لماذا كل كلمة أو خطاب للسيد نصر الله يستحوذ هذا القدر الهائل من الإهتمام على المستويات الرسمية والشعبية من الأنصار والخصوم والأعداء على السواء داخليين او خارجيين ؟؟؟
عماد قطينه
ظاهرة تستحق التوقف , وتستحق ما يبذل في سبيل تفسيرها , رغم وضوحها بشكل عام . السيد نصر الله وحزبه وحلفائه وأنصاره جزء من المنطقة , ولكنه رغم عدم كونه دولة بمعنى الدولة , لكن ما يحظى به يفوق كثيرا أهمية دول عديده بما فيها البعض الإقليمي نوعا ما . فتأثيره بالمنطقة ودوره في إعادة رسمها يفوق كثيرا العديد منها .
وعدا أهمية محتوى كلماته وخطبه , هناك معطيات وظروف أخرى تضيف لهذه الأهمية أهمية . فالسيد عادة يتمتع بمواصفا شخصية خاصة أساسها : مصداقية شبه مطلقة , وبموضوعية وعلمية لا يمكن التقليل منها , وبوضوح لا يحتمل التأويل , و بتواضع يحسب له , وبصبر غير مألوف من سياسي او سياسي ديني , وقدرة عالية على الربط بين الوطني والقومي والإقليمي والدولي . هذا دون ان نستثني قدرات حزبه وامانياته وانجازاته ضد الكيان وضد القوى التكفيرية في بلده وفي سوريا والعراق ايضا .
كل هذا لن يعطيه فرادة لو أن السياسة في المنطقة تعتمد ذات الأسلوب والمبدأ والحزم . لكن غياب كل او معظم ذلك جعل منه ومن حزبه انموذجا يُعتد به ويُفتخر . فهو منطقيا ربط تميز سياسته بتميز قدراته ومنجزاته التي بنى عليها , وليس على وهم أو تضخيم تفتضح حقيقته عند أول اختبار .
وفوق هذا فإن لغة الإستعراض للعضلات وتحدي العادات وهيبة الدولة , وأمراض الطفولية التي مورست ممن سبقه فلسطينيا ولبنانيا , لم تعد جزءا أو نمطا من حياته . هذا الأسلوب المنفر استُعيض عنه برسائل عروض توحي بالقوة الداعمة لمؤسسات الدولة والمكملة لها على قاعدة وحدة المكونات ( المقاومة والجيش والشعب ) , دون أن يخترقها , ليُكسبها مصداقية اضافيه .
وما يضاف ايضا أنه وبما يمتلكه من قوة وشعبية طاغية , زهد وتعفف عن الوزارات وفرض حصص حكومية لذاته , رغم حرصه على الشركاء والتمسك بهم والإيفاء بوعوده لهم , بعكس الحالة العربية عموما بما فيها الفلسطينية التي تتخذ من الحليف رديفا وخادما مهانا في تحالفه .
السيد الأمين تحدث وتعمق في وضعهم اللبناني ومخاطره ومحاذيره , وخاطب الطرف الآخر بلغتين واضحتين : الفتنة ورأسها بلغة التحذير والوعيد بوضع حد لها يتناسب مع الحدث , وتوضيح أن المحرك والسند الخارجي غير قادر على حمايته عدا عن حماية انفسهم . والثاني هو الشارع المسيحي بوصفه ضحية سياسات رأس الفتنة من القوات اللبنانية , وتنبيهها من الإنجرار خلف جعجع ومخططاته , ومن تكرار فشله وخساراته المتتالية عبر تاريخه الدموي الطويل الذي كانت ضحاياه كل الأطياف اللبنانية من شمعونيين ومردة وفلسطينيين وكنائس ومسؤولين كبار كرئيس الوزراء كرامي وغيره , وحتى الإصطدام بالجيش فترة قيادة ميشيل عون … الخ .
هذا التذكير بالتاريخ وبالفشل في مواجهة التاريخ والإنتصارات هدف بالإساس الى قطع الطريق على الفتنة والإنزلاق نحو حرب أهلية لن يخرج منها ججع منتصرا , كما وهدف لطمأنة المسيحيين ليس بلغة الطائفية بقدر ما هي بلغة الحرص الوطني , والتمييز بينمسيحيين وطنيين وأخرين مأجورين .
التاريخ قد يعيد نفسه ولكن ليس بذات النسخ الكربونة , فالزمن بمتغيراته لا يحتمل النسخ الكربوني , بل يستحدث أدواته وأساليبه , و ينتج ما هو جديد .
هناك قوى استعراض , وهناك قوى كامنة . هناك ترابط مكونات , وهناك تفتت موجودات . هناك اقتران عمل ومنجزات , وهناك مغايرة عمل لأقوال وتراجعات . هناك نموذج يحتذى , وهناك نموذج يُنتبذ . هناك مفارقات وهناك مقاربات وهناك مقارنات . كل هذا يدخل في تفسير أهمية وموضوعية أن يكون للسيد هذا القدر من الحضور والإهتمام والإحترام , وأن يكون قبلة الوطنيين والتحرريين والثوريين . وأن تكون عمامته رمزا للعلم والعقل والضمير والوعي السياسي والحسم الكفاحي .
أهمية كل ما نقول ليس لأجل لبنان فقط , بل لأجل قضيتنا التي هي الأحوج للإقتداء بهذا النموذج الغير مغبر بالفساد والإستحواذ والإقصاء والوهن والإفقار والهوان والإستجداء وترحيل الواجبات للمؤسسات العربية المطبعة , والدولية المنحازة للكيان , هروبا من الإجابة العلمية والعملية على استحقاقاتنا المتعلقة بالتحرر الوطني وبناء دولة تستند لحقنا في تقرير المصير لأجل شعب يحظى بكرامة تليق بتضحياته , بعيدا عن أن تكون مزرعة أو مزارع للمتنفذين وقناصي الفرص المستحوذين لخيرات الوطن .
2021-10-20