الاخوان المسلمون : تناقض بين النظرية والتطبيق!
الدكتور عزمي منصور.
حينما نتحدث عن الاسلام السياسي فاننا نقصد الجماعات والاحزاب والحركات والتنظيمات التي تعمل بالشان السياسي والوصول الى السلطه من خلال الفكر الاسلامي و تفسيراته. واجتهاداته لدى كل جماعه.
وهنا سنتناول الجماعات والحركات والاحزاب التي تتبنى المذهب السني ولكنها تتفق وتختلف في تفسيراتها واجتهاداتها ، وبالتالي سلوكها، و سنركز بحثنا عن جماعه الاخوان المسلمين التي تعتبر اقدم هذه الجماعات والتي انبثق من رحمها العديد من الحركات والتنظيمات ،وكذلك على الحركه الوهابيه التي شكلت ايضا حاضنة ومرجعية للعديد من الحركات والتنظيمات.
ففي اطار المذهب السني تجسدت حركات الاسلام السياسي بالحركه الوهابيه التي لها تفسيراتها المتزمتة والمتعصبة،والاخذ عن ابن تيمية وفق اجتهادات محمد عبدالوهاب ،وكذلك جماعة الاخوان المسلمين التي تعود بمرجعيتها الى ابن تيمية واجتهادات حسن البنا وسيد قطب وابو الاعلى المودودي،التي تتفق وتختلف مع الوهابية ،وتتقاطع معها في العديد من الامور ،
وهناك حزب التحرير الاسلامي الذي له اجتهاداته ايضا ،ويؤثر النقل على العقل ،ويتفق ويختلف مع الوهابيه وجماعه الاخوان المسلمين في العديد من الامور والتوجهات السياسيه او طرائق العمل.
وهناك تنظيمات حديثه النشأه لكنها انطلقت من رحم الوهابيه،او من رحم الاخوان المسلمين ،كتنظيم “القاعدة”الذي مزج بين نهج الاخوان المسلمين والوهابيه والتكفير والهجره ،وايضا تنظيم الدوله الاسلاميه في العراق والذي اصبح تنظيم الدوله الاسلاميه في الشام والعراق “داعش.” الذي ينطلق من الفكر الوهابي بصورته الاكثر عنفا ودموية ووحشية،وهناك “جبهه النصره “او احرار الشام ،ذات المنطلق الفكري
القريب من جماعه الاخوان المسلمين ،بصوره اكثر تطرفا وعنفا ودمويه ،وهناك العديد من الجماعات التي ظهرت في سوريا التي تمزج بين توجهات جماعه الاخوان و
توجهات حزب العداله والتنميه التركي او امتدادا لهم.
ان الملاحظ في كل هذه الجماعات والحركات والاحزاب والتنظيمات انها تعمل وفق الاجنده الغربيه والامريكيه تحت شعارات اسلامويه. وحينما نقول الاجندات الغربيه والامريكيه ،فاننا نعني صراع هذا الغرب مع قوى عالميه اخرى او اقليميه ،يريد تحطيمها او اخضاعها لتوجهاته السياسيه .وما يخص منطقتنا فان الاجندات الغربيه والامريكيه. من اولى اهدافها الحفاظ على امن الكيان الصهيوني الذي اوجدته ورعته ،بالاضافه الى نهب خيرات المنطقه وثرواتها.،واخضاعها لتظل تابعه وتدور في الفلك الغربي .و عليه فاننا نلاحظ تواطئا مع الكيان الصهيوني من قبل هذه الحركات والجماعات ،بالرغم من الشعارات المعاديه لهذا الكيان ،او باحسن الحالات خدمه غير مباشره لهذا الكيان الصهيوني من خلال التماهي مع الأجندات الغربيه.
وهنا لابد من استعراض مسيرة جماعه الاخوان المسلمين ومواقفهم اتجاه بعض الانظمه السياسيه العربيه وتوجهاتها بشكل عام .
ان جماعه الاخوان المسلمين هي حركه سياسيه تتدثر بلباس اسلامي ،وهي ككل الاحزاب والحركات السياسيه تسعى للوصول الى السلطه ،واعاده صياغه المجتمع وفق توجهاتها، ولكن كيفيه الوصول للسلطه كثيرا ما تعتمد على العامل الخارجي ،او توجيهات الخارج ،موظفه قواها المحليه في سبيل ذلك ،وحتى لو تمكنت من الوصول ديمقراطيا و عبر صناديق الاقتراع ،فان هذه الديمقراطيه هي مجرد وسيله للوصول الى السلطه ،وفي حال وصولها فانها ستنقلب على الديمقراطيه ،لانها لا تؤمن بالديمقراطيه بل تعتبرها كفرا والحادا ،وتاخذ من الديموقراطيه ما يناسبها من منظومه الحريات ،لتتمكن من الوصول ،ومن ثم الانقلاب عليها ، وهي حركه او جماعه تعتمد على العنف والارهاب ،رغم الدعايه بانهم “دعاة لا قضاه ” ،وكذلك تعتمد السريه والباطنيه في سلوكها ،ففي مصر كان لها “التنظيم الخاص “الذي مهمته اعمال الاغتيالات ،التي سرعان ما تنكر صلاتها بها او تنسبها لجماعه اسلاميه اخرى تكون منبثقه عنها ،و لكنها تعلن انه لا علاقه لها بها.
في مصر مثلا بايعت الملك فاروق واعتبرته خليفه للمسلمين ثم انقلبت عليه ،وايدت ثوره 23 يوليو تموز 1953 بقياده محمد نجيب ،ثم انقلبت على الثوره في عهد جمال عبد الناصر، و حاولت اغتياله ،كما اغتالت النقراشي باشا في عهد الملك فاروق ،وخلال صراع عبد الناصر مع الامبرياليه والرجعيه العربيه كانت تقف في صف الدول الرجعيه كالسعودية،وفي عهد السادات ،هادنت النظام ودعمته في صراعه مع الشيوعيين والناصرية،وانتقدته حين ابرم معاهده كامب ديفيد ،ولكن هذا الانتقاد لم يدم طويلا وكشفت زيفه حقبة” محمد مرسي” الرئيس الاخواني الذي استلم سدة الحكم في مصر حيث التزم بمعاهده كامب ديفيد في رساله موجهه الى “صديقه العزيز شمعون بيرس “،وحافظ على وجود سفاره العدو الصهيوني ،واخذته الحميه لاغلاق السفاره السوريه بل واعلان الجهاد ضد الدوله الوطنيه السوريه .
اما في الجزائر فقد لعبت “جبهه الانقاذ” دورا تخريبيا على مدار عشر سنوات ،حيث سميت “بالعشريه السوداء “،كان الهدف منها اخضاع الجزائر للسير بالفلك الامريكي ،وقد هدرت الالاف من الارواح في تلك الحرب اللعينه ،التي حظيت بدعم سعودي ايضا.
وفي سوريا مارست جماعه الاخوان المسلمين العنف والتحريض الطائفي والمذهبي في ثمانينيات القرن الماضي ،وقتلت على اساس طائفي مجموعه من خريجي مدرسه المدفعيه ،ذنبهم الوحيد انهم ينتمون للطائفه العلويه ،حيث تم فرزهم من بين خريجي مدرسه المدفعيه وقتلهم بدم بارد ،بالاضافه الى اعمال تخريب و تفجيرات في المدن السوريه ،و كانوا يتلقون دعما من جماعه الاخوان المسلمين في الاردن ،وكذلك لم يتورع زعيم الاخوان المسلمين في سوريا “البنيوني ” من التصريح لتلفزيون “اسرائيلي ” بضروره الصلح مع الكيان الصهيوني الغاصب ،كما لم يتورعوا من مباركه نظام اردوغان التركي لاحتلاله مناطق في الشمال السوري ،هذا عدا عن ممارستهم القتل والاغتيالات والتخريب والتدمير في سوريا ،وتحت يافطات تنظيمات مختلفه ،وتصويرهم للحرب على سوريا بانها حرب اهليه ،بل ودفعوا جماعه “حماس “التي احتضنتها سوريا حينما ضاقت عليهم الارض بما رحبت ،لطعن الدوله في ظهرها ،والخروج من سوريا الى حضن قطر وعلى مقربة من قاعدة العيديد الامريكيه ،
اما في العراق فبعد ان نالوا الرعايه من قبل صدام حسين ،الا انهم بعد احتلال العراق دخلوا العمليه السياسيه وفق دستور “بريمر”، وتماهوا مع الواقع المفروض ،ونظام المحاصصة الطائفي والا ثني ،بل وساهموا في الصراع المذهبي تحت شعار الدفاع” عن اهل السنه والجماعه “.
اما في السودان وفي ظل حكمهم هناك ومحاوله تطبيق الشريعه الاسلاميه على المجتمع المتعدد بالاكراه، حسب فتوى حسن الترابي ،فقد تم سلخ جنوب السودان عن الوطن الأم ،كما لم نسمع لهم صوتا في ادانة تطبيع النظام الجديد مع الكيان الصهيوني .
وفي ليبيا بعد سقوط حكم القذافي استلم الحكم حكومة الوفاق في جزء من البلاد وتماهت مع الاجندات الغربيه، وارسلوا الالاف الارهابيين الى سوريا ،وسلموا البلاد للخليفه العثماني .
وفي اليمن يقاتل “حزب الاصلاح” اليمني الاخواني لجانب المرتزقه والمحتلين ،ويحظى بدعم سعودي بالرغم من اعتبار السعوديه لجماعه الاخوان المسلمين منظمه ارهابيه ،ولكن البرغماتية الاخوانيه ليس لها حدود .
اما في الاردن فان جماعه الاخوان المسلمين بالرغم من ادعائهم بانهم ضد معاهدة “وادي عربه ” الا انهم حين التصويت على الاتفاقيه في البرلمان ،انسحبوا من الجلسه فلم يرفضوا ولم يوافقوا، بالرغم انه كان لهم اكثر من 35 مقعد في البرلمان ،وبالرغم من قدرتهم على تحريك الشارع في تلك الاونه للتظاهر ضد الاتفاقيه ،فقد اقتصرت المظاهرات على اعداد قليله تحت شعار انها احتجاجات رمزيه .
اما في تونس فان “حركه النهضه” و هي تنظيم اخواني ،فقد خطب زعيمها “راشد الغنوشي” لدى منظمه الايباك الصهيونيه ،والتي تعتبر اكبر” لوبي ” يهودي صهيوني امريكي داعم للكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين ،كما ان حركه النهضه تتهرب من تجريم التطبيع مع العدو في البرلمان التونسي ،هذا عدا عن موقفها العدائي اتجاه سوريا ،وارسال الارهابيين لها .
وفي المغرب عراب التطبيع في العالم العربي ،شارك الاخوان المسلمين في السلطه وباركوا تطبيع النظام مع العدو الصهيوني ،رغم انهم كانوا ينتقدون تطبيع الدول العربيه الاخرى .
اما في قطر وهي الحضن الدافئ لجماعه الاخوان المسلمين ،واداة النظام القطري في وجه السعوديه والامارات والبحرين ومصر، ابان الخلاف القطري مع هذه الدول ،فقد ناشد كبيرهم “القرضاوي “امريكا ،ان تقف وقفه من اجل الله ،لضرب سوريا واسقاط النظام، اي بمعنى اخر مناشدة الاجنبي الامبريالي لضرب دوله عربيه ،والاستعانه بحلف الناتو ،والتطبيل والتزمير لنظام اردوغان التركي الذي يحتل اراضي سوريه ،وسرق مصانع حلب ،واعتدى على المواطنين في الحسكه وشمال سوريا ،وجند ومول وادخل عشرات الالاف المرتزقه الى سوريا ليعيثوا فسادا وتدميرا وتخريبا ،ولم يتم انتقاد النظام القطري الذي اول من فتح ممثلية تجاريه للعدو الصهيوني في منطقه الخليج ،ويحتضن اكبر القواعد الامريكيه التي ساهمت في ضرب العراق وسوريا .
اما في فلسطين بعد احتلال جزء منها عام 1948، فقد وضع قطاع غزه تحت الاداره المصريه، وكان اخوان غزه يتبعون الاخوان المسلمين في مصر، وفي الضفه الغربيه بعد توحدها مع الضفه الشرقيه في اطار المملكه الاردنيه الهاشميه فان اخوان الضفه الغربيه و اخوان شرقي الاردن اصبحوا تنظيما واحدا ،وكان الركيزه الهامه للنظام الاردني ،بالاضافه الى العشائر، فرغم حل الاحزاب عام 1956 والانقلاب على حكومه سليمان النابلسي الذي رفض حلف بغداد ،واعلان الاحكام العرفية ،الا ان جماعة الاخوان
المسلمين لم تتعرض للحظر، وبقيت تمارس انشطتها في مختلف الفروع دون اي مضايقه ،بل كان الاردن ملجأ للهاربين من جماعه الاخوان المسلمين من بعض الدول العربيه كمصر او سوريا ،وحظوا برعايه النظام الاردني ،بل وشاركوا في السلطه اكثر من مره ،بعد احتلال الضفه الغربيه وقطاع غزه عام 1967 توحد اخوان الضفه الغربيه وقطاع غزه ورغم انطلاق المقاومه والعمل الفدائي ضد الاحتلال الصهيوني منذ ذلك العام بزخم ،الا ان جماعه الاخوان بقيت مستكينه، بل وتنظر بازدراء لفصاىل المقاومة
تاره بوصفها بالوطنيه اوالقومية “النتنه” وطورا بالعلمانيه، التي تعتبرها كفرا وانحرافا بعرفها ومفاهيمها، ولكن بعد 20 عاما من الإحتلال، شكلت حركه المقاومه الاسلاميه “حماس” عام 1987 وشاركت في الانتفاضه الاولى والثانيه ،واعتبرت منظمه التحرير الفلسطينيه قد فرطت بحقوق الشعب الفلسطيني ،سواء بعقدها اتفاقيات “اوسلو” او التغيرات التي ادخلتها على الميثاق الوطني ،ورغم هذه الادانة والانتقاد لسلطه الحكم الذاتي المحدود المسماه “السلطه الوطنيه “،فانها اثرت الدخول لانتخابات المجلس التشريعي المنبثق عن هذه السلطه وفي ظل الاحتلال ،وقد فازت بغالبيه المقاعد عام 2006 ،وتم تشكيل حكومه وحده وطنيه ،برئاسه اسماعيل هنيه بموجب اتفاق مكه، كما انها ايدت ما يسمى حل الدولتين ،حسب وثيقه خالد مشعل ،اي وافقت على ما كانت ترفضه بالامس وتدين فتح على ذلك ،وايضا افتي موسى ابو مرزوق بعدم حرمة التفاوض مع العدو، بل ان حركه المقاومه الاسلاميه هذه قبلت بهدنة طويله الامد مع العدو والتهدئه ،كما قامت بالانقلاب على التفاهمات مع حركه فتح والسيطرة على قطاع غزه وادارته بعيدا عن سلطه رام الله، مما عمق الانقسام الفلسطيني بل واضعف القضيه الفلسطينيه، وفي ادارتها لقطاع غزه مارست اقصى انواع العنف والتعذيب بحق ابناء حركه فتح ومن لم يواليها من شعبنا هناك ،وقامت بالتضييق على الحريات ومنع المهرجانات لحركه فتح ،وممارسه الاعتقالات ،كما مارست سلطه رام الله ايضا قمع الحريات لجماعه الاخوان في الضفه الغربيه ومارست الاعتقالات والتعذيب ومنع اى نشاط مقاوم ،كما قبلت بالمساعدات الماليه القطريه التي تردها عبر السفير القطري” العمادي “في الارض المحتله ،وبموافقه العدو الصهيوني ،
ابان ما يسمى الربيع العربي ركبت جماعه الاخوان المسلمين في العديد من الاقطار الموجه ،بل كانت جزءا من المشروع الامريكي “الفوضى الخلاقه “الهادف الى اعاده رسم خريطه المنطقه على اسس عرقيه واثنيه ومذهبيه، بل وتجزئه ما جزأته اتفاقيات سايكس بيكو ،وادخال المنطقه في حروب متتاليه علي بعد مذهبي وطائفي وأثني ،يضمن بقاء و امن الكيان الصهيوني، بل وان يكون المحور الاساس في المنطقه، وقد سبق ذلك ان قدم جماعه الاخوان المسلمين اوراق اعتمادهم لامريكا خلال الحرب في افغانستان حيث اعدت و ارسلت العديد من” المجاهدين ” الى افغانستان ،وكانت خطب المساجد تصدح بنصره “اخواننا” في افغانستان ،ضد الشيوعيه “الكافره “،واتاحت العديد من الدول العربيه حريه الحركه لهم لتحريض الشعب لنصره افغانستان والشيشان في مواجهه الاتحاد السوفيتي، وبما يتوافق مع الاستراتيجيه الامريكيه والغربيه، ومن المفارقات ان الاخوان المسلمين في معظم البلاد العربية والاسلامية اثروا الجهاد في افغانستان و الشيشان على الجهاد في فلسطين ،وكذلك في البوسنه والهرسك ،التي ادت الى تفكيك يوغسلافيا الى دويلات تدور في الفلك الامريكي ،وقد بارك الاخوان المسلمين هذا التدخل الامريكي وكانه لنصرة المسلمين وليس تفكيكا لدوله لا تدور في الفلك الامريكي ،وفي اطار الصراع العالمي بين الصين وامريكا بدأنا نسمع ضروره نصره اخوانهم من الايغور في الصين ،بهدف النيل من الصين واشغالها في حروب داخليه .
ان خطوره جماعه الاخوان المسلمين تكمن في تسييس الدين بدلا من تنزيهه من رجس السياسه ،واستغلال العاطفه الدينيه لدى بسطاء الناس وتوجيهها نحو الوجهة الخاطئه ،ومتناسين ان واقع العالم هو واقع امم وقوميات ،ورغم ذلك نراهم يدعون لانحلال القوميات باعتبارها “نتنة”، وبهذا يشيعون الفوضى والتخريب خاصه في مثل مجتمعاتنا التي تتسم بالتعدديه الدينيه والاثنيه، فبدلا من شد المواطنين بالعصب الوطني والقومي ذو البعد الانساني ،نراهم يعملون على اضعاف الروابط الاجتماعيه وتفكيك المجتمع الى طوائف ومذاهب ،بما يخدم المصالح الامبرياليه ،وبالتالي الصهيونيه ،التي تعمل على اذلال الشعوب ونشر الفوضى والخراب لتتاح لها فرصة السيطرة على مجتمعاتنا.ومجمل حياتنا.
2021-04-