خلال ذاك الفكر
حيث أثبتت التجربة أن أطولهم نضالًا ( الحزب الشوعي ) لم يستطع أن يُنجز مشروعا واحدا على الصعيد الشعبي، مما تسبب بتفتيته إلى مجموعات متصارعة ومتناحرة فيما بينها، لأسباب شخصية حينا، ودفاعاً عن مكاسب محققة أحياناً، لا مجال لسردها في هذه العجالة.
مع إنهيار الإتحاد السوفياتي شعر هؤلاء باليتم، وبأنهم أصبحوا أيتاماً على موائد اللئام ، والمقصود هنا الإمبريالية الأميركية وتفرعاتها، وأن مناخاً من الفراغ والهزيمة قد سيطر على عقولهم، وأوصلهم إلى الضياع، وبلغ الأمر أحياناً التبرؤ من الفكر والتجربة وصولاً إلى تغيير إسم الحزب، لكي لا تنزعج الولايات المتحدة، وبعض هؤلاء أجرى حساباته الشخصية ” الإنتهازية” وقرر الإلتحاق بالليبرالية الأميركية لإنقاذ نفسه و مصالحه الخاصة، وصولاً للتبرأ من تاريخه السياسي و الفكري، وبعضهم تحول إلى معادٍ للفكر والتجربة وتحول إلى أداة بيد الإمبريالية…
إنها أزمة اليسار المتخبط، الذي ضاع وفقد البوصلة، وخيّمت عليه الإنتهازية.
ربما تكون تجربة اليسار في أميركا اللاتينية تجربة رائدة وأكثر وضوحاً في إلتصاقها بمصالح الجماهير، بدليل التطور الميداني الذي تشهده بعض الدول اللاتينية،المفتوحة الآفاق على مزيد من النجاح، وتراكم التجربة، ( تجربة تشافيز – مادورو ، وكوبا والبرازيل ، وسواها من الدول الذي اخذ فيها اليسار دوره ) لقد بدا يساراً أكثر صلابة منه في منطقتنا العربية، التي تحوّل فيها اليسار إلى أضحوكة، وبعضه إلى مُرتهن إما للسفارة الأميركية،وإما لمنظمات ال NGOS التي تعمل لدى السفارة، نتيجة فشل القيادات اليسارية و إنتهازيتها وسقوطها عند أول منعطف.
لقد فشل اليسار في تسويق أفكاره نتيجة الجمود الفكري الذي عانى منه، وتعلّقه بالقوالب الفكرية الجامدة ، وعجزه عن قراءة الواقع سوسيولوجياً و أنتربولوجياً، في حين قرأ الغرب ذلك ،وبدلاً من تسييل النظرية لتتلائم مع الواقع والبُنَى المجتمعية وموروثها السياسي والثقافي ولا سيّما المسالة الإيمانية للمجتمع،أصر اليسار على أخذ النظرية التي صيغت بالأصل للغرب الرأسمالي، الذي تختلف بنيته الإجتماعية والإقتصادية عن البنية الشرقية ، وإرتباطها الديني، وضعف البنيان الطبقي بسبب عدم تحولها بعد إلى بُنى رأسمالية او دول صناعية تلعب فيها الحركة النقابية دوراً مركزياً وهاما كأداة للتغيير.
ثانياً:
أزمة القوى الناصرية و”المتنصرون”.
ما ينطبق على اليسار الماركسي، ينطبق جُلّه إن لم يكن كُلّه على التجربة الناصرية في لبنان و الوطن العربي ، و إن إختلفت بعض التفاصيل،إلا أن نِسب التشابه بينهما كثيرة.
ففي ذكرى رحيل الزعيم جمال عبد الناصر ال 53، ما زال الناصريون يفتقدون لمشروع نهضوي للأمة ، رغم ما تركه عبد الناصر من إرث يمكن الركون اليه.
لقد غدا الناصريون قيادات و كوادر و تنظيمات متفرقون كأيدي سبأ ومتناحرون… كل تنظيم يكيّف برنامجه السياسي ونظامه الداخلي بما ينسجم ورؤيته و مصالحه الخاصة بعيداً عن الفكر والتجربة اللذين أرساهما جمال عبد الناصر،.
كل تنظيم يركُن إلى مريديه الذين يُسبّحون بإسمه، ويركن مريدوه إليه على قاعدة الزبائنية وليس المبادىء.
غابت الديمقراطية عن الممارسة النضالية ، ما افسح المجال امام الإنتهازية لتعبر عن نفسها، أعطي على ذلك مثلين إثنين كي لا أُتهم بالتجني أو الإستنسابية .
عبد الملك المخلافي الذي كان أميناً عاماً للتنظيم الوحدوي الناصري في اليمن، و أميناً عاماً للمؤتمر القومي العربي، إرتد على مبادئه عندما لاحت له أول فرصة إنتهازية ليكون وزيراً للخارجية لدى حكومة عبد ربه منصور هادي الهارب من اليمن والملتحق بالسعودية.
المثل الآخر هو حمدين صباحي مدعي الناصرية وهو أيضاً الآن أمين عام المؤتمر القومي العربي.
نسق صباحي مع الإخوان المسلمين في دائرة شُبرا الخيمة في مصر ، لإيصال رفيقه في الحزب الناصري أمين إسكندر إلى قبة البرلمان، وفي ندوة في الأونيسكو في بيروت عقب عملية إستهداف بُرجي مركز التجارة العالمية في نيويورك، تحدث في الأونيسكو عن الفسطاطين ، الإسلامي والكافر ، بحسب نظرية بن لادن الذي بدا مؤيداً لها، وخلال الأزمة السورية أو ما يعرف بِعُشرية الدم بحسب تعريف الزميلة الميادين وقف صباحي إلى جانب ما سُمّيَت زوراً (بالثورة) ، في حين كانت مؤامرة كونية على سوريا واسقاط موقعها الجيو سياسي ، والجيو استراتيجي وحرفها عن دعم المقاومة ،… أيّد صباحي إسقاط النظام تحت ذريعة الديمقراطية ، ملتقياً ومتقاطعاً مع طرح الإخوان المسلمين بقيادة الرئيس مرسي أنذاك.
الديقراطية المشوّهة التي تمارس في أُطر وتنظيمات الناصريين تقتضي البصم لرئيس التنظيم أو الأمين العام، ومن يخالف من المناضلين الحقيقيين و المبدئيين يتم إستبعاده بوسائل مختلفة… و تهميشه
يعاني الناصريون و”المتنصرون” من حالة عقم فكري ، ومن عجز نظري، فلا يلتفتون إلى ما كرّسه عبد الناصر في خطبه وكتاباته حول الإشتراكية العلمية، وحول مجتمع الكفاية والعدل، وتركيزه على مقارعة الإستعمار والرجعية والكيان الصهيوني، وقد وضع هذا الثلاثي في رُزمة واحدة داعيا لمحاربتهم ، وركّز على المقاومة ضد الإحتلال الصهيوني، بالإضافة الى النضال الى جانب الطبقات الشعبية الفقيرة و المعدمة لتحقيق العدالة الإجتماعية…
قامت بعض القوى الناصرية بتبديل تحالفاتها، وأخذت مسافة من المقاومة وتنسق مع محمود عباس المرتهن لإسرائيل، فماذا يعني قيامها بتحالفات مع منظمات و أنظمة على علاقة مع عدو الأمة، وغض الطرف عن معاهدات إستسلامية وتطبيعية، وقيام تنسيقات أمنية ضد المقاومة …
ثم ما هي الجدوى وما هي المصلحة التنظيمية في إقامة تحالفات مع أحزاب تعاني أصلاً من خلافات و إنشقاقات حزبية وصراعات…
مشكلة الناصريين لا تكمن في المشروع الناصري ومدى ملائمته ، وإنما في بعض الزعماء و القيادات … الذين باتوا يسعون للحصول على المال لتكريس زعامتهم… وقد أصبح المال جزأً من حياتهم الشخصية، ومغادرة حياة المناضل المتقشفة بإتجاه الحصول على حياة مُترفة لهم ولعائلاتهم، بدلاً من أن تكون في خدمة العمل السياسي و النضالي…بعض هذه الزعامات تضع الأموال بأسماء بعض “معاونيها ” الثُقات”للتحكم في طريقة صرفها بدلاً من وضعها في الصندوق التنظيم تحت إشراف و رقابة القيادة المنتخبة.
وإذا أردنا الحديث عن الأمراض التي تعاني منها أغلبية التنظيمات السياسية بشتى مكوناتها وتنوعاتها الفكرية في عالمنا العربي و واللبناني ( اليسار و العروبيين) فإن عدم الفعالية يُشكل العنوان…
إن طغيان الزعيم وإلغاء دور البقية يكرّس الإستبداد والتفرّد ، فلا مكان الا للحاشية الموثوقة والمصفقة ، كي لا يُضعف الطغيان وإستمرار الزعامة . ربما للوصول إلى موقع سياسي أو منصب كما عبد الملك المخلافي أو حمدين صباحي وغيرهما الكثير، وللتنعم بنعيم السلطة التي يفترض بهم العمل على تغييرها.
إن عدم فعالية التنظيمات الناصرية رُغم كثرتها وعجزها عن التوحد إنما يعود إلى الأنانيات الشخصية، وهذا ما أفقد ثقة الجماهير بها والإنفكاك عنها.
الخلاصة التي يمكن الوصول إليها هي إن المشروع الناصري الوحدوي بعد رحيل مؤسسه جمال عبد الناصر سيبقى ينتظر المخلصين من الأمة الذين ما زالوا يحملون المشعل، بإنتظار قيادة حقيقية ثورية ومخلصة، تحمل مشروع التغيير والتحديث لتحقيق أهداف الأمة في الحرية والإشتراكية و الوحدة…
2023-09-26
