نمطية المعارضة او الرفض الفلسطيني , أفقدها الجدية والمصداقية والهيبة والقدرة على التغيير…!
عماد قطينه
تاريخيا ومنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة المعاصرة , كان هناك قيادة متنفذة ومعارضة لهذا النهج والسلوك أو ذاك . وكان هناك توازن يسمح بالتأثير الأعمق . لكن اليمين الفلسطيني المتنفذ ولأكثر من سبب ليس مكان شرحه , تمكن من إدارة الدفة بطريقة تفتيت الجهة المنافسة المعارضة , مستغلا أقل الفرص والمظاهر , وخاصة بعض الطموحات الشخصية في القيادة والسيطرة .
هذا التفتيت وهذا الإستقطاب للتفتت , سمح بتوسيع الفجوة بين اليمين والمعارضة , وأضعف تدريجيا تأثيرها في القرار الفلسطيني مع الإبقاء على الهيبة المعنوية المحمية والمفروضة بقوة الحضور الكفاحي .
وبحكم مفاهيم مختلفة وبحكم تربية وثقافة وبنية متباينة او متناقضة , بين من يرى في القيادة غاية وبين من يرى فيها وسيلة . بين من يرى في المنظمة اطارا جبهويا لتكريس وحدة على برنامج , وبين من يرى فيها وسيلة احتواء لشرعنة برنامج او موقف . بين من يرى في البرامج حد ادنى من اللقاء الجبهوي و من يراها وسيلة تمرير مواقف . بين من يعتبر البرنامج مُلزم ومن يرى فيه اجتياز مؤتمر يفقد إلزاميته بمجرد انفضاض المؤتمر او المجلس .
اختلافات كبيرة وعميقة حكمت مرحلة طويلة من عمر الفصائل الفلسطينية قبل ميلاد الجهاد الإسلامي وحماس من بعدها , كانت تنتهي بتمرير اليمين لكل ما أراد , مستندا لهيمنة مبرمجة ومتدرجة تراكمت حد السيطرة المطلقة على كل المؤسسات بالتعيينات الغير ديمقراطية , والتوسع في عضوية المؤسسات القيادية بما جعلها مجرد اجتماع احتفالي شكلي يصادق اعضائه على ما لا يعرفون , فبعضهم أشبه بالأمي , والبعض الآخر في أرزل العمر يقضيها غافيا , وآخرون حضورهم للنصاب , وهكذا او هلم جرا .
ومن الملاحظات الهامة أن الرفض الفلسطيني كان نمطيا وكان مقروء الحدود في الموقف والسلوك الذي عادة ما ينتهي بالتحفظ والإحتفاظ بالموقف الخاص , والملتزم بشرعية وحيدة للشعب الفلسطيني هي منظمة التحرير , رغم كل الملاحظات على تجويف المنظمة من محتواها , وتغيير مسارها , والعبث بثوابتها وحرف أهدافها .
والحجة التي تعللت بها المعارضة الفلسطينية كانت دائما وبلا تغيير جملة او كلمة واحدة هي :ان المنظمة هي البيت الجامع , وأن الصراع كان يدور حول تصحيح مسارها واستعادتها من الهيمنة والتفرد والإقصاء , ويضاف اليوم لما سبق شعار إعادة إحيائها مع الإعتراف الكامل بموتها .
هذه الحدود وهذا المنطق هو من خلق وأوجد هذا النفرد وهذا الإستهتار لدى القيادة المتنفذة , وهو الذي ساهم وبطريقة أخرى في محاولة استقطاب حماس والجهاد للمنظمة تحت ذات الشروط المجربة النتائج الفاشلة والكارثية , بدل تشكيل مؤسسة تمثيلية تشريعية تفرز قيادة منتخبة ديمقراطيا تلتزم ببرنامج الأغلبية البرلمانية كوريث شرعي للمؤسسة الميتة بشخوصها ومؤسساتها وبرامجها البالية التي وصلت من الضعف ان تُستباح من قبل سلطة ورئيس سلطة يُفترض ان تكون ويكون خاضعان لها .
هذه النمطية في التعاطي والرتابة في السلوك والأفعال , قابلها طبيعيا وسيقابلها لاحقا أيضا تغول للمتنفذين والسلطويين الذين تحصنوا خلف اجهزة أمنية ومؤسسات اقتصادية ودول اقليمية وحضانة دولية ورضى الكيان وحرصه على مهامهم الوظيفية المجندة في خدمة الأمن والإقتصاد الصهيوني .
وهذه النمطية أفقدت أصحابها الثقة الشعبية وأضعفت بالتالي حضورها وتأثيرها , وبات تندّر اليمين عليها مسألة شائعة عنوانها ( كلهم بيعبوش باص ) بعد أن كان في مراحل سابقا يروج لثاني أو ثالث أكبر فصيل في المنظمة كتوظيف في فرض المواقف .
ومسألة يمكن إضافتها هنا لواقعيتها , وهي أن ما يسمى بالمعارضة الفلسطينية اليسارية , ليس فيها من اليسار شيء يجمعها , لا الفكر الذي أسقطه البعض , ولا السياسة التي هي تاريخيا مختلفة بين شعبية وديمقراطية وحزب شعب ونضال وتحريرفلسطينية وفدا , وهذا ينطبق على التنظيمات القومية التي يسميها البعض ايضا يسارا والتي في الواقع انهت حضورها ودورها لأساباب تخصها .
هذا الحال , وهذا الضيق في أفق التغيير واساليبه وفهم معانيه ومعادلاته , هو مسؤول بدرجة كبيرة عن فرعنة فرعون الفلسطيني , وعن الذهاب بعيدا في مسار تصفية القضية بدءا من المؤسسات ووصلا للحالة برمتها , بغض النظر عن المبررات والشعارات التي لم تعد تجد من يسمعها .
فتجزأة الحالة الفلسطينية وتجريدها وسلخها عن وحدتها العضوية , هي وهم سحري لهذه المعارضة لتبرير خنوعها واستسلامها والإنسحاب السلس من ما يسمى طليعة ثورية حفاظا على أمين او وزير او شريك ظل في نقابة او مؤسسة هنا أو هناك .
ربما تكون حماس مختلفة بحكم كثير من القضايا , وبالتأكيد الجهاد مختلف , ولكن عليهما التمسك بعدم تجريب المجرب , وعدم تمديد صلاحية الأموات , والإصرار على مواليد جديدة تحمل المستقبل وتبنيه
2021-10-24