يستمر الصراع في الشرق الأوسط بإسكات الفلسطينيين!
غادة الكرمي *ترجمة: غانية ملحيس.
عبر التاريخ ، تمت رواية قصتنا من قبل آخرين ، تعاملوا مع حقوقنا على أنها أقل ولا تستحق الاعتراف بها .

إسكات القصة الفلسطينية ليس بالشيء الجديد. في الخمسينيات من القرن الماضي في بريطانيا، وبعد سنوات قليلة من قيام إسرائيل، لم يعد يستخدم حتى اسم فلسطين.

عندما كنت طفلة ويسألوني من أين أتيت، كان الناس يعتقدون أنني قلت باكستان. أتذكر كم كان محبطا أن لا أحدا يريد سماع قصتنا، كما لو أننا اخترعناها.

قيل لي مرارا وتكرارا : “إنها أرض اليهود”. “العرب هم فقط الذين وضعوا اليد عليها”. أدى انتصار إسرائيل المذهل في حرب عام 1967 إلى تفاقم هذه المواقف، وأصبحت الرواية الصهيونية لحق إسرائيل الأخلاقي في الوجود في “أرض أجداد” الشعب اليهودي هي السائدة. جعلنا ذلك نفهم باستمرار أننا نعتبر بشرا من الدرجة الثانية مع عدم وجود حق شرعي في “بلد شخص آخر” وكان ذلك أمرا محبطا ومخيفا.

لقد استغرق الأمر مني سنوات لفهم هذه التشوهات في التاريخ باعتبارها تعبيرات عن عنصرية عميقة وغير معلن عنها ضد الفلسطينيين. فرضيتها الأساسية هي أنه فيما يتعلق بفلسطين، فإن حقوق الفلسطينيين تكون دائماً أدنى من حقوق الشعب اليهودي. لقد سبقت وجهات النظر العنصرية هذه قيام دولة إسرائيل بفترة طويلة. وكانت تقوم على إنكار الوجود الفلسطيني في الدولة. بمجرد أن اختار الصهاينة فلسطين لتكون دولة يهودية، في نهاية القرن التاسع عشر، جرت محاولات منظمة لإخراج سكانها العرب من التاريخ.

قبل ذلك بعشرين عاما، كان الإنجليز يروجون لأسطورة فلسطين الفارغة. في عام 1875 رأى اللورد شافتسبري – وهو صهيوني مسيحي ملتزم ومتنفذ – أن سوريا الكبرى التي شكلت فلسطين جزءا منها “دولة بلا أمة”. هذا الوصف وضع المشهد للرواية الصهيونية المبكرة لفلسطين على أنها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” ، وطن ينتظر “افتداؤه” من قبل اليهود في الشتات.

تصور الخرائط الصهيونية في ذلك الوقت الشيء نفسه ، واكتسبت فكرة الأرض الفارغة رواجا واسعا. كان الهدف آنذاك -كما هو الحال الآن – إخفاء السكان الأصليين الفلسطينيين من المشهد، وحرمانهم من حقوقهم في الأرض .

لم تكن هذه الرواية الخبيثة إلى حد كبير مسألة ديموغرافية ، لأن أي زائر لفلسطين يمكن أن يدحضها بسهولة . ولكنها كانت مسألة سياسية .

عندما قامت بريطانيا بغزو فلسطين، لم يكن ينظر للسكان الأصليين على أنهم غائبون، ولكن لم يكن يحسب لهم حساب. وقد صيغ وعد بلفور لعام 1917 – الذي اعترف بادعاء الصهيونية بإنشاء “وطن قومي لليهود” في فلسطين – في ضوء هذا الافتراض.

كما قال آرثر بلفور في عام 1919: “في فلسطين لا نقترح حتى الخوض في شكل التشاور مع رغبات السكان الحاليين للبلاد ” ، لأن الصهيونية كان لها ادعاء “ذو أهمية أعمق بكثير من رغبات وتحيزات 700.000 عربي يسكنون الآن تلك الأرض القديمة “.

كان هذا الازدراء الاستعماري “للسكان الأصليين” شائعا في ذلك الوقت . غير انه بدأ بالانحسار مع حصول المستعمرات على الحرية والاستقلال.

لكن ليس في حالة فلسطين ، فقد أصبح تجاهل الصوت والحضور الفلسطيني -كما فعل بلفور – هو القاعدة . أعرف حقيقة ذلك في كفاحي المستمر طوال حياتي لإثبات صحة تاريخي، ولمقاومة العنصرية ونزع الشرعية عن الضحية وشرح المعاناة الفلسطينية. أصبحت مثل هذه القضايا مادة في العديد من المذكرات الفلسطينية الحديثة التي كتبت للجمهور الغربي .

بدأت الأمور تتحسن في الثمانينيات والتسعينيات، عندما اكتسب الفلسطينيون حضورا إعلاميا، وظهرت كتاباتهم بشكل متزايد في المطبوعات .

اليوم ، الوضع مختلف إلى حد كبير. كان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 وانتفاضتا 1987 و 2000 من الأحداث التي أعادت فلسطين إلى الساحة الدولية. منحت اتفاقية أوسلو عام 1993 -رغم عيوبها العديدة – قضية فلسطين وزنا دبلوماسيا. ظهرتحركات التضامن في العديد من الدول الغربية، ولفتت حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات المشددة (BDS) الانتباه لىىسوء معاملة إسرائيل للفلسطينيين، ومع ذلك لم تختف العنصرية. الخلاف الأخير في حزب العمل حول معاداة السامية، والرحيل المهين لزعيمه السابق جيريمي كوربين يجب أن ينظر إليه في ضوء ذلك . إن تدميره السياسي – والذي كان في رأيي – حملة خبيثة تهدف إلى إسقاطه، قد أجبرنا مرة أخرى على العودة إلى المعاناة المدمرة . كما أنها حجبت العنصرية التي تمارس ضد الفلسطينيين لأكثر من قرن .

بدون هذه العنصرية ، ما كانت إسرائيل لتوجد أو تزدهر. وهي التي ما تزال تجعل من الممكن دعم الغرب بلا خجل لما هو دولة فصل عنصري، ولا تحترم القانون الدولي، وهذا الدعم يحميها من العقاب على جرائمها .

ماذا غير العنصرية ضد الفلسطينيين يفسر تقاعس الغرب في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الفلسطينيون يوميا تحت الحكم الإسرائيلي: الحصار المميت لقطاع غزة، الذي تعرض للقصف الوحشي – مرة أخرى – أمام أعين العالم ، السرقة الصارخة للأراضي المحتلة منذ عام 1967 ، التي اسفرت عن سرقة 60٪ من أراضي الضفة الغربية المحتلة لمستوطنيها البالغ عددهم 600 ألف مستوطن؛ اعتداءات الجيش التي لا هوادة فيها على الفلسطينيين وأطفالهم واعتقالهم في جميع أنحاء الأراضي المحتلة.

العنصرية سمة موثقة بشكل جيد لسلوك إسرائيل تجاه مواطنيها العرب. إنها تتغلغل في المجتمع الإسرائيلي على جميع المستويات: السكان، الحياة الاجتماعية، التعليم، حقوق الهجرة/ العودة/ ، والنظام القانوني الخ …. .

التمييز واسع الانتشار ضد العرب، وحتى ضد المزراحيين (اليهود من أصل شرق أوسطي)، وهذا ما دفع الرئيس الإسرائيلي ، رؤوفين ريفلين في عام 2014 للإعلان بأن : “المجتمع الإسرائيلي مريض. ومن واجبنا معالجة هذا المرض “.

في بريطانيا تتقلص المساحة التي فتحت لفترة وجيزة للرواية الفلسطينية. تجري محاولات جديدة لإسكات الصوت الفلسطيني عمدا، باستخدام تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية / الذي يشمل اي انتقاد للصهيونية واسرائيل/ . تبنت حكومة المملكة المتحدة و 28 دولة أخرى تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) ، وقد تقوم الولايات المتحدة بدمجه في القانون الفيدرالي .

كما تم تبنيه -بالقوة – في الجامعات البريطانية،على الرغم من أن دراسة استقصائية أجريت في سبتمبر الماضي أشارت إلى أن 29 جامعة فقط من أصل 133 تبنته – وكان لذلك بالفعل تأثير مخيف على حرية التعبير حول القضية الفلسطينية .

لو نجح حل الصراع القائم على دولتين، وهو حل مرغوب جدا من قبل الحكومات الغربية ، لكان هذا هو أدق تعبير عن هذه العنصرية المستمرة. يتلخص الاقتراح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي التي تم احتلالها عام 1967 . ومن شأن ذلك -في أحسن الأحوال – ان يخصص لسكان فلسطين الأصليين 22٪ من مساحة وطنهم الأصلي ، وتترك نسبة ال 78٪ المتبقية لإسرائيل .

وبغض النظر عما إذا كان هذا الاقتراح ما يزال ممكنا اليوم، مع وجود أكثر من 200 مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية تحول دون تواصل الأراضي. من الواضح أن هذه الصيغة غير متكافئة . كان من المتوقع، فقط ، في نظرة بلفور العالمية، ان يقبل “السكان الأصليون” غير المهمين هذا التنازل عن حقوقهم .

إن قبول بعض الفلسطينيين بذلك لا يعتمد على عدالة الاقتراح، وإنما على البراغماتية / الواقعية/ : اختلال توازن القوى بين الجانبين يجعل من المرجح أن يحصل الفلسطينيون على دولة صغيرة . وهذا لن يؤدي لحل الصراع. الحل الدائم يجب ان يتأسس على العدالة، ويمكن أن يأتي فقط من خلال مفاوضات بين أنداد حقيقيين . ولا يمكن أن يحدث ذلك ما لم يتم الكشف عن العنصرية التي دمرت حياة الفلسطينيين وحمت إسرائيل ورعاتها من المحاسبة ، والعمل على معالجتها .”
*غادة حسن الكرمي طبيبة واكاديمية وكاتبة فلسطينية بارزة ومحاضرة في جامعة اكستر .
نشر في صحيفة الجارديان البريطانية الصادرة بتاريخ 10/6/2021
‎2021-‎06-‎13