وقائع الجهاد فى صدر الإسلام!

رجائي عطية
رجائي عطية
طفق الأستاذ العقاد يبين أسباب الجهاد الذى فرض على المسلمين فى صدر الإسلام لصد العدوان أو تأمينًا للحدود أو الطرق، ففصل مقدمات وتفاصيل غزوة تبوك التى نهضت لمدافعة عدوان حشود من الروم تتجمع على الحدود فى الشمال، فلما أيقن المسلمون من انصراف الروم، عادوا أدراجهم دون ملاحقة من دبروا للهجوم والعدوان عليهم.
وعندما أنفذ الصديق فى بداية ولايته بعثة أسامة بن زيد لردع القبائل التى كانت تعيث فى تخوم الجزيرة وفى الطريق بين الحجاز والشام، وتهيج القبائل لحرب المسلمين، لم تلبث البعثة أن قفلت عائدة إلى المدينة بعد أن آثر المتربصون السلامة وبادروا بالانصراف.
ويعقب الأستاذ العقاد فى كتابه عن الديمقراطية فى الإسلام بأن جملة أحكام الإسلام شرعًا وفعلا فى العلاقات الخارجية، هى أحكام تجعل الدولة الإسلامية مثالا للدولة التى تنتظم
فى أسرة الأمم الدولية، وتجرى علاقاتها معها على سنن واضحة وعهود مرعية وأمان مصون.
والحديث عن الإسلام والرق وارد، لأنه على صلة بالأسر فى الحروب وبالحقوق الديمقراطية.
والأرقاء فى الإسلام هم الأسرى فى تلك الحروب الذين لم يُعتقوا ولم يُفتدوا، وبينهم وبين الأحرار فرق فى بعض الحقوق.
وموقف الإسلام فى هذه المسألة لا يعرف على حقيقته ولا يوزن بميزانه إلاَّ بالمقابلة بما كان قبله وما جاء بعده إلى العصر الحاضر.
ومع أن الحكمة العقلية كانت قد بلغت أوجها فى فلسفة اليونان، إلاَّ أن أفلاطون وأرسطو اعتبرا كلاهما أن الرق حالة «أصلية» ارتأيا أنها ملازمة للطبيعة البشرية، ووصف أرسطو العبيد بأنهم آلات حية، وشدد أفلاطون عقوبة العبد الذى يتطاول على حر ولو كان غير مالكه وسيده، وأوصى بتسليمه إلى من أساء إليه ـ إن لم يكن سيده ـ ليتولى بنفسه عقابه بما يرضيه.
واعترفت الأديان كلها بالرق، ونظرت إليه كأنه عقوبة إلهية مستحقة على بعض الناس.
أما بعد الإسلام، فقد ظل الأسرى فى قبضة الآسرين، بمقتضى القانون الدولى، خاضعين لمعاملة قاسية وغير إنسانية، ولا فكاك لهم إلاَّ فى ظل مبادلة الرهائن أو بالغرامات المقدرة، وليس لهم بطبيعة الحال حقوق فى البلاد الغالبة المأسورين فيها.
أما فى الإسلام، فإن الرق «حالة عارضة تزول»، وليس بالحالة الطبيعية التى تدوم ولا تتبدل، وسبيل إزالتها التشجيع على العتق من ناحية، والفداء من ناحية أخرى، والمن مقدم فى الإسلام على الفداء، وقد توسع المسلمون فى الفدية فقبلوا بوصية النبى عليه الصلاة والسلام فداء الأسير نفسه بأن يعلم بعض المسلمين القراءة والكتابة. وتوسع الإسلام فى العتق، فجعل العتق سبيلا للكفارة عن السيئات، ومن حديث النبى عليه السلام: «من لطم مملوكًا فكفارته عتقه».
وقد جاءت وصايا النبى ـ عليه الصلاة والسلام ــ متممة لحكم الكتاب فيهم «فإما منًّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها».
وقد أمر المسلم بأن يسوى بينه وبين مملوكه فى المعيشة، وكان كبار الصحابة يطعمون مواليهم مما يأكلونه ويلبسونهم مما يلبسون، بل اشترى الإمام علىّ ثوبين فخص مولاه بأفضلهما وقال له حين رده هذا مستحييًا: بل أنت به أولى، لأنى شيخ وأنت شاب.
ولم يكن الرق يحول بين المولى وبين أرفع مناصب الرئاسة والقيادة، وأمثلة من رفع عنهم الرق فى الإسلام وصاروا من عيون صحابته عديدة، زيد بن حارثة الذى كان فى الأصل مولى لمحمد عليه الصلاة والسلام، وقد آثر محمدًا على أبيه حين ظهر أبوه، وقد ولاه النبى ـ عليه الصلاة والسلام ــ قيادة الجيوش، مثلما ولى ابنه أسامة. وحين طعن عمر بن الخطاب قدم «صهيبًا الرومى» على المهاجرين والأنصار للصلاة بالناس، وكانت وصايا النبى عليه الصلاة والسلام بهم عديدة، وعادت لهم المكانة فى عهد الدولة العباسية بعد أن كان الأمويون قد انتهجوا تقريب العرب وإقصاء الموالى.
ولم يرد فى القرآن الكريم ولا فى السنة نص على التفرقة بين الأحرار والرقيق فى مسائل الشهادة والذمة، ووردت على العكس نصوص كثيرة تحض على البر بهم وعتقهم والتمكين من فك إسارهم، وتولوا الأعمال والرئاسة والولاية فى بعض الأحوال.
ويستعيد الأستاذ العقاد بعض ما أبداه فى كتابه الفلسفة القرآنية، من أن تحرير الأرقاء فى الإسلام كان أوسع بحبوحة من حركة التحرير فى أوروبا، فبينما علل الأوروبيون التحرير بعلل مستمدة من ضرورات الاقتصاد، فإن تحرير الإسلام للأرقاء جرى برغم معاكسة تلك الضرورات.
فلم يقبل الإسلام على تحرير الأرقاء مجاراة لضرورة الاقتصاد، بل على الرغم من هذه الضرورات وعلى الرغم من شح الأنفس بالأموال. وحسبك أن تراجع ما جرى للأرقاء وللسود بعامة فى الولايات المتحدة، ومن بعد إلغاء الرق هناك، من معاملة بالغة السوء والتفرقة والتمييز والإعنات، لترى كيف أن مزية الإسلام الكبرى هى السبق إلى كل أدب رفيع فى رعاية الإنسان، ومن قبل أن يصك أحد مصطلح الديمقراطية.
عدل الفاروق بين أبى سفيان سيد مكة وبين صعلوك من جيرانه، وعدل وزاد عدلا مع خالد بن الوليد وهو القائد المظفر سيف الإسلام، وعدل بين الملوك والسوقة، وبين جلة الصحابة وبين من لم يدخلوا بعد فى الإسلام.
وأنصف عمر أحد الجنود من أبى موسى الأشعرى الذى ضربه وحلق رأسه، وأرسل إلى الوالى أبى موسى كتابًا يأمره فيه بأن يقد الرجل منه علانية إن كان قد ضربه وحلق رأسه علانية، وفى ملأ كالملأ الذين شاهدوا الواقعة، أو يقده فى خلاء إن كان ذلك قد حدث فى خلاء.
ويقال إن قومًا رجوا الرجل أن يعفو عن الأمير فرفض، ولكنه حين جلس أبو موسى ليقتص منه ورآه بين يديه فى مجلس القصاص، غلبه تسامحه، ورفع رأسه إلى السماء قائلا: اللهم قد عفوت!
وقصة ابن عمرو بن العاص مع أحد المصريين مشهورة، وصمم عمر على أن يقد الشاب المصرى من عمرو نفسه مع أن الخطأ كان من ابنه، محتجًّا بأنه فعل ما فعله بسلطانه حين قال للشاب المصرى إنه ابن الأكرمين، وقال لهما عمر متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ ولم يقبل فى عمرو شفاعة إلاَّ أن صفح عنه الفتى مكتفيًا بأنه ضرب من ضربه.
وهذه الأمثلة وغيرها تبدو أعجب من الحلم، ولكنها كانت واقعًا مثاليًا ماثلا للعيان.
فمن أين أتت هذه الأمثال؟
ومن أين جاءت هذه الثقة والطمأنينة فى إحقاق الحق؟
خلاصة ما يقال فى هذه الصورة الرائعة أن العدل الإلهى كان واقعًا ماثلا استمده ضمير هؤلاء من الإيمان، فكانت هذه الصورة المثلى حقًّا وصدقًا، وكفى بذلك إنصافًا للمثل الأعلى ولطبائع الأمور.
Email:rattia2@hotmail.com
‎2021-‎10-‎14