تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (27)!
د. عمر ظاهر.
في موضوع العقم: الانتقاء الطبيعي يعود إلى الواجهة، ثم يختفي، ثم يعود، ويختفي من جديد.
لف ودوران .. لا يحجبان حقيقة أن داروين أقرب إلى ضارب الودع منه إلى الباحث العلمي.
نشأة وأسباب العقم الخاص بالتهاجنات الأولى والخاص بالأنغال
في جدالاته حول نشأة العقم وأسبابه يدور داروين في دوامة لا خروج له منها، العقم في التهاجنات الأولى وفي الأنغال. وفي الجولة الجديدة من هذه الجدالات يذكر لأول مرة في هذا الباب الانتقاء الطبيعي، ونحن نجد أن من الضروري أن نقتبس مقدمته كاملة، لكن مجزأة، لنحاول فهم كلامه متكاملا. يقول:
بدا لي في وقت ما، كما بدا لآخرين، أنه من المحتمل أن العقم الخاص بالتهاجنات الأولى والخاص بالأنغال قد يكون شيئا تم اكتسابه ببطء من خلال الانتقاء الطبيعي لدرجات منخفضة بشكل بسيط عن الخصوبة، والذي مثل أي تمايز آخر، قد ظهر بشكل تلقائي في أفراد معينة تابعة لأحد الضروب عند تهجينها مع أفراد تابعة لضرب آخر، وهذا لأن ذلك سوف يكون مفيدا بشكل واضح لاثنين من الضروب أو الأنواع الأولية … (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 465)
ليس معروفا حتى الآن ما هو المقصود بالتهاجنات الأولى. هل هو حصول التهاجنات لأول مرة في تاريخ الطبيعة، أم هو أي تزاوج قد يحصل بين أي نوعين أو ضربين مختلفين في أي وقت، ويؤدي إلى إنجاب أنغال، أو عدم إنجاب أية ذرية؟ كعادته، فإن داروين لا يقدم تعريفا لمفاهيمه ومصطلحاته، ولا تحديدا لظروف عمله، وذلك لأن داروين ليس باحثا، ولا يعرف مناهج البحث العلمي. في البحث العلمي يقول المرء: انطلقنا من المعرفة المتراكمة لدينا عن هذا الموضوع، وأردنا أن نتوصل إلى نتيجة بخصوص منشأ العقم، وقد فعلنا كذا وكذا بهذه الخطوات وبهذه الوسائل، وتوصلنا إلى النتيجة كذا. أما داروين فيتبع أساليب رواية القصص؛ إنه يتحدث عن الانتقاء الطبيعي الآن كسبب محتمل للعقم، بينما تحدث سابقا عن كون العقم ظاهرة عابرة لها علاقة بالأجهزة التوالدية. لا بأس، فالاحتمال يمكن أن يدخل في مشروع بحث علمي كفرضية، وينتهي المشروع، عبر البحث، بتثبيت الفرضية أو نفيها. أما في رواية القصص، فإن هذا الاحتمال بدا له، لكنه لا يبين ماذا فعل حتى توصل إلى نفيه أو إثباته.
ماذا بدا له؟ بدا له أن العقم قد يكون شيئا تم اكتسابه كتمايزات تلقائية عند أفراد من ضرب معين عند تهجينها مع أفراد من ضرب آخر – كأنه يريد أن يقول إن العقم ظهر في البداية كقابلية أو عادة عند بعض الأفراد، بنفس الطريقة التي قال في الباب الثامن أن الغرائز ظهرت بها. وطبعا لا بد من أن تكون هناك في ذلك التمايز أو القابلية الفردية فائدة ما لأحد، اكتشفها الانتقاء الطبيعي، فاحتفظ بها. هل يفعل داروين شيئا لإثبات هذا الاحتمال؟ لا، إنه يلمح، على العكس من ذلك، إلى أنه ينفيه فورا. إنه يقول إنه بدا له ذلك، كما بدا لآخرين. إن عبارة “بدا لي” تنطوي على نفي لهذا الاحتمال؛ لكنه لا يخبرنا أيضا كيف فعل ذلك. ثم، إنه لم يقل لنا من هم الآخرون الذين بدا لهم الشيء نفسه، ولا نعرف إن هم أصروا على ذلك، أم أسقطوا الاحتمال كما فعل هو، ولماذا. وبالتالي، ما علاقة الآخرين بهذا الموضوع طالما هو لا يذكرهم، ولا يفصل في موقفهم النهائي من الموضوع؟ لو أردنا تحليل ما يعنيه داروين لا شعوريا، فإنه يقول: إذا اعتبرتموني أحمق لأني بدا لي ذلك، فأنا لست وحدي الأحمق، فهناك غيري أيضا.
ويتساءل القارئ الناقد أيضا: هل وضع داروين هذا الاحتمال الجديد كنقيض لما قاله سابقا بأن العقم حالة عرضية سببها يكمن في الأجهزة التوالدية؟ لا نعرف، لكن هذا هو ما يوحي به تناول الموضوع الآن من هذه الزاوية. ثم، هل أخبرنا داروين أنه أسقط مسألة الأجهزة التوالدية لأنها غير مقنعة، وأنه سيبحث عن سبب آخر؟ لا، لم يخبرنا، إلا أن البحث عن تفسير آخر هو إعلان عن التخلي عن الأول. واضح أن داروين لا يسير بخطى واضحة إلى شيء، بل يتخبط في القصص آملا أن يجد كوة صغيرة ليجعل الانتقاء الطبيعي ينفذ من خلالها إلى موضوع العقم.
وسؤال آخر: أين ستوجه داروين إذ هو أسقط كون العقم ظاهرة عابرة لها علاقة بالجهاز التوالدي، وأسقط أيضا ما بدا له من أن العقم نتاج الانتقاء الطبيعي؟ ينتهي الأمر إلى مجرد جعجعة بلا طحين.
ثم، لماذا تحول محور الحديث فجأة من الأنواع إلى الضروب والأنواع الأولية؟ رأينا حتى الآن أن حديث داروين في العقم يقتصر على الحمار والحصان وإناثهما، فهل هما نوعان مختلفان؟ أم ضربان من النوع نفسه؟ أم هما نوعان أوليّان؟ لم يقل شيئا بهذا الخصوص.
وما معنى عبارة “لدرجات منخفضة”؟ وكيف يظهر العقم تلقائيا – وفوق ذلك، إذا كان مثله مثل أي تمايز آخر؟ نحن عرفنا من داروين المرة تلو الأخرى أن التمايزات تظهر تدريجيا، وببطء بفعل الصراع على الغذاء من أجل البقاء، ويحافظ الانتقاء الطبيعي عليها. عبارة “تلقائيا” تعني من لا شيء، أو بدون حث، ولا تشير إلى تلك العلاقة السببية بين الصراع من أجل البقاء، وبين ظهور التمايزات، والتي يفترضها داروين.
وليس واضحا هنا في أي العالمين يجد داروين نفسه، النباتي أم الحيواني. ولو أنه ضرب بعض الأمثلة عن الضروب والأنواع الأولية لكان ذللك سيساعدنا على تحديد الفائدة من التمايز التلقائي. كل هذه التخبطات تنفي عن داروين صفتَي الباحث والعالم.
يقال أحيانا أن الفلسفة هي فن تعقيد الكلام. وهذا ما يتبادر إلى الذهن أثناء النظر في الصياغات التي إما يتعمد داروين في تعقيدها، أو إنها تبدو ملخبطة لأنه غير قادر على التعبير عن أفكاره الفلسفية بوضوح. يستطرد الرجل قائلا:
… وإذا كان من الممكن منعهما من الامتزاج، وذلك طبقا لنفس المبدأ الذي ينص على أنه عندما يقوم الإنسان بانتقاء اثنين من الضروب في نفس الوقت، فإنه من الضروري عليه أن يبقيهما منفصلين عن بعضهما. وفي المقام الأول، فإنه من الممكن ملاحظة أن الأنواع التي تستوطن مناطق متباينة هي غالبا ما تكون عقيمة عندما تتهاجن، وهكذا فإنه قد يكون من الواضح أنه ليس من المفيد لمثل هذه الأنواع المفصولة عن بعضها أن تصبح عقيمة بشكل متبادل. وبالتالي فإن هذا لا يمكن أن يكون قد حدث من خلال الانتقاء الطبيعي.
ولكن من المحتمل أن يثور جدال حول أنه إذا صار أحد الأنواع عقيما عند تهاجنه مع أحد رفاقه، فإن العقم الناتج عن التهاجن مع أنواع أخرى هو الخطوة التالية كشيء ضروري محتمل … (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 465)
طلسم نحتاج إلى فك رموزه.
يتحدث عن منع الضربين أو النوعين الأوليين اللذين سوف يتهاجنان من الامتزاج. لماذا؟ جوابه هو: وذلك طبقا لنفس المبدأ الذي يقوم الإنسان على أساسه بانتقاء اثنين من الضروب في نفس الوقت، فإنه من الضروري عليه أن يبقيهما منفصلين عن بعضهما. ما معنى هذا؟ عند التأمل بعمق فيما يعنيه، نفهم أن داروين يتكلم عن التهاجن في الطبيعة، طالما هو يريد أن يطبق هنا نفس المبدأ الذي يتبعه الإنسان في (الانتقاء) للتهاجن – ألا يقصد التدجين؟ لكن هل هو يتحدث عن الحيوانات أم عن النباتات؟ في حالة النباتات تكون الحركة معدومة أصلا، والضربان منفصلان، حكما. إذن، هو يتحدث عن الحيوانات. نعم، وهناك تناسق في حديثه، وذلك انطلاقا من تصوره الأخرق القديم عن أن التدجين نموذج مصغر عن عالم الطبيعة. لكن لماذا يقوم الإنسان بمنع امتزاج اثنين من الضروب (ينتقيهما) للتهاجن؟ داروين يقول إن حدوث التهاجن بين ضربين أو نوعين في الطبيعة يحتاج إلى إبقائهما منفصلين. واضح أن داروين في حديثه عن منع الامتزاج يتّبع منطقا معينا لم يفلح في توضيحه.
ولاحظ داروين أن الأنواع التي تستوطن مناطق متباينة هي غالبا ما تكون عقيمة عندما تتهاجن، وهكذا فإنه قد يكون من الواضح أنه ليس من المفيد لمثل هذه الأنواع المفصولة عن بعضها أن تصبح عقيمة بشكل متبادل. لذلك فإن هذا لا يمكن أن يكون قد حدث من خلال الانتقاء الطبيعي. ما هو المنطق الداخلي في هذه الحجة؟ ماذا تعني المناطق المتباينة؟ هل تعني المناطق المتباعدة بعضها عن بعض جغرافيا؟ هل يكون الكنغر الذي يعيش في أستراليا والزرافة التي تستوطن جنوب أفريقيا عقيمين إذا تهاجنا بسبب تباين مناطق استيطانهما؟ وهل الغزال والأرنب اللذان يستوطنان نفس الغابة لا يكونان عقيمين عند التهاجن؟ ثم إذا كان حيوانان عقيمين أصلا، فما معنى القول أنه ليس من المفيد لمثل هذه الأنواع المفصولة عن بعضها أن تصبح عقيمة بشكل متبادل؟ والأهم من هذا قول داروين “لذلك فإن هذا لا يمكن أن يكون قد حدث من خلال الانتقاء الطبيعي”. لماذا يعتبر هذا السبب بالذات حجة دامغة على أن العقم، أو العقم المتبادل، لا يمكن أن يكون قد حدث من خلال الانتقاء الطبيعي؟
يقول داروين أن من المحتمل أن يثور جدال حول أنه إذا صار أحد الأنواع عقيما عند تهاجنه مع أحد رفاقه، فإن العقم الناتج عن التهاجن مع أنواع أخرى هو الخطوة التالية كشيء ضروري محتمل. لماذا سيثور جدال حول ذلك؟ أليس هذا شيئا حتميا؟ هل يمكن أن يكون كائن ما عقيما عند التزاوج مع فرد من نوعه، ولكن خصيبا عند التهاجن مع فرد من نوع آخر؟ كيف عرف داروين ذلك؟ هل هو يتحدث انطلاقا من بيانات من بحث علمي تجريبي؟ هل يعطي مثالا على ما يقول؟ لا، إنه يقدم أفكارا فلسفية مجردة لا ترابط بينها.
ويستطرد داروين في حديثه:
… وفي المقام الثاني، أن هذا مخالف بنفس القدر تقريبا لنظرية الانتقاء الطبيعي كما هو مخالف لتلك النظرية الخاصة بالخلق الاستثنائي. وذلك لأنه في التهاجنات المتبادلة فإن العنصر الذكري التابع لأحد الأشكال سوف يكون من المحتم أن يكون عنينا تماما في الشكل الثاني، بينما في الوقت نفسه فإن العنصر الذكري الخاص بهذا الشكل الثاني يصبح قادرا على أن يلقح بحرية الشكل الأول، وذلك لأن هذه الحالة الغريبة التي أصبح عليها الجهاز التوالدي، من الصعب أن تكون مفيدة لأي من النوعين. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 465)
هناك عدم وضوح في القسم الأخير من الاقتباس، والذي يبدأ بعبارة: وذلك لأنه في التهاجنات المتبادلة فإن العنصر الذكري ..). وقد يظن القارئ أن الترجمة هي السبب. لهذا نورد النص الأصلي هنا، ومنه يتبين أن الترجمة سليمة، وعدم الوضوح يرجع إلى النص الأصلي:
In the second place, it is almost as much opposed to the theory of natural selection as to that of special creation, that in reciprocal crosses the male element of one form should have been rendered utterly impotent on a second form, while at the same time the male element of this second form is enabled freely to fertilise the first form; for this peculiar state of the reproductive system could hardly have been advantageous to either species – [Paragraph 248].
ما هو المخالف بنفس القدر تقريبا لنظرية الانتقاء الطبيعي كما هو مخالف لتلك النظرية الخاصة بالخلق الاستثنائي؟
حسنا، إذا صح هذا الاستنتاج العجيب، فإن الطريق تصبح معبدة أمام تقديم تفسير ثالث. ما هو هذا التفسير الثالث؟ داروين ليس لديه مثل هذا التفسير، وهو لا يسعى، أصلا، وراء هكذا تفسير، فغايته النهائية هي إيجاد رابط بين العقم وبين الانتقاء الطبيعي كي يتناسق الأمر مع نظريته. لسان حاله يقول: حسنا الانتقاء الطبيعي لا علاقة له بالعقم، لكن لا أحد أيضا يمكن أن يقول إن العقم موجود كقانون بإرادة خالق. أما القارئ الناقد فيعنيه هنا أن داروين، رغم انعدام معايير البحث العلمي في قصصه، ومع أنه يقحم الانتقاء الطبيعي في كل شيء في حياة الطبيعة، يستنتج هنا بنفسه، أن الانتقاء الطبيعي لا علاقة له بالعقم. والقارئ قد يتقبل من رأيه الجزء الخاص بالانتقاء الطبيعي، وفق مبدأ: من فمك أدينك.
الأدهى من ذلك هو تعليل داروين لكون ذلك مخالفا بنفس القدر تقريبا لنظرية الانتقاء الطبيعي كما هو مخالف لنظرية الخلق الاستثنائي هو قوله: “وذلك لأنه في التهاجنات المتبادلة فإن العنصر الذكري التابع لأحد الأشكال سوف يكون من المحتم أن يكون عنينا تماما في الشكل الثاني، بينما في الوقت نفسه فإن العنصر الذكري الخاص بهذا الشكل الثاني يصبح قادرا على أن يلقح بحرية الشكل الأول، وذلك لأن هذه الحالة الغريبة التي أصبح عليها الجهاز التوالدي، من الصعب أن تكون مفيدة لأي من النوعين”.
هذا الكلام ليس تعليلا، بل لغزا في لغة مشفرة. للتأكد من صياغة الفقرة، انظر في النص الأصلي (الفقرة 248) الذي أوردناه في أعلاه.
لكنْ، هل حسم داروين أمره؟ لا، فهو يسعى، مع كل ذلك، إلى إعادة الانتقاء الطبيعي إلى الواجهة. وهنا يشعر القارئ أنه لم يقدر أسلوب داروين المراوغ حق قدره، فداروين كان يقص قصصا شبيهة بقصص ألف ليلة وليلة، فهو في كل نقطة حرجة يطلع عليه الصباح، فيسكت عن الكلام المباح، ولا يكون قد وصل إلى نهاية القصة. والآن يعود ويقلّب الفكر:
في احتمال أن الانتقاء الطبيعي قد كان له دور مع جعل الأنواع عقيمة بشكل متبادل، فإننا نجد أن العقبة الكبرى تقع في التواجد للعديد من المراحل المتدرجة من الانخفاض البسيط في مستوى الخصوبة إلى العقم التام. ((ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 466)
إذن، احتمال أن يكون الانتقاء الطبيعي قد كان له دور ما يزال واردا، ولم يسقط، وإنما تواجهه عقبة كبرى واحدة. ما هي؟ المراحل المتدرجة. حسنا، داروين لم يتحدث عن مراحل متدرجة في ظهور العقم، بل تحدث عن ظهور العقم تلقائيا. وكما أشرنا، فإن عبارة “تلقائيا” تبعد الظاهرة عن العلاقة السببية مع الصراع من أجل البقاء، وتشير أيضا إلى حرق المراحل التي تتطلبها نظرية الانتقاء الطبيعي بدءً من الصراع من أجل البقاء، وظهور التمايزات الطفيفة، والعديدة، والبطيئة التي يكدسها الانتقاء الطبيعي، ويورثها وانتهاءً بتكوين نوع جديد من نوع قديم، أو تكوين غريزة مركبة! أليس منطقيا، إذن، أن نفترض أن داروين يقصد أن دور الانتقاء الطبيعي لا يظهر إلا إذا تم إثبات وجود مراحل متدرجة عديدة بين الخصوبة والعقم التام؟
إن وجود مثل هذه التدرجات هو ما يبحث عنه داروين في كل مرة كي يثبت حصول التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي، ولكن يبدو أن الأمر مختلف هذه المرة، فمع سهولة القول بوجود درجات عديدة من العقم، إلا إن هذا التدرج – الذي لا يتعلق بنوع معين بحد ذاته، لا ينفع في إرجاع الظاهرة إلى الانتقاء الطبيعي، بل إنه يوقع داروين في مأزق جديد، فالانتقاء الطبيعي يقوم بشيء أخرق، إن كان هو وراء نشوء العقم. فماذا عساه يفعل؟ يقول داروين:
ولكن الذي يأخذ على عاتقه تقليب الفكر حول المراحل التي عن طريقها قد ازدادت هذه الدرجة الأولى من العقم من خلال الانتقاء الطبيعي إلى أن وصلت إلى هذه الدرجة العالية التي هي صفة عامة بين هذا العدد الكبير من الأنواع، والتي هي شائعة بين الأنواع التي قد أصبحت متميزة إلى مرتبة طبقة أو فصيلة، فإنه سوف يجد أن هذا الموضوع معقد بشكل غير طبيعي. وبعد تقليب الفكر المدروس فإنه يبدو لي أن ذلك لا يمكن أن يكون قد حدث من خلال الانتقاء الطبيعي. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 466)
انتهى داروين مرة أخرى إلى نفي علاقة الانتقاء الطبيعي بالعقم. ولكن على أي أساس؟ على أساس أن هذا الموضوع معقد بشكل غير طبيعي. إن البحث العلمي لا يستسلم أمام الأمور المعقدة، ولا يقوم على ما بدا للشخص، ولا على تقليب الفكر، ولا على ضرب الودع، كما يفعل داروين. إنه يقوم على بيانات كثيفة وكافية من تجارب مخبرية، أو ميدانية. والتعقيد يستوجب فصل الأمور بعضها عن بعض، وقد يؤدي إلى ظهور مجالات اختصاص فرعية ضمن المجال الواحد، فيختص كل مجال فرعي بالتعامل مع جانب من التعقيد، ثم تجمع نتائج الأبحاث فيها، وتنسق من أجل الوصول إلى استنتاجات نهائية. هذا ما يفعله العلماء، ولا يقدر عليه ضارب الودع، داروين.
يتبع ..
2021-03-16