لعل ما تتميز به العلاقات الإنسانية في بلادنا، في الحيز العام تحديداً، هو التناقض بين الدلالة من جهة وبين دلالتها من جهة ثانية، أي ان المراقب يلحظ ببساطة في مناسبات كثيرة، إختلافاً أو بالأحرى تضاداً كاملاً بين التعبير وبين المعنى، بين الظاهر والمضمون، يصل أحياناً إلى حد تبدو فيه الكلمات والتعابير وكانها صارت كمثل منبهات صوتية أو كلمات سر، لا أكثر ولا أقل.
هذه مسألة معروفة وقديمة بحسب إعتقادي، في حقل الخطاب السياسي، العقائدي والديني في دنيا العرب.
ولكن ما حملني على أن أتناولها في هذا البحث هو في الواقع، ليس ثباتها فحسب وإنما ترسخها بقوة واستسهال استخدامها وتنامي الإستعداد للإستجابة لها. فأنا لم اسمع «معارضاً» سورياً يعلن أنه تنصل «من الثورة» في بلاده، لأن «الثوار في هذه الثورة» يُصَلون ويكـبـّرون ويقطعون الأعناق ويبقرون جثث خصومهم فيُخرجون منها القلب ليلوكونه في سياق تصوير شريط سينمائي دعائي، بقصد بث الرعب والإرهاب في النفوس.
الثورة هي بالمفهوم العصري، قضية إجتماعية وطنية . بمعنى أن محركها ليس الطائفة أو الجماعة المتمذهبة أو الفئة العرقية. فحروب الطوائف والأديان والإثنيات تختلف جوهرياً عن «الثورة» الحقيقية، التي يكون عادة، في أعلى سلم أولوياتها، العدالة والمساوة والتضامن بين الناس! بكلام واضح وصريح، لا فرق بالمفهوم الثوري بين المسيحي والمسلم، بين العربي والكردي، بين الشيعي والسني.
وإذا كانت «الثورة» قضية وطنية، فمن المفروض أن تكون أطراف المنازعة وطنية هي أيضاً، وكذلك الأساليب والوسائل التي يستخدمها كل طرف من أطراف الصراع.
ينجم عنه أن الثورة هي بالضد من الحرب الدولية أو الكونية، هي تأميم للحرب وتوطين للأزمات، عن طريق تحويلها إلى مصادمة بين عسكر السلطة «الوطنية» ودباباتها ومدافعها من جهة وبين الجماهير الشعبية «الوطنية» من جهة ثانية .
التي تستمد أوراق قوتها من قانون الأكثرية العددية، من مواقعها بما هي يد عاملة في قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدماتي.
بتعبير آخر الثورة هي سيرورة تتمكن من خلالها، في ظروف معينة، الجماهير الشعبية الكبيرة العدد، بواسطة الإضراب والحركات الإحتجاجية والحجارة وحواجز الشوارع والساحات، من هزيمة السلطة وتعطيل فعالية سلاحها وأجهزتها الأمنية بقصد استبدال القوانين الناظمة للعيش المشترك في حضن الوطن.
تأسيساً عليه لا تحسم الثورة الوطنيية، إذا توفرت الظروف والشروط الثورية، لمصلحة الوطن بوجه عام، ولمصلحة المواطنين خصوصاً، إلا إذا بقيت وسائلها وأساليبها وطنية. أما إذا بادرت أطراف داخلية إلى فتح ثغرات في السور الوطني لتتغلغل منها جهات أجنبية، أو إذا تبين أن بعض الأطراف الداخلية إنما توكلت في الحقيقة، بتنفيذ خطط في داخل الوطن، رسمتها جهات أجنبية، طامعة، تضمر العداء للشعب وللوطن معا، فإن «الثورة» تكون مزيفة، بل تكون حرباً عدوانية بالوكالة .
يستتبع ذلك أن البحث في مركبات «هذه الحرب» وفي أصول الجماعات التي تجندت في جيوشها، الغازية أو المعتدية، يقودنا إلى أوساط شعبية، هي على درجة متدنية من الجهل إلى حد انه يمكن التشكيك بإلتزامها بجميع القواعد والمبادئ الثقافية والسياسية، التي ترتكز عليها الأمة في السير في مشروعها الوطني.
أما إذا سقطت الأقنعة وافتضح الإعوجاج والرياء، فظهرت «الثورة» على حقيقتها، شكلاً «تقنيا» من أشكال حروب الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية، ضد الشعوب الضعيفة، المتخلفة، بقصد اصطيادها وإفتراسها، فإن العامل الوطني يكون واحداً من عوامل أخرى أجنبية، ويكون تأثيره موازيا، لوزنه وللعون الذي يتلقاه من حلفائه.
ينبني عليه أن النتائج التي ستسفرعنها الحرب العدوانية، الإميريالية، على سوريا سوف يقررها ميزان القوى بين فريقين تمثل الجهات الأجنبية النسبة الغالبة في كل منهما.
إن الذين يشركون جهة أجنبية في شؤون الوطن يعترفون بأن لهذه الجهة حقوقاً في الوطن ويوافقونها عليها.
إن الذين يعملون مع الولايات المتحدة الأميركية، يوافقون على أهدافها .
إن الذين يقبلون بأن لمشيخة قطر ولآل سعود وللعثمانيين الجدد دوراً في تقرير مصير السوريين، يوافقون على أن تكون سوريا شبه هذه البلدان!
(ويتبع..)