تونس .. محاوله لفهم ما حدث
بقلم ياسر رافع.
بعد قرارات الرئيس التونسى ” قيس سعيد ” والتى جمد فيها أعمال البرلمان وتوليه السلطه التنفيذية منفردا بمساعدة رئيس وزراء يختاره هو ، وكذلك التغييرات الكبيرة التى طالت مناصب رفيعه فى هرم السلطه التونسيه مثل إقالة وزير الدفاع ، كل هذا مغلف بإنقسام سياسى لافت للنظر ، ففريق يرى ما حدث إنقلابا على الشرعيه الثورية ، وفريق يرى أن ما حدث تصحيحا لأخطاء ما بعد الثورة ، وفريق يرى انه كان ولا زال بالإمكان تلافى أخطاء الماضى وتصحيح ما حدث برجوع الرئيس ” قيس سعيد ” عن قراراته الإستثنائيه وفتح حوار بين الفرقاء السياسيين منعا لإنزلاق تونس نحو هاوية الحكم المستبد مرة أخرى .
وفى محاولة لفهم ما حدث تسرع الغالبية العظمى من المتابعين وحكموا على المشهد التونسي ووصفوا ما حدث بأنه ” إنقلاب ” بفهم تقليدى ، وهو فى ظنى توصيف لم يجانبه الصواب بشكل كبير ، حيث تمثل الإنقلابات فى المفهوم الشعبى نوع من إستخدام القوة الخشنه فى التعامل مع ترتيبات الحكم وهرم السلطه ، ولكن ما حدث فى تونس يمثل ما يعرف ” بإنقلاب القصر ” حيث تجرى ترتيبات قمة السلطه بطريقه هادئة نسبيا بعيدا عن صخب أصوات الرصاص وتبقى فى الأعم الأغلب مدعومة شعبيا .
وإنقلاب القصر هو الأسلوب المتبع فى تونس منذ نهاية عهد الرئيس المؤسس للجمهورية ” الحبيب بورقيبه ” وحتى الأن ، وكذلك طريقة تعاطى الشارع التونسي مع ذلك الإنقلاب متشابهه كما فى حالة سابقة
وعادة ما يكون إنقلاب القصر شرعيا ومتوافق مع الدستور ، وسرعان ما يكتسب شرعية شعبية ومؤسسية عندما يلقى قبولا شعبيا وتأييدا من المؤسسات الأمنيه والجيش
ولكن كيف يكون إنقلاب القصر شرعيا ؟!!
……………………………………………………………………..
فى يناير 1984 قامت مظاهرات عارمه فى تونس عرفت ” بإنتفاضة الخبز ” ، والتى كانت بمثابة المسمار الأخير فى نعش فترة حكم الرئيس ” الحبيب بورقيبه ” الذى أصبح شيخا كبيرا هرما ، وأصبحت تصرفاتة غير مستساغة من الشارع السياسى التونسى ، وعلى الرغم من التراجع عن القرارات الإقتصاديه والتى أوقفت إنتفاضة الخبز ، إلا أن توابعها هى التى حددت شكل وطبيعة الحكم فى تونس لسنوات طويلة ، حيث تم إستدعاء ” زين العابدين بن على ” من وارسو _ عاصمة بولندا حيث يعمل _ ليشغل منصب مدير عام الأمن الوطنى لضبط الشارع الثائر ، والذى تحول إلى الرجل الثاني فى البلاد وشغل منصب رئيس الوزراء حتى قام بعد ثلاث سنوات فقط فى نوفمبر من العام 1987 بأول إنقلاب قصر فى تاريخ الجمهورية التونسية ، حيث قام ” زين العابدين بن على ” مدعوما من قائد الحرس الوطنى ” الحبيب عمار” ، ووزير الدفاع ” صلاح الدين بالى ” ، وتقرير طبى أصدرته مجموعة من أساتذة الطب تؤكد عدم صلاحية ” بورقيبه ” الصحية لممارسة مهامه ، وبناءا عليه تم إستدعاء الدستور للتخلص من الرئيس ، وطبقا للفصل الـ 57 من الدستور الذى ينص على تولى الوزير الأول (رئيس الوزراء ) رئاسة الجمهورية فى حال عجز الرئيس أو وفاته ، وعليه تم وضع الرئيس الشيخ الكبير تحت الإقامه الجبرية حتى وفاته بعد ذلك بسنوات .
وهكذا تمت ترتيبات الحكم بإنقلاب دستورى فى أعلى سلم السلطة وتولى ” بن على ” مقاليد الحكم ، ولكن بات ينقصه دعم شعبى فى مواجهة خصومه السياسيين ، ولهذا أصدر ” بن على ” بيانا كتبه بخط يدة وأذاعه على الشعب التونسى ، عرف ببيان 7 نوفمبر 1987 ، والذى وصف ” بالتحول المبارك ” ، وكان اللافت للنظر هو تأييد أغلبية القوى السياسيه لبيان نوفمبر 1987 .
لماذا أيدت القوى السياسيه ، إنقلابا تم فى قصر الحكم ؟
……………………………………………………………………
فى إنقلابات القصور تكون شعبية الرئيس هى العامل الحاسم فى رجاحة كفة الإنقلاب أو فشلها ، وفى الحالة التونسية ، رحب الشارع السياسى والشعبى بخطوة ” بن على ” فى نوفمبر 1987 ، بسبب كبر سن الرئيس ” بورقيبه ” وفشل سياساتها الإقتصادية وأفكارة الغريبة والشاذة أحيانا ، وكذلك إنتشار البطالة والفقر وهو ما جعل إنقلاب القصر يمر بسلاسه ، ولكن على الرئيس الجديد أن يؤسس شرعية له تضمن شعبيه ممتدة لحكمه وهو ما تجسد فى نص بيان الـ7 من نوفمبر 1987 ، والذىكتن أبرز ما فيه كالتالى :
” ولكن الواجب الوطنى يفرض علينا اليوم أمام طوال شيخوخته وإستفحال مرضه أن نعلن إعتمادا على تقرير طبى أنه أصبح عاجزا تماما عن الإضطلاع بمهام رئاسة الجمهورية “
” وبناءا على ذلك وعملا بالفصل الـ57 من الدستور نتولى بعون الله وتوفيقه رئاسة الجمهورية والقيادة العليا لقواتنا المسلحة وسنعتمد فى مباشرة مسؤوليتنا فى جو من الثقة والأمن والإطمئنان على كل أبناء تونسنا العزيزة فلا مكان للحقد والبغضاء والكراهية ”
” الشعب بلغ من الوعى والنضج ما يسمح لكل أبناءه وفئاته بالمشاركة البناءه فى تصريف شؤونه فى ظل نظام جمهورى يولى المؤسسات مكانتها ويوفر أسباب الديموقراطية المسؤوله “
” عرض مشروع قانون للأحزاب وقانون الصحافه “
” لا مجال للظلم والقهر كما نحرص على إعطاء الدولة هيبتها فلا مكان للفوضى والتسيب ولا سبيل لإستغلال النفوذ أو التساهل فى أموال المجموعة ومكاسبها ”
” إنه عهد جديد نفتحه معا على بركة الله بجد وعزم وهو عهد الكد والبذل يمليهما علينا حب الوطن ونداء الواجب . لتحيا تونس – لتحيا الجمهورية ”
وبعد هذا البيان يتضح التشابه الكبير بين بيان ” بن على ” وبين بيان الرئيس ” قيس سعيد ” ، من حيث شرعنة التغييير أو الإنقلاب حيث توافق ما حدث مع الدستور ، وكذلك التأكيد على المطالب الشعبية والسياسيه ، وكذلك التأكيد على المضى قدما نحو بداية جديدة لتونس .
ولكن لماذا حدثت أزمة مع بيان ” قيس سعيد ” ولم تحدث مع بيان ” زين العابدين بن على ” ؟!
……………………………………………………………………………….
لقد كان مشهد منع زعيم حزب النهضة ورئيس البرلمان ” راشد الغنوشى ” من دخول المجلس من قبل قوات الجيش ، مشهدا لافتا لحجم القوة وحجم التغيير ، حيث حاول الغنوشى أن يدخل ولكنه منع ولم يسمع إلا كلمه من خلف بوابة البرلمان ” بأنها الأوامر ” ، هنا تحدث الغنوشى بصيغه تراجعية تضمن له التواجد فى المشهد السياسى حتى تنجلى الأزمة ، حيث أثنى على دور قوات الجيش والمؤسسات الأمنيه فى حفظ البلاد والمؤسسات ، ثم إنسحب بعيدا ، فى تلك اللحظه بدا فعليا أن بيان ” قيس سعيد ” قد نجح فعليا على الأرض بعدما أصبح مدعوما بالدستور ، وتأييد المؤسسات الأمنيه والجيش وجماهير شعبية وأحزاب سياسية ، لكن الأمور لم تسر على نفس منوال بيان نوفمبر 1987 وتعالت أصوات حزب النهضه ( الإخوان المسلمون ) التى وصفت ما حدث بأنه إنقلاب صريحا موجه ضدها وحدها ، مؤيدة بأبواق إعلامية فى قطر وتركيا ، خوفا من تراجع مكاسبها التى إكتسبتها فى أعقاب ثورة الياسمين المجيدة ، ولكنها فوجئت بتناغم سياسى وحزبى تونسى يتفق معها فقط فى أنه لا عودة عن مكتسبات ثورة الياسمين ، ولكنهم إتفقوا على تحميل حركة النهضة ما آلت إليه الأوضاع الإقتصادية وإنتشار الفقر والبطالة وتفشى فيروس كورونا ، وهو ما وضع حركة لنهضة فى وضع لا تحسب عليه ، وتظهر بين الحين والآخر دعوات وتصريحات للخروج والتصادم مع الدوله وهو فى ظنى تصور خاطئ سيجعل من الدماء وأقبية السجون لغه مستساغه فى المستقبل ، وأن حزب النهضه يجب عليه أن يدرس حادثة ” القفصه ” فى الثمانينيات والتى سالت فيها الدماء والإعدامات السياسيه لأن تونس له طبيعه حساسة فى التعاطى مع إمتدادات الأفكار (كالإخوان) فى الخارج ، وأن مسألة الإستقواء بالخارج أمر محسوم لصاح الرئاسة وحلفاءها
…………………………………………………………
المشهد التونسى مرتبك وعلى الرغم من تشابة الحوادث بين بيان نوفمبر 1987 ، وبيان 25 يوليو 2021 ، إلا أن نهر الحياة السياسية فى تونس محمل برواسب كثيرة بعضها يطفوعلى السطح وبعضها قابع فى قاع النهر ينتظر إنطلاق الرصاص ليعلن عن نفسه ، وأنه لن يتم إقصاء فصيل سياسى بعينه بصفه جذريه فى المدى المنظور ، ولكن حتما بات من المؤكد أن النظام البرلمانى قد أثبت أنه بعيد عن التطبيق الصحيح فى تونس وأن النظام الرئاسى هو الحل للخروج من تلك الأزمة ، مع إعادة صياغة علاقة جديدة بين مكونات المجتمع السايسى التونسى لصالح شعب خرج فى ثورة عظيمة ألهمت العالم كله ، وأصبحت عنوانا عريضا لا تخطأة العين لثورات الربيع العربى
……………………………………..
تحيا تونس
2021-08-01