“Task” دراما جريمة كأنها قصيدة حزينة !
في المسلسل الجديد على HBO ، ينسج القدر قصيدةً حزينة عن روحين معذبتين: عميلٌ فيدرالي يطارده الأسى، وأبٌ يسرق من الظلام حلماً بالخلاص. مساران متوازيان يلتقيان في عناقٍ تراجيدي حتمي ومؤلم
سعيد محمد*
في المشهد التلفزيوني الأمريكي المشبع بدراما الجريمة، غالباً ما نجد أنفسنا أمام استعراضات بصرية متقنة وحبكات معقدة تركز على الإثارة والتشويق. من لمعان التقدم التكنولوجي لمختبرات التحقيق في سلاسل مثل “CSI” إلى الإيقاع الإجرائي المحكم في عالم “Law & Order”، يظل التركيز في الغالب على “الكيفية” و”من الفاعل”، لكن نادراً ما تغوص هذه الأعمال في الأعماق المظلمة للروح البشرية أو تعالج بصدق الانقسامات الطبقية والاجتماعية التي تشكل وقوداً لهذه الجرائم. معظمها يأتي كألغاز بوليسية مصممة للإمتاع اللحظي، وتنسى بمجرد انتهاء الحلقة الأخيرة. لكن بين الحين والآخر، يظهر عمل استثنائي يكسر هذه القواعد، عمل لا يكتفي بسرد قصة جريمة، بل يستخدمها كعدسة مكبرة لاستكشاف الوجود الإنساني في أكثر صوره هشاشة وألماً. مسلسل “Task” من إبداع براد إنغلسباي، العقل المدبر وراء التحفة الفنية “Mare of Easttown”، هو بالضبط هذا النوع من الأعمال: قصيدة تراجيدية مؤلمة، وفلسفة وجودية جبارة تتردد أصداؤها طويلًا بعد انطفاء الشاشة.
عالمان متوازيان من أبوة مكسورة
يكمن جوهر قوة المسلسل في بنائه السردي الموازي الذي يتتبع حياتين تسيران على خطين متوازيين، متجهتين حتماً نحو التصادم المدمر. على أحد الجانبين، لدينا العميل الفيدرالي توم برانديس (يؤدي دوره مارك رافالو بأداء يفيض بالأسى). توم ليس مجرد محقق؛ إنه كاهن سابق هجر الكهنوت من أجل الحب والعائلة، ليجد نفسه الآن وقد فقد كليهما. تطارده مأساة عائلية سحقت روحه، تاركة إياه غارقاً في محيط من الشعور بالذنب والوحدة. إن الطقس اليومي المتمثل في غمر رأسه في حوض مليء بالثلج ليس مجرد وسيلة للاستيقاظ، بل هو فعل تكفيري قاسٍ، محاولة لصدم نفسه للعودة إلى واقع لا يطاق. رافالو يجسد هذا الرجل الضائع بعيون تحمل ثقل العالم، وبجسد مترهل يعكس انهياره الداخلي. إنه رجل تدرب على تقديم المشورة للضحايا وتقديم الغفران، لمن يلفظون أنفاسهم الأخيرة لكنه الآن عاجز عن مسامحة نفسه أو إيجاد أي عزاء في الإيمان الذي كان يوماً ما ملاذه.
على الجانب الآخر، يقف روبي بريندرغاست (أداء مذهل من توم بيلفري)، عامل النظافة الذي تبدو حياته بسيطة من الخارج. لكن خلف هذه الغطاء الاجتماعي الذي يمنحه عمله يصبح لصاً يائساً. يسرق من بيوت المخدرات التي تملكها عصابة دراجات نارية عنيفة. روبي ليس شريرًا بالفطرة؛ إنه أبٌ حنونٌ ومكلوم، يحاول يائساً تأمين مستقبل أطفاله وابنة أخيه مايف (إميليا جونز). دافعه ليس الجشع، بل هو مزيج من “الغضب الصالح” والرغبة في الانتقام والهرب من واقع قاسٍ لا يرحم. بيلفري يمنح روبي قلباً كبيراً وبراءة تكاد تكون قاتلة في عالم الجريمة، مما يجعله شخصية تراجيدية بامتياز. إنه يمثل الحلم الأمريكي المحطم، الرجل الذي يعمل بجد لكنه يجد أن النظام لا يعمل لصالحه أبدًا. تفاؤله الظاهري وحلمه بالهرب إلى جزيرة كندية هو تعبير مؤثر عن رغبة إنسانية عالمية في الغد الأفضل، وهو ما يجعل سقوطه أكثر إيلاماً.
هذا التناظر بين توم وروبي، الذي يذكرنا بالتحفة السينمائية “Heat” لمايكل مان، هو العمود الفقري الفلسفي للمسلسل. كلاهما أبٌ معذب، كلاهما يتعامل مع حزن لا يوصف، وكلاهما يبحث عن معنى في عالم رمادي. إنغلسباي هنا لا يقدم لنا ثنائية الخير والشر التقليدية، بل يقدم رجلين هما وجهان لعملة واحدة، كلاهما ضحية لظروفه ومحكوم عليه بمواجهة الآخر. إنهما، كما يقول ابن الرومي في قصيدة استُلهم منها عنوان الحلقة السادسة، يقفان في المكان “ما بعد أفكار الصواب والخطأ”.
فيلادلفيا كشخصية تراجيدية وسيمفونية بصرية
كما في “Mare of Easttown”، يلعب المكان دوراً محورياً في “Task”. ضواحي فيلادلفيا لم تعد مجرد خلفية للأحداث، بل شخصية قائمة بذاتها، مرسومة بفلتر رمادي كئيب يعكس الحالة الداخلية للشخصيات. الأجواء بائسة، وخالية من الفكاهة، ومحكمة السرد لدرجة تشعرك بالاختناق. هذا الإحساس بالضيق خيار فني مقصود يعزز من النفس الشاعري للعمل. كل إطار بصري، وكل مشهد صامت، وكل حوار مقتضب يساهم في بناء عالم فقد ألوانه، حيث الأحلام تموت والأمل سلعة نادرة. إنها بيئة تحاكي أغاني بروس سبرينغستين عن الطبقة العاملة التي تكدح بلا جدوى، لتجد نفسها محاصرة في واقع لا فكاك منه.
يستخدم الإخراج ببراعة صور الطبيعة – الأنهار والطيور والمحجر الصخري – كمتنفس بصري ولإضافة طبقة مجازية. الطيور التي يراقبها توم هي “كائنات ضالة… طيور انحرفت عن مسارها الطبيعي لدرجة أنها نسيت طريق العودة إلى ديارها”، وهو وصف ينطبق عليه تماماً. والمحجر الذي يهرب إليه روبي مع عائلته يصبح “حديقة سرية، مكاناً سحرياً خارج الزمان والمكان”، رمزاً للحظات السعادة النادرة والنقية التي ما تلبث تسلبها الحياة بقسوة.
مأساة حتمية وشخصيات لا تُنسى
يتألق المسلسل أيضاً في رسم شخصياته الثانوية التي تضيف عمقاً وثراءً للعالم السردي. مايف، التي تؤديها إميليا جونز بأداء ساحر، هي “البطلة الخفية” للعمل، الفتاة التي أُجبرت على النضوج قبل الأوان، وتعيش صراعاً داخلياً بين الولاء لعمها ورغبتها في الخلاص. هي تمثل الجيل القادم الذي يرث أعباء وفشل الجيل السابق. ليزي ستوفر (أليسون أوليفر) تقدم جرعة كوميدية ضرورية، بشخصيتها الفوضوية والعفوية، مما يجعل نهايتها المأساوية أكثر إيلاماً وقسوة، فهي تذكرنا بأن العنف لا يفرق بين المذنب والبريء.
تتجه كل خيوط القصة ببطء وثبات نحو ذروة لا مفر منها. قد يرى البعض أن بناء الأحداث في الحلقات الأولى بطيء، لكنه في الحقيقة بناء متعمد ومدروس، يضع الأساس العاطفي للشخصيات حتى يصبح الانفجار في الحلقات الأخيرة أكثر تأثيراً. المواجهة بين روبي وتوم، واختطاف روبي لتوم في الحلقة الخامسة، لم تكن مجرد مواجهة بين شرطي ومجرم، بل كانت لقاءً بين روحين معذبتين، حواراً عن العائلة والإيمان والخوف من الموت. سؤال روبي لتوم، الكاهن السابق، عما إذا كان الناس خائفين أثناء تلقي الطقوس الأخيرة، يكشف عن ضعفه الإنساني العميق.
تصل المأساة إلى ذروتها في الحلقة السادسة في موت كان مفاجئاً وحتمياً في آن واحد. المشهد الأخير لروبي وهو يطفو بسلام في المحجر هو لقطة شعرية بامتياز، توحي بأنه سيجد أخيراً ذلك السلام الذي طالما استعصى عليه على مر الأيّام.
عمل يتجاوز نوعه
“Task” أكثر بكثير من مجرد مسلسل جريمة آخر. إنه عمل فني عميق ومعقد، دراسة شخصية مؤلمة عن الأبوة، والذنب، والإيمان، والتضحية وخيبة الأمل في أمريكا المعاصرة. براد إنغلسباي يثبت مرة أخرى أنه شاعر قبل أن يكون كاتب سيناريو، قادر على التقاط الجمال الحزين في أقسى الظروف. إنه عمل يتحدى المشاهد ويطرح أسئلة وجودية كبيرة حول الصواب والخطأ، وحول ما ندين به لأحبائنا وما ندين به لأنفسنا. في عالم يميل إلى تبسيط الصراعات بين خير وشر، يقدم “Task” تحفة فنية تحتفي بالتعقيد الإنساني، وتؤكد أن أعظم الدراما لا تكمن في مطاردة المجرمين، بل في استكشاف الأرواح الضائعة التي تحاول العثور على طريقها إلى بيت ما. إنه عمل قاسٍ، حزين، لكنه في النهاية مفعم بإنسانية عميقة تترك في روح متابعها أثراً لا يمحى.
—————–
Task على منصة HBO
التريلر الرسمي للمسلسل:
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-10-17