غياب الأخلاق والعدالة عن الأمم المتحدة!
الدكتور عادل عامر
أن مواقف الدول الكبرى دائمة العضوية أصبحت تتسم بدرجة لا تطاق من الازدواجية والنفاق الدولي. فحين تعلن دولةٌ مثل روسيا أن التهديد باستخدام القوة في نزاع السد الأثيوبي يجب منعه فهذا أمرٌ يثير الدهشة ويعبر عن التناقض والازدواجية. فروسيا هى آخر دولة فى العالم يحق لها أن تفلسف معارضة استخدام القوة وتعطى بشأنها دروساً لأحد.
فقد احتلت روسيا دولاً كاملة وقضت على هويتها وضمت أجزاء من دول أخرى وسحقت سيادتها. كيف تجيء إذن دولة بهذه السلوكيات والقيم لتنكر على دولة أخرى أن تدافع عن حقها فى الوجود وعن أمنها المائي الذى تتوقف عليه معظم مقوّمات حياة شعبها؟
أما الصين فقد كان الظن أنها قوة أخلاقية عادلة لكن يبدو أن هناك دائما روائح استعمارية مبكرة وهيمنة صاعدة ذات رائحة يمكن شمها ولو اختبأت تحت جلود أصحابها لأن استثمارات وتطلعات الصين فى أثيوبيا سبقت قوة المبادئ والقانون الدولي.
الأطراف الرئيسية المشاركة في حروب اليوم ليست بالضرورة دولًا، إنما قد تكون بقايا دول فاشلة أو ميليشيات مسلحة غير تابعة لدولة أو تحالفًا من قوات دولية يجرى تجميعها لمواجهة دولة ما أو ميليشيا مسلحة. وتُعد ظاهرة ما يُسمى «الحرب على الإرهاب» من أكثر الظواهر شمولًا على صعيد المستجدات في ثقافات وأخلاقيات الحروب، وقد اقتحمت حياتنا السياسية والقانونية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة الأميركية.
وإذا كانت الانتهاكات الإنسانية التي تصاحب المستجدات في عالم الصراعات ليست بالجديدة، غير أن التطور الذي شهدته المجتمعات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يدفعنا للتساؤل عن معنى الغياب شبه التام للسؤال الأخلاقي لدى الأطراف المنخرطة في هذه الحروب؟ ولماذا تختفي أخلاقيات الحرب خلف ستار مسرح العمليات القتالية؟
أين ذهبت آراء وأفكار رواد المدرسة «الأخلاقية» سقراط وأفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني والكثير غيرهم ممن أجمعوا على ضرورة وجود أخلاق فاضلة في الحروب يلزم اتباعها لذاتها، مؤكدين أن الخلق الفاضل يشكل صالح الإنسان، وضروري لازدهارنا كبشر نعيش في مجتمع واحد.
إذا كنا مضطرين جميعًا أن نشهد هذه الصراعات والحروب -وهي قطعًا سنة كونية فإن اهتمامنا الأول يجب أن يكون بالعمل على تخفيف المعاناة الناجمة عنها وذلك يحدث عند فهمنا لأهمية احترام أخلاقياتها المجسدة في اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، والاقتناع بأن ما قاله نيكولو مكيافيلي منذ خمسة قرون مضت بأن الغاية تبرر الوسيلة لم ولن يكون صحيحًا. ومن المشكلات الكبرى التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية أن هذه المجتمعات لم تتمثل عملياً المرجعية الإسلامية للقيم، ففقدت بذلك “قوة القيمة” واستسلمت في كثير من الأحيان للسلطة القهرية التي تمثلها “قيمة القوة”.
2021-09-16