16 آذار من كل عام: اليوم العربي لحقوق الانسان!
الدكتور جورج جبور.
رئيس الرابطة السورية للامم المتحدة
هل ثمة يوم عربي لحقوق الانسان؟ وهل ثمة ميثاق عربي لحقوق الانسان؟ معظم الاجابات ستكون بالنفي الا ان الحقيقة غير المتداولة هي ان لدينا يوما عربيا لحقوق الانسان مرتبطا بالميثاق العربي لحقوق الانسان.
هدف هذه الاسطر الاضاءة على امر من المفيد الاضاءة عليه، وان كان لا بد في البداية من ذكر بعض الملاحظات.
اول ملاحظة تتبادر الى الذهن هي تلك الخاصة بفائدة الحديث عن حقوق الانسان العربي ، ودنيا العرب هي على ما هي عليه من الفوضى التي تلتهم حقوق الانسان بل كل انواع الحقوق.
وثاني تلك الملاحظات هي الحكمة من الحديث عن حقوق الانسان في وقت نشهد ان التعبير الجميل النبيل الذي هو حقوق الانسان انما هو وسيلة كثيرا ما لجأ اليها الغير ليشككنا في قدرتنا على ادارة امورنا بانفسنا على اساس معقول، وبالتالي ليتآمر علينا في سبيل اضعافنا.
وثالث هذه الملاحظات اننا نستكثر على جامعة الدول العربية ان تكون حقا راعية لحقوق الانسان وهي التي لا تبدو لنا، وما كانت حقا وفي الواقع ، الا ضعيفة هزيلة من حقنا استصغارشأن كل مهتم بها.
لا ريب ان الملاحظات الثلاث صحيحة ولكن من الجميل ان نتذكر ما يلي.
الفوضى عارمة في دنيا العرب ولاسيما منذ ان حلت بنا لعنة الربيع العربي الا ان التخلص من هذه الفوضى لا بد له الا ان يبنى عل اساس حفظ الحقوق. اي خلاص من الفوضى على غير اساس حفظ الحقوق انما هو دعوة الى مزيد من الفوضى.
وحقوق الانسان ذريعة واضحة للقضاء على القرار الوطني المستقل، اي للتأثير على ادارة شؤوننا بانفسنا . الا ان ذلك امر يصح تفاديه بتغذية شعورنا الذاتي بحقوقنا كشعب وكافراد . فلنكن نحن اولياء امرنا في شان حقوق الانسان عندنا. بل فلنكن نحن اهل للحكم على غيرنا في مجال حقوق الانسان ، وقد كنا في الارجح أصحاب اول منظمة تعنى بحقوق الانسان، كما شهدنا في عقدنا حلف الفضول . يصح ان نتذكر ان حرمان شعب من حقوقه الطبيعية — كما جرى للشعب الفلسطيني — انما هو في حقيقته اعتداء على حقوق كل انسان فلسطيني. ويصح ان نتذكر ان المسؤولية الاخلاقية والقانونية الناجمة عن اكبر عملية انتهاك لحقوق الانسان في عصرنا ، عملية ما تزال مستمرة، انما هي مسؤولية الدول التي اتفقت في سان ريمو ( نيسان 1920) ووضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني. حقوق الانسان سلاح لنا وليس علينا اذا أجدنا استعماله. وقد أحسن صنعا واضعو دستورنا الراهن حين اشاروا بايجابية الى تعبير حقوق الانسان في مقدمته، ووسعوا في احكامه من دائرة الحقوق المصانة دستوريا.
اما جامعة الدول العربية فهي جامعتنا شاءت ام ابت، وشئنا ام ابينا. هي لم تكن يوما على خير ما يرام، الا انها حين تتخذ خطوة صحيحة فعلينا ان نرحب بتلك الخطوة وان نتابع تنفيذها ، وان نشير الى ما يصلح امرها. وسأكون سعيدا جدا بمن سيتابع ، بادوات التواصل المتعددة التي لا اتقنها تماما ، سأكون سعيدا جدا بمن سيتابع كيفية اهتمام الجامعة بيوم أنشأته قبل اعوام ، وأطلقت علية اسم اليوم العربي لحقوق الانسان ، وانشأت معه لجنة تراقب تنفيذ الميثاق العربي لحقوق الانسان.
بعد هذه المقدمة الطويلة فلنأت الى جوهر الموضوع باختصار غير مخل.
في عام 1968 احدثت جامعة الدول العربية اللجنة العربية الدائمة لحقوق الانسان . جاء احداث اللجنة بمناسبة الذكرى العشرين لصدور الاعلان العالمي لحقوق النسان عام 1948. منذ عام 1969 ابتدأت محاولات انشاء ميثاق عربي لحقوق الانسان . بعد جهود مطولة تبنت القمة العربية المنعقدة في تونس يوم 23 ايار 2004 الميثاق العربي لحقوق الانسان .
أما في سورية فقد ناقش مجلس الشعب هذا الميثاق يوم 30 تشرين الثاني 2006 وأصدره قانونا السيد رئيس الجمهورية في 5 كانون الاول 2005 ونشرته الجريدة الرسمية في عددها رقم 50 لعام 2006.وكانت سورية من اوائل الدول العربية التي اودعت امانة الجامعة وثيقة تصديق الميثاق.
من المفيد ان نذكر في كل حال ان ما اقرته قمة 2004 اتى منقحا عن نص سابق اقر على مستوى المندوبين الدائمين للدول العربية في الجامعة. كان اقراره في 15 ايلول 1994. الا ان النص اتى قاصرا في مواضع عدة مما أثار سيلا من الاعتراضات ، كان منها ما عدده كراس اصدره صاحب هذه الاسطر ونشرته دار العلم للملايين في بيروت عام 1998. أغفل النص ذكر الحق في التعبير فأتى اهداء الكراس مركزا على هذه النقطة بالذات. كذلك كان لنقطة الحق في التعبير مكانها في رسالة الى وزير الخارجية السورية بتاريخ 16 ايلول 1995( ص 141-142 من كتاب: مذكرات الى رئيس مجلس الوزراء السوري : 1980- 1998 بيروت، دار ابعاد، 2020). ومن الجميل ان النص الجديد تدارك هذا النقص في المادة 32 منه.
يتألف الميثاق الذي اقرته قمة تونس عام 2004 من ديباجة ومن 53 مادة .
لن اخوض هنا في التفاصيل الا في شأن واحد هو موقف الميثاق من الصهيونية.
يلاحظ الميثاق في ديباجته رفض كافة اشكال العنصرية والصهيونية التسي تشكل انتهاكا لحقوق الانسان وتهدد السلم والامن الدوليين….
كما يرد في المادة الثانية الفقرة الثالثة النص التالي; ان كافة اشكال العنصرية والصهيونية والاحتلال ولسيطرة الاجنبية هي تحد للكرامة الانسانية ….
موقف الميثاق من الصهيونية ادى الى تحفظ المفوضية السامية لحقوق الانسان عليه. تلك نقطة آتي اليها بعد قليل.
فلنعد الآن الى اليوم العربي لحقوق الانسان. لماذ حدد موعده في 16 ىذار من كل عام؟
دخل الميثاق حيز النفاذ في 15 آذار 2008، واعلنت الجامعة اليوم التالي ، 16 آذار من كل عام، يوما عربيا لحقوق الانسان. ففي 15 كانون الثاني 2008 صادقت عليه دولة الامارات العربية المتحدة. وبموجب المادة 49 الفقرة 2من الميثاق ; يدخل هذا الميثاق حيز النفاذ بعد شهرين من ايداع وثيقة التصديق السابعة لدى الامانة العامة لجامعة الدول العربية
قلنا ان الميثاق يرفض الصهيونية. في يوم ايداع التصديق السابع اصدرت السيدة اربور ، المفوض السامي لحقوق الانسان، بيانا ترفض فيه ما جاء في الميثاق عن رفض الصهيونية مشيرة الى الغاء القرار 3379 الذي ينص على ان الصهيونية شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري. الا ان البيان ذاته اشار الى الترحيب بالميثاق ككل.
للميثاق لجنة تتولى مراقبة التنفيذ. لن اسهب في كيفية عمل اللجنة ويمكن لمن يود الاستزادة العودة الى الطبعة الثانية من كتابي نحو لجنة في مجلس الشعب للحريات والحقوق والواجبات العامة ( دمشق، دار نينوى، لىذار 2008، 106 صفحات).
اللجنة العربية لحقوق الانسان مستمرة في عملها. كيف تعاونت معها المفوضية السامية رغم النص على رفض الصهيونية؟ ما الاثر العملي للجنة؟ ما مدى الجدية في تنفيذ كافة احكام الميثاق؟ تلك مواضيع بحاجة ، من غيري ومني ، الى متابعة جادة ليس مكانها في هذا المقال الموجز .
اكتفي بهذا القدر عن موضوع خطير لدينا الكثير مما يشغلنا عنه ، الا انه يبقى على درجة كبرى من الاهمية في الظروف العربية الراهنة.
فلنحيي يوم 16 آذار يوما عربيا لحقوق الانسان ، ولننفض الغبار عن صفحات ناصعة في مسيرتنا العربية *هي نص الميثاق العربي لحقوق الانسان.
جورج جبور
دمشق في 12 آذار 2020.