منذ اندلاع الهبة الفلسطينية الأخيرة… أسئلة ملحة!
فيليس بتيس*

ترجمة وتقديم غانية ملحيس.
هل يمكن أن يرقى النظام السياسي الفلسطيني إلى مستوى التحديات، فيلتقط الفرصة التاريخية التي أتاحتها الهبة والمواجهة الأخيرة، ويوحد خطابه للعالم عبر مشروع تحرري إنساني نقيض للمشروع الاستعماري الصهيوني العنصري، فيسرع بذلك عملية التغيير في السياسة الخارجية الامريكية والغربية عموما، اتجاه إسرائيل، والتي تتوفر الشروط الضرورية لرفع الحصانة ووقف استثناء إسرائيل من نفاذ الاتفاقات والقرارات والقوانين الدولية والانسانية؟ أم أنه سيفوتها عبر مواصلة التنافس البيني على القيادة، بتوظيف تداعيات الهبة الداخلية والخارجية لظن قيادة حماس بتوفر فرصة مواتية للسيطرة على القرار الفلسطيني، ولعجز سلطة رام الله عن إدراك التغيرات الجوهرية في البيئة الداخلية والخارجية ومواصلتها نهج المراهنة على دعم امريكا والرباعية الدولية، والسعي لإنقاذ “حل الدولتين” الذي يعاني موتا سريريا، ولم يعد له وجود إلا في غرفة الإنعاش التي تشرف عليها الديبلوماسية الامريكية والغربية الساعية لمحاصرة تداعيات الهبة الفلسطينية؟

هل نأمل بعدم تكرار النظام السياسي الفلسطيني ، ذات التجربة الفاشلة في مطلع التسعينيات . عندما دفعته شكوكه اتجاه مزاحمة قيادة الداخل الفلسطيني ، فسعى لحل مأزقه بتوفير خشبة الخلاص لعدوه الوجودي . الذي كان ، أيضا، يواجه مأزقا بفعل تداعيات انتفاضة الحجارة والتضامن العربي والدولي الواسع مع الشعب الفلسطيني . فانخرط في تسوية سياسية ليقينه بقدرته على تفجيرها وتوظيفها لخدمة أهدافه التوسعية . فأسفر عن اتفاق أوسلو حول مبادىء حكم ذاتي انتقالي محدود. مكن القيادة الاسرائيلية – التي تمتلك رؤية وخطة بعكس القيادة الفلسطينية- من استغلاله ، ما اسهم بتبديد التضامن الدولي مع الحقوق الفلسطينية وتحويله الى دعم دولي لعملية التسوية السياسية الاسرائيلية، فنجحت، بذلك، بالمضي قدما وتسريع تنفيذ استراتيجيتها لمد سيطرتها على كامل فلسطين الانتدابية؟

هل يدرك أقطاب النظام السياسي الفلسطيني مخاطر السعي لتوظيف تداعيات الهبة لتصفية حساباتهم الداخلية، وتوفير خشبة الخلاص للنظام الاسرائيلي المأزوم وتبديد الفرص المتاحة لإحداث تغيير نوعي في سياسات القوى الدوليةالمتنفذة أقل إجحافا بالحقوق الفلسطينية؟

أردت بإثارة الأسئلة أعلاه التقديم لترجمة، غير رسمية، وجدتها ضرورية لمقالة مهمة للصحفية والناشطة السياسية الامريكية والمدافعة عن حقوق الانسان الفلسطيني “فيليس بتيس ” اذ تؤكد على أن العنصرية الاسرائيلية اتجاه الشعب الفلسطيني لن تتغير بالتغيير الحكومي وإسقاط نتانياهو ان تمكن الائتلاف الجديد من الإمساك بالسلطة. وترجح عدم استقرارالائتلاف الهش في السلطة لأن ما يوحده فقط هو هدف إسقاط نتانياهو . وتشير الى ان رئيس الوزراء المحتمل نفتالي بنيت، أكثر تطرفا من نتانياهو وأشد عداء وعنصرية ضد الفلسطينيين ومعارضا شرسا لحل الدولتين.

وتلفت النظر الى أن نجاح الائتلاف اليميني الاسرائيلي وتولي بنيت رئاسة الوزراء قد يوفر فرصة لبعض التغيير في السياسة الخارجية الامريكيه ، اتجاه الدعم غير المشروط لاسرائيل خصوصا في ظل تنامي الضغط الداخلي في الحزب الديموقراطي ضد الفصل العنصري الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان. قد يكون احتضان رئيس وزراء جديد أقل شهرة في واشنطن كافيا للبدء بالتغيير .

وقد سبق لتوماس فريدمان الإشارة في مداخلة مع الاعلامي فريد زكريا على قناة CNN الأسبوع الماضي بالقول ” ان المرحلة أصبحت فيها مخاطر تحول إسرائيل الى دولة فصل عنصري واضحة جدا، وربما نشاهد في جو بايدن آخر رئيس ديموقراطي مؤيد لإسرائيل . ” وتابع ” اهم شيء للديبلوماسية الامريكية والسياسة الاسرائيلية الحفاظ على أمر واحد على قيد الحياة وهو في العناية الفائقة – حل الدولتين ” رغم اعتقاده بأننا في واقع دولة واحدة اقرب ل / دولة فصل عنصري/ “.

“حياة الفلسطينيين لا تزال غير مهمة في ظل الحكومة الإسرائيلية القادمة / فيليس بنيس

في البرلمان الإسرائيلي ، الكنيست ، يزعم “ائتلاف التغيير” الواسع والهش ، أنه مستعد للإطاحة أخيرًا برئيس الوزراءبنيامين نتنياهو – زعيم حزب الليكود اليميني الذي شغل المنصب منذ 12 عامًا.

إذا حظي بالموافقة ، فسيتم تعيين نفتالي بينيت من الائتلاف الجديد كرئيس للوزراء. وهو حليف سابق لنتنياهو ، يدعم التوسع الاستيطاني وضم جزء كبير من الضفة الغربية . وهو يميني أكثر كثيرا من نتنياهو نفسه.

من الناحية النظرية ، إذا بقيت السلطة لمدة عامين ، فإن يائير لبيد الأكثر وسطية سيتولى منصب رئيس الوزراء. لكن هذا “إذا”حدث هو كبير – والتحالف الجديد قد لا ينجو حتى في التصويت الأولي على الثقة الأسبوع المقبل.

والأهم من ذلك ، بغض النظر عمن سيكون رئيس الوزراء المقبل ، فإن السياسة الإسرائيلية – خاصة فيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين – قد تحولت في السنوات العديدة الماضية بشكل كبير إلى اليمين، ويظل الجناح اليميني المتطرف لهذا”التحالف” الجديد هو الأقوى.

فيما يلي أربعة أشياء يجب معرفتها عن الحكومة التي يمكن أن تحل محل نتنياهو:

1- قد يتولى الائتلاف الإسرائيلي الناشئ المناهض لنتنياهو السلطة وقد لا يتمكن فعليا من الاستحواذ عليها .

2- أظهر نتنياهو قدرة هائلة وجاهزية لاستخدام أية وسيلة ممكنة للبقاء في السلطة – على الأقل لتجنب دخول السجن بتهمفساد متعددة – وأمامه أسبوع كامل للقيام بذلك. ومن المتوقع أن يستخدم الرشاوى والتهديدات والعقوبات لإغراء عضو واحد على الأقل من ائتلاف الأغلبية البسيطة المكونة من61 صوتاً – وسيكون ذلك كافياً لإفشال الصفقة.

وقد توقع كثيرون بأن حرب الشهر الماضي على غزة ستزيد الدعم الشعبي لنتنياهو ، لكن يبدو أن ذلك لم يحدث – أو على الأقل ليس كافياً – لكنه لم يتخل أبدا عن استخدام الحرب كوسيلة للحصول على الدعم، لذا يمكن ترقب استفزازا تمحتملة ضد الأهداف المعتادة لسياسة نتنياهو الخارجية ، بما في ذلك غزة أو إيران أو ربما لبنان .

3- إذا هُزم نتنياهو وتولى “ائتلاف التغيير” زمام الأمور ، فإن أقوى شخصية فيه سيكون نفتالي بينيت اليميني المتطرف. كان بينيت من أشد المؤيدين لنتنياهو منذ فترة طويلة. ولا يزال داعما قويا للتوسع الاستيطاني اليهودي غير القانوني وضم مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. وهو في هذا الصدد على يمين نتنياهو بشكل واضح .

تتراوح أحزاب “ائتلاف التغيير” من حزب “اليمين الجديد” المتطرف بزعامة بينيت إلى تشكيل يش عتيد الوسطي بزعامة يائيرلابيد – وحتى انه يشمل حزب ميرتس اليساري الصهيوني وحزب “راعم” الفلسطيني. وعليه فإن الهدف الذي يوحد الائتلاف يقتصر على الإطاحة بنتنياهو. فاتساعه وتنوعه السياسي يجعله هشا وغير مستقر، ولن يكون قادرا على انجاز اي عمل سياسي جاد يتجاوز تمرير الميزانية وهذا يعني شلل سياسي طيلة بقائه في السلطة.

تتفق الغالبية في كلا الكتلتين في الكنيست – نتنياهو و “ائتلاف التغيير” – إلى حد كبير على الحفاظ على الوضع الراهن للاحتلال والفصل العنصري الإسرائيلي، فضلاً عن نزعتهما العسكرية المناهضة لإيران .
على الرغم من الوجود (القصير الأجل على الأرجح) لأحزاب الوسط واليسار والحزب الفلسطيني ، فإن القوة السياسية للائتلاف الجديد لا تزال ثابتة في طيف يمين الوسط إلى اليمين المتطرف ، الذي يعكس السياسة الإسرائيلية بشكل عام . وعليه ، يكاد يكون من المؤكد أنه لن يكون هناك استئناف للدعوات من أجل “حل الدولتين” (شيء أصبح مستحيلًا منذ فترةطويلة على أي حال بسبب تكثيف إسرائيل لمصادرة الأراضي الفلسطينية) لأن بينيت يعارض هذا الحل بشدة أكثر من نتنياهو.

4- حتى لو فاز “تحالف التغيير” واستطاع الإمساك بالسلطة ، فلن يحقق تحسنا ملموساً في حياة الفلسطينيين أوحقوقهم .

طالما استمرت الولايات المتحدة الامريكية في تزويد إسرائيل بدعم وحماية اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية وسياسية غيرمحدودة تقريبا – بغض النظر عن انتهاكات تل أبيب للقانون الدولي، وعدم المساواة ، والتمييز المنهجي ضد الفلسطينيين – فإن إسرائيل ليس لديها أي سبب للتغيير .

لسنوات ، ادعى نتنياهو أنه وحده قادر على الحصول على الدعم الأمريكي المستمر والمساعدة العسكرية .

إذا فاز الائتلاف المناهض لنتنياهو ، فقد ينظر إليه في البيت الأبيض والبعض في الكونغرس كفرصة خصوصا ان رئيس الوزراء الجديد أكثر تطرفا في الواقع من سلفه في معاداته للفلسطينيين ، ويعتبروه نعمة لأن نتانياهو كان عبئا أمام. التغيير.

وقد يظهر هؤلاء السياسيون ، ومعظمهم من الديمقراطيين، وكأنهم حريصون على الاستجابة الجدية للمعارضة العامة المتزايدة لدعم واشنطن للفصل العنصري الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان. قد يكون احتضان رئيس وزراء جديد أقل شهرة في واشنطن كافيا للبدء بالتغيير .
*فيليس بينيس صحفية وناشطة سياسية امريكية في قضايا الشرق الأوسط وناقدة للسياسات الإسرائيلية ومن كبارالمدافعين عن حقوق الانسان الفلسطيني
‎2021-‎06-1‎0