العيش في ضل دولة الأستبداد!
علي رهيف الربيعي.
يرى مونتسكيو أن الحكم الاستبداي الذي يخلو من كل فضيلة. إنه نظام يقوم على خوف المواطنين ورعبهم من السيد الحاكم، ولا يحتمل أية سلطات وسطى. إنه يلقى بالناس في هوة الذل والمهانة، ولا يحافظ على وجوده إلا بسفك الدماء، والطاعة التي يتطلبها من رعاياه هي الطاعة العمياء. والتربية والتعليم في النظام الاستبداي لا تهدف إلا تكوين أفراد يدينون بالولاء والإخلاص للحاكم، ويتميزون بالطاعة العمياء في تنفيذ أوامره، ويعوزهم التفكير المستقل. والطاعة العمياء تفترض الجهل فيمن يطيع بل وفيمن يأمر ، لأنه لا يفكر ولا يتروى بل عليه أن يريد (1). وتقتصر التربية على بث الخوف في قلوب الرعية وتلقين بعض مبادئ الدين البسيط، يقول :
” كل بيت في الدولة المستبدة إمبراطورية منفصلة، وتكون التربية القائمة هناك على عيش الإنسان مع الآخرين محدودة جدا. وهي تقتصر على إلقاء الخوف في قلوب الناس، وتلقين الروح بعض مبادئ الدين البسيطة جدا. ذلك أن المعرفة ستكون خطرة، والتنافس نحسا . ولم يستطع أرسطو الاعتراف بوجود فضائل خاصة للعبيد. فالتربية في الدولة المستبدة كأنها عدم، فلابد من انتزاع كل شيئ، ولا عطاء لشئ ما، وجعل الفرد عضوا فاسدا، ابتغاء جعله عبدا مطيعا (2)، فرعايا الدولة الاستبدادية مجردون من كل فضيلة خاصة لهم، ” وليس في الدول الاستبدادية عظمة نفس، لأن الحاكم فيها لن يعطي عظمة لا يملكها هو نفسه، إذ لا يوجد عنده مجد. وإنما في النظام الملكي يشاهد حول الأمير رعاياه يتلقون اشعاعاته” (3).
وهكذا يميل الاستبداد إلى هدم الدولة ذاتها بهدمه لروح المواطن الذي هو أساس هذه الدولة، وما أشبه الحاكم المستبد هنا بما كان يفعله همج” لويزيانة(*) “، الذين كانوا يلجأون عندما يريدون قطف الثمار إلى قطع الشجرة نفسها ثم يجمعون ثمارها (4)، وفي الدولة الاستبدادية تقل القوانين بل تنعدم، ولابد أن يكون المحكومون جهالا، جبناء، محطمي النفوس. وبدلا من أن يربى الناس على أساس الاحترام المتبادل، يكونون حيث لا يستجيبون إلا للترهيب والتخويف. ويتساءل مونتسكيو :
” إن الناس يحبون الحرية، ويكرهون القهر والعنف، والطبيعة البشرية تثور على الحكومة المستبدة بلا انقطاع، كما أن الناس تنفر من الطغاة وتحقد عليهم فلماذا إذن يعيش معظم الناس في العالم تحت الاستبداد؟ ويجيب قائلا إن هذا يفسر بأمرين : الأول هو أن الإمبراطوريات الواسعة تحكم حكما استبداديا فيما يكون الحكم فيها قوي النفوذ. والثاني هو الأهم لأن الشرط الوحيد لقيام الاستبداد هو الشهوات الإنسانية وهذه موجودة في كل مكان (5) ولهذا فإننا نراه يربط بين الأقاليم الحارة التي تنمو فيها الشهوة مبكرا، وانتشار الاستبداد “.
المراجع :
(1) مونتسكيو” روح الشرائع ” المجلد الأول ص ٥٦ من ترجمة عادل زعيتر.
(2) المرجع نفسه.
(3) المرجع السابق ص ٩١.
(*) لويزيانة Louisiians ولاية في جنوب الولايات المتحدة عاصمتها باتون روج، أصبحت الولاية رقم ١٨ عام ١٨١٢.
(4) مونتسكيو” روح الشرائع ” المجلد الأول ص ٩١.
(5) د. عبد الرحمن بدوي : موسوعة الفلسفة – الجزء الثاني ص ٤٨٩ – ٤٩١، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت عام ١٩٨٤.
2021 /08/02