الشرق متوسطية على مشارف اللاارضوية؟/7!

عبدالامير الركابي.
تنشا الظاهرة المجتمعيه شرق متوسطيا نهرية صحراوية تحولية، موزعة الى: نهرية ثنائية رافدينيه نتاجها ازدواجية مجتمعية، ونهرية أحادية نيليه تنتج أحادية دولة، وصحراء جزيرية محكومة لاقتصاد الغزووالاحترابيه القصوى الوجودية، وتلك هي على العموم أنماط المجتمعات على مستوى المعمورة، مع اختلاف بين البؤرة التحولية البدئية المحكومة لاليات الازدواج، واحاديات الدولة واللادولة اللاتحولية، المحكومة بعدم الاندراج في السياقات التحولية الى مابعد الطور الثاني الالي المجتمعي، يوم تنقلب وقتها الاليات الناظمة لوجود المجتمعات اللاتحولية والعالم، وتصير مشمولة بقانون التحول والياته المنتهية الى مابعد مجتمعية.
ولا تمتاز منطقة شرق المتوسط بالاسبقية من حيث الحضور كمجتمعية مكتمله لاحقة على طور الصيد واللقاط وحسب، بل تظهر بصفتها بؤرة تفاعلية، ومصدر وقوة فعل معاكس في المجتمعيات التي وراء البحر على ضفة المتوسط المقابلة، كما الى الشرق وصولا الى الصين والهند، تتلقى وطاة انصبابها وحضورهاالامبراطوري العبودي الأحادي الصلد التكوين واللاتحولي من الجهتين لترد عليه بعد حين تحوليا وازدواجيا يفضي الى اختراق البنى اللاتحولية ويحورها عقيديا، مايسهم في خلخلة بناها الأحادية البعيدة عن التحولية.
والاساس المحور الفاعل في الازدواج والتحولية، متات بالاصل من الطبيعة الازدواجية ونوعها اللاارضوي الذي ينشا ابتداء في ارض الرافدين في سومر، موكولا وخاضعا لاشتراطات بيئية ومكانيه تحل قانون “العيش على حافة الفناء”، او مقاربتها كمعاش ثابت متكرر ينتج بنية امبراطورية هشة، نتاج ازدواج مجتمعي، بالمقارنه بالبنى الصلدة الشرقية والغربية الإمبراطورية العبودية، أحادية النمط المجتمعي، لدرجة انطوائة على احتمالية الفناء الفعلي، مع خضوعه بشكل عام لقانون الدورات والانقطاعات، ماقد استوجب كينونة وبنية، الارتكاز الى ظهير وخلفية احترابية قصوى صحراوية، وجودها لزوم كيانيه، ابعد من نطاق ونوع الكيانات المحلية على الطريقة الأحادية والغربية الحديثة، بمحليتها منزوعة الضرورات التحولية ومقتضيات التفاعليه المقترنة بها.
والتفاعليه الكبرى تعرف لحظتين كبريين، الاولى تبدا عند نهاية الدورة التاريخيه التصيرية الأولى ورمزيتها مع سقوط بابل في 539 قبل الميلاد وصولا الى الفتح الجزيري في القرن السابع، تتم خلالهما نهضتان وقراءتان لاارضويتان، أولى مسيحيه، وثانيه بعدها بقرابة سبعة قرون، جزيرية تحريريه عقيديه، تخترق الابراهيمه التعبير السماوي اللاارضوي بموجبها بنى الاحاديات اللاتحوليه الغربية والشرقيه، وتفرض عليهما الانكفاء بعد استبدال تعبيرهما عن ذواتهما بالمنظور والرؤية اللاارضوية، بينما تغدو هذه عقيدة شاملة لغالبية المعمورة، تفعل فعلها في البنى اللاتحولية، وتحدث فيها تغيرات ترقى لمستوى البنيوية، تنعكس على نوع تجليها وحضورها، وصولا لتعبيرها عن نفسها.
وتختلف اللحظة الثانيه نوعيا عن تلك الأولى، بالذات من جهة اوربا الانشطارية الطبقية التي تعرف انبثاق الاله، مسجله على مستوى العالم تحولا جوهريا انتقاليا على مستوى الإنتاج والمجتمعية وبنيتها، وحين يبدا نهوض الغرب وصعوده الحالي، تكون منطقة التحولية رازحة تحت طائلة الانقطاع التاريخي الثاني منذ رمزيته الانهيارية الاخرى ممثلة بسقوط بغداد اللاحق الذي يذكر اليوم في 1258 بالسقوط البابلي قبل الميلاد، مايسهل الانصباب الغربي الثاني، ويجعله ممكنا، بالاخص مع مايمتاز به من خاصيات مرافقه نوعيه كاسحه غالبه على مستوى المعمورة.
ليست ردة فعل المجال التحولي الشرق متوسطي الحاليه المتوقعة من نفس جنس الأولى او من نوعها، بالاخص بناء للحال، او نوع اللحظة الشامله للعالم وبنى مجتمعاته بعد الانقلابية الاليه، في الوقت نفسه، لايجب توقع او بالأحرى ماكان متوقعا صدور ردة فعل على الانصباب الغربي الحديث نموذجا وتفكرا، ابان او في اللحظة التي يكون الغرب اثناءها في بداية صعوده او انعكاسه وحضوره المباشر، فالغرب والشرق على جهتي البؤرة الشرق متوسطية يحضران عادة بصفتهما شمولية من نوع مختلف، ونوع تجليات مجتمعية اخرى تقف خلفها عوامل ومحركات تاتي لتطبق او لتغدو من قبيل المحاولة الالحاقية الناقصة والعاجزة، فالامبراطورية الفارسية احتلت أجزاء من المنطقة لعشرة قرون، من دون ان يتحول شخص واحد الى الزرادشتيه، بينما عادت هي لتتحول الى الإسلام الابراهيمي وتصير كذلك من حيث التعبير عن الذات الى اليوم، وروما تحولت الى المسيحية، ولم تتمكن مع مايقف خلفها ومن تكوينها المعرفي الفلسفي، وتجارب “ديمقراطية ابتدائية تاسيسية” من تحويل المنطقة التي احتلتها لقرون، او جعلها تغادر تكوينها وماجبلت عليه.
ولايحدث هذا او تنتهي الأمور اليه، من دون اصطراعية نوعيه توثر في، وتؤدي الى ايقاظ وتحفيز الكينونه الشرق متوسطية، وهو ماقد طرا على التعبيرية الابراهيمه فنقلها الى القراءات الأخيرة العيسوية والمحمدية العملية، بعد سلسلة النبوات التنظيرية العبرانيه، المستمرة من إبراهيم الى عيسى، الذي هو بداية نمط نبوي اخر، هو والنبي الاخيرمحمد، وهو مالم يات من قبيل الصدفة، والشيء ذاته ينبغي توقعه او عدم تركة يغيب عن التصور اليوم ونحن نرى المنطقة واقعة تحت وطاة الاستبدال والاستعارة المتماهية مع النموذج الغربي، بالاخص في مصر وساحل الشام، ومعهما العراق شكلا، وعلى مستوى الاعقال المزيف، مع ان المنطقة وقتها ومنذ القرن التاسع عشر الى اليوم، بقيت محكومة اليا ومن حيث المحركات الى التكوين الأصلي التاريخي النيلي الأحادي، والرافيديني الازدواجي، واحادي اللادولة الجزيري، ماقد اوجد حالة فاضحه من التفارق المفهومي قياسا للواقعي، او المعاش.
بالمقابل وفي الوقت نفسه، لم تبق المنطقة الشرق المتوسطية، ولا استمرت في العمق تجتر الاليات الموروثة نفسها، مثلما انها لم تنتقل كما كان يروج الاتباعيون النقليون الاستعاريون الى الالة، ولا غدت هذه حاضرة وناظمة أساسية لعمليه الإنتاج وانعكاسها على المجتمعية، ومع هذا فان المنطقة انتقلت بنيويا انتقالة نوعية، غدت اليوم متزايدة الغلبه، حضورها وفعلها يتعاظم من دون ان يفتقر انقلابها الحالي الحاسم لخصوصية مثيره لاقصى درجات الانتباه غير الوارد في العقل الاتباعي الانحطاطي المتناسل اطوارا، فالشرق متوسطية تنتقل ريعيا نفطيا، كما لم يعرف أي موضع منتج للنفط في العالم، وديمغرافيا كما هو غير معروف من حيث الدلاله والاثر على بنيه مجتمعية نوعية.
هكذا يكون الغرب وظاهرته قد عمل بصورة اقرب لان تكون غير مباشرة،على تغيير أسباب الانقلاب البنيوي الشرق متوسطي، ليس بانصياع الأخير لبنوده والياته كعامل منفرد، بقدر مابحضور وفعالية التكوين الشرق متوسطي الأساس، وماينطوي عليه من إمكانية انبثاق تصوري بنيوي ضروري، ماسيحتم تحورالمؤثرات الغربية الحديثة فيه وعنده، بما هي انتقالة نهائية صادرة عن مجتمع الأحادية الأعلى، الارفع ديناميات، ومفضية الى حلول التحولية الازدواجية وزمنها المؤجل الباقي مطويا ورازحا تحت وطاة الأحادية.
ومن الابراهيمه الحدسية وقراءتيها الكونيتين العمليتين، العيسوية والمحمدية اخر اشكال وممكنات تجلي الحدسية النبويةعمليا، الى الابراهيمه العليّة الاعقالية السببية مابعد النبوية، الانبعاث الأخير النهائي للمنظور اللاارضوي الاخذ بالتبلور من هنا فصاعدا، ضمن اشتراطات استثنائية والحاحية، تترافق مع تزايد أسباب الانغلاق الوجودي الحياتي البشري، وتراكم أسباب انتهاء صلاحية الكوكب الأرضي كموضع للسكن، انتهت أسباب واشتراطات وضرورة لعبه الدور المنوط به، والمطلوب منه ضمن عملية الانتقال العظمى من الكائن البشري الارضوي، الى العقل المستقل واللاارضوية.
تتهيأ منطقة شرق المتوسطية من هنا فصاعدا للعودة لاتخاذ مكانها الأخير المتقدم والانقلابي الأعظم على مستوى المعمورة الذي كانت بداته وانتكس مع أولى التمخضات المجتمعية بعدما اكتملت بنيويا، بالذات في ارض سومرجنوب ارض مابين النهرين، وفي حين تتفاقم تازما حالة وبنى تكوينات المنطقة الشرق متوسطية الثلاث الرئيسية، يحل من هنا فصاعدا زمن “قرآن العراق” منهج وبيان الابراهيميه الثانيه العليّة السببية، اللاحقة والمكملة للابراهيميه الحدسية النبوية، شكل ومنهجية الرد اللاارضوي التحولي الكوني الأول على حضور الاحاديات الإمبراطورية اللاتحولية كينونة.
ومرة أخرى ومع انقضاء ضرورة ومفعول التجسيد الأول النبوي الكبير، الاضطراري المؤقت تحت هيمنة الأحادية، للمكن من منظور ومفهوم العلاقة البشرية الارضوية بالاكوان العليا، ومرحليه ومؤقتيه السكن الأرضي، مع الإصرار على خضوع الوجود الأرضي للقوانين الكونيه العليا، وتطابقها وجودا واليات مع اشتراطات الانتقالية النهائية خارج الكوكب الأرضي، وهو ماقد تمت صياغته بعبقرية فوق ارضوية، هي التعبيرية اللاارضوية الأولى المتطابقة مع نمط وشكل المجتمعية التي وجدت أصلا بحكم قوانين واستهدافات “الغائية الكونية العليا”، لا ارضوية كينونة وبنية، عادت وتجددت اليوم حاضرة تحت وطاة ومفعول قانون “العيش على حافة الفناء، المستعاد المعمم على ارض العراق ككل، والفاعل بلا توقف منذ عام 1980 مع الحرب العراقية الايرانيه، الى اليوم، متواليه افناء بلا نهاية ولاافق، بخيم عليها “فك الازدواج”، والامل بانتصار اللاارضوية، لا في العراق لوحده، بل في الشرق متوسطية، قبل العالم برمته، وهو ماقد صار منذ اليوم حقيقة الوجود الغالبة، الاخذة بالكرة الأرضية الى ماهو مقدر لها ومكتوب عليها منذ وجدت.
‎2021-‎06-‎10