ابن المقفع والحاكم المطلق ( الحلقة – 2)!
علي رهيف الربيعي*
فماذا تقول لنا كتب ابن المقفع ؟
في ” باب برزويه” الذي يحكي فيه ابن المقفع تجربته الخاصة في المعرفة ، والنتائج التي توصل إليها ، يقول ابن المقفع إنه حاول في المعرفة اليقينية ، من خلال دراسة الأديان، ولكن ” وجدت الأديان والملل كثيرة : من أقوام ورثوها عن آبائهم ، وآخرون خائفين مكرهين عليها، وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها ومعيشتها ، وكلهم يزعم انه على صواب وهدى، وان من خالفه على ضلالة وخطأ..”.
ويضيف في هذا الباب :
” فرايت ان أواضب على علماء كل ملة ورؤسائهم ، أو انظر فيما يصفون يعرضون ، لعلي بذلك اعرف الحق من الباطل ، واختار الحق منه وألزمه على ثقة ويقين ، غير مصدق بما لا أعرف ، ولا تابع ما لا اعقل.. “.
وانتهى به الأمر إلى القول :
” ففكرت في ذلك ، فلما خففت من التردد والتحول ، رأيت الا اتعرض لما اتخوف منه المكروه، وان اقتصر على عمل تشهد النفس انه يوافق جميع الأديان … “.
وفي ( كليلة ودمنة) في حكاية ( المصدق المخدوع) يدعو ابن المقفع بقوة إلى الكف عن ” الإيمان بما لا تعرف والتصديق بما لا تعقل “.
إن علينا أن نلاحض ان وراء الإلتزام بالعقل باعتباره الوسيلة الوحيدة للحكم على الأشياء. ولكن ما الذي جعل مثل هذه المقولة تثير غضب السلطة فتقضي عليه بهذا الأسلوب البشع؟ لقد حاول الخليفة المنصور ان يتنصل من هذه الجريمة ، فعندما جاءه وفد يشكو إليه ما فعله والي البصرة بابن المقفع، قال لهم إن ابن المقفع ما زال حيا ، وحين أنكروا ذلك قال لهم ما معناه :
لو ان الباب الذي ترونه انفتح وخرج منه ابن المقفع، فهل اقتلكم به؟ فتبادل الرجال النظرات، ثم قاموا وانصرفوا.
من هذا، ومن دلائل أخرى ، نستنتج ان السلطة كانت تخفي السبب الذي من أجله احرقت ابن المقفع ، فما هو هذا السبب؟
الواقع ان مقولة تحكيم العقل كانت تعبيرا عن طموح، وهادفة إلى تحقيق غاية، أما الطموح فهو إخضاع العملية الإجتماعية للعقل، هذا الحلم الذي تسعى البشرية ، حتى اليوم ، إلى تحقيقه ، وأما الهدف فهو وضع سلم جديد من القيم ، يستند إلى العقل ، وينبع من فكرة المساواة بين البشر . ويعبر ابن المقفع عن ذلك بصراحة ووضوح.
يتبع…
2025 /09 /08
