الحرية والجريمة!
فريد العليبي .
صعدت يوم 8 نوفمبر 1793 السيدة رولان الى المقصلة في حي باريسي فقد حكم عليها بالإعدام من طرف ” الثورة ” وقبل أن تودع الحياة صرخت : أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك، كانت فرنسا الثورية قد علقت في حبال المشانق حتى قيل إن الثورة قد التهمت أبناءها وبناتها ومن بينهم السيدة رولان التي كانت من صناعها . ترى كيف جعلت الحرية الدماء تسيل والأرواح تزهق ؟
الحرية مفهوم فلسفي ومن الفلاسفة من اعتبر الانسان حرية ، وصولا الى المفارقة القائلة أنه مجبر أن يكون حرا فالحرية ماهية الانسان نفسه ، وهناك مفاهيم تجاورها مثل العدل والمساواة والديمقراطية ، وأخرى تناقضها مثل الاستعباد والاستبداد والجور والاضطهاد ، وهي أيضا كلمة جميلة ساحرة ، لذلك لها حضور في الشعر والأدب ، وهى تتطلب شجاعة في الدفاع عنها والحصول عليها فلا يستحقها الا من يغامر بحياته من أجل الفوز بها ،وقلما تجد من ينكرها فالألسن جميعها تقريبا تلهج بها ، وفي الشعر اعتبر أبو القاسم الشابي الانسان قد خلق طليقا كطيف النسيم وحرا كنور الضحى في سماه .
غير أن هذه الحرية الجميلة نظريا تتحول أحيانا الى نقيضها عمليا ،عندما تشق طريقها وسط حقول السياسة ، متحولة الى ساحة معركة وأداة فتك وقتل فكل يزعم النطق باسمها مرتديا جلبابها . وفي تونس يمكن لمصيرها أن لا يختلف كثيرا عن ذاك الذي عرفته في فرنسا ، فهي تستعمل في الخطابات السياسية في بعض الحالات لتبرير تفكيك وطن واغتيال شعب ،خاصة من حيث دلالتها على الحقوق والحريات فهذا المجال بالذات وجدت فيه قوي شريرة بابا تدقه لتحقيق مآربها، وآخر الأبواب التي تم فتحها ما ثار من جدل حول الجزائري سليمان بوحفص، الذي يبدو أن تونس قد سلمته الى الجزائر بعد أن جاءها هاربا ،فقد اعتبر حقوقيون وسياسيون ذلك اغتيالا للحرية .
غير أنه بالعودة الى حيثيات قضيته تبين أن لا علاقة له بالحرية وانما بنقيضها فهو ينتمي الى منظمة تطلق على نفسها اسم حركة استقلال منطقة القبائل ، وهى مصنفة إرهابية من طرف الدولة الجزائرية لطابعها الانفصالي الانعزالي فضلا عن اتهامها بإثارة النعرات الدينية واللغوية والعرقية لتقسيم الجزائر وتلقيها الدعم من قوى خارجية من بينها ” إسرائيل ” التي زارها زعيمها ، وعندما أجرت معه صحيفة جيريزلام بوسط الصهيونية حوارا ختمه بشعار” الحرية للقبائل.. والخلُود لإسرائيل”.
وقد وصلت تلك المنظمة حد تكوين حكومة انفصالية لإدارة شؤون منطقة القبائل ، و سليمان بو حفص هو أحد قادتها ، و لا يجد هو الآخر غضاضة في تمني استقلال القبائل كي تصبح دولة راقية وعظيمة كما الكيان الذي يحتل فلسطين . وتقول الجزائر أن تلك المنظمة مورطة في اضرام النيران في الغابات مؤخرا مما أدى الى حرائق مدمرة وهناك أعضاء فيها ضالعين في حرق شاب ( جمال بن اسماعيل ) حيا لإثارة فتنة بين العرب والأمازيغ .
ولا يعرف ما ان كانت المنظمات الحقوقية والسياسية التونسية قد تسرعت في اصدار بياناتها دون ادراك لهذه المعطيات أم انها كانت على المام بها ولكنها تعتبر الانفصال والعلاقة مع “إسرائيل” مسائل ثانوية ولا تدخل ضمن الجرائم المبطلة للحرية ، وأن الذي يهمها أكثر من غيره هو كسب رضا الداعمين الدوليين المتاجرين بالحرية ، فالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان على سبيل الذكر وهى من بين الموقعين على بيان في الغرض ، منظمة عريقة ومناضلة وقد تلطخت سمعتها جراء ذلك ، ووجد أعضاء في هيئتها المديرة أنفسهم في حرج فأصدروا بيانا يتبرأون فيه من التلاعب بالحرية، ويبدو أن من وقع باسمها لم يستشر بقية الأعضاء .
وعلى هامش ذلك الجدل تم توجيه الاتهام مجددا الى قوى خارجية تحاول توظيف الحرية لصالحها فبعد الحرب المدمرة على بلاد الرافدين تحت مسمي الحرية للعراق هناك سعى لتقسيم الجزائر تحت عنوان الحرية لمنطقة القبائل ، بينما تقمع تلك القوى كل مسعى للاستقلال داخلها ، مثلما حصل في اسبانيا للكتالونيين والباسك ، وفي فرنسا للكورسيكيين الخ .. وهو ما يعنى أن الحرية يمكن ألا ترتكب باسمها الجرائم في حق أفراد فقط مثلما حصل مع السيدة رولان وانما أيضا في حق شعوب وأمم بأكملها .
2021-09-04