من يعود إلى الإتفاق أولاً .. إدارة بايدن على طاولة الإختبار الإيراني!
ميشيل كلاغاصي.
كان من المفاجئ إعلان الرئيس الأمريكي الجديد خلال اسبوعه الأول في البيت الأبيض إمكانية العودة إلى الإتفاق النووي لعام 2015 مع إيران , وما يعرف بـ خطة العمل الشاملة المشتركة , بعدما وصلت إلى طريق مسدود مع إدارة الرئيس الأسبق دونالد ترمب.
وفي الوقت الذي أعلن فيه كلا الطرفين الأمريكي والإيران عن إمكانية عودتهما إلى الإتفاق , برز خلافٌ جديد من خلال إصرارهما على ضرورة أن يعود الطرف الاّخر أولاً , وسط تبادل التصريحات الساخنة بينهما .. ويطرح السؤال نفسه , من يعود أولاً ؟.
في الشكل , تبدو موافقة كل من واشنطن وطهران على آلية العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة , أمراً سهلاً وبسيطاً وعلى قاعدة : الإمتثال للإمتثال ودون شروط مسبقة , بحيث يتخلى الإيرانيون عن مطالبهم بالتعويض الأمريكي لخرق الإتفاق والإنسحاب منه , فيما ترفع العقوبات الإضافية التي فرضها ترمب , كي لا تستخدم لإنتزاع التنازلات من إيران قبل العودة إلى الصفقة , وقتئذٍ يمكن أن تبدأ المفاوضات حول الخلافات والتغييرات على الصفقة – إن وجدت , وبموافقة الطرفين -… وهنا يطرح السؤال من يجب عليه القيام بالخطوة الأولى ؟.
وفي المضمون … تحتاج إيران لتوضيحات أمريكية حيال تصريح وزير الخارجية بلينكن بأن :” الولايات المتحدة ستلتزم بالإمتثال الكامل بمجرد أن يفعل الإيرانيون الشيء نفسه ” , بمعنى أنه على طهران إتخاذ الخطوة الأولى… في الوقت الذي يرى فيه الإيرانيون أن واشنطن هي التي خرقت الإتفاق , وعليها العودة أولاً…
من المؤكد أن حاجة الولايات المتحدة الأمريكية للعودة إلى الإتفاق تبدو ملحة وضرورة استراتيجية , وستمنحها الوقت الذي تحتاجه لإعادة تمركزها السياسي والعسكري والإقتصادي , للبناء على المكاسب والإخفاقات التي حصدتها إدارة ترمب , وسط إدراكها لصعوبة البدائل والخيارات … ومن اللافت أن يبدأ بلينكن طريقه السياسي كوزير للخارجية عبر دبلوماسية عالقة حتى قبل أن تبدأ , أم لعل وراء الأكمة ما ورائها ؟.
قد يرى البعض أن سرعة الإعلان عن الموقف الأمريكي حول إمكانية العودة , جاء من باب التسرع , وأن فريق الإدارة الجديدة لم يكتمل بعد , ولن يكون في وضع يسمح له بالعودة أولاً , أم يرى أن في دخول الرئيس بايدن إلى “الحلبة” متأخراً سيجعله يبدو “مقاتلاً” شرساً وأقوى مما هو عليه , وأقله أمام مشجعيه فقط… فيما يمكن للبعض الاّخر أن يتفهموا صعوبة الموقف , وعدم رغبة أي من الأطراف بالظهور كمن يستجدي التفاوض , وكم تعنيه الحاجة للعودة إلى الخطة الشاملة.
يبدو إصرار طهران على أن تذهب الولايات المتحدة أولاً , يشير بطريقة أو أخرى لإنعدام الثقة في الطرف الأمريكي ( ترمب ) الذي تراجع وخان الإتفاق , ومن غير الحكمة الوثوق بنفس الطرف حتى مع استبدال الرئيس برئيس والوزير بوزير , ومن حقها أيضاً الحصول على ضمانات تقدمها واشنطن للعالم , بأن الرئيس بايدن أو أي رئيس سيأتي بعده لن يتراجع عن الإتفاق .
وبغض النظر عمن سيذهب أولاً , أو بظهور اّلية جديدة تعفي الطرفين من طريقة اللقاء , ينظر البعض إلى هذه العودة بالتفائل , فالفائدة هي لجميع الأطراف الموقعة و”الشهود” والعالم … فمن حيث المبدأ يرحب العالم بنزع أي فتيل من شأنه منع الحروب , ويعيد للبشرية جمعاء الثقة بالحلول السياسية الممزوجة بالإرادة السياسية الكافية لتراجع المخاطر من الضوء الأحمر إلى اللون الأخضر, وعلى العقلاء رؤية من يقف ضد العودة إلى الإتفاق , ومن يسعى لإقحام شروطه تحت لسان الطرف الأمريكي ؟.
ولوحظ أنه من خارج الدول الخمسة وأطراف الإتفاق الأساسيين , ظهرت العديد من التحركات والزيارات والتصاريح والتهديدات وإعلان المواقف المتشنجة , لقادة الكيان الإسرائيلي ولبعض الأنظمة العربية المهترئة , وصل حد إطلاقهم الشروط المسبقة على الطرف الإيراني ولسان حالهم يقول :”أنا المعني الأول , أنا أم الصبي” , الأمر الذي يضع إدارة بايدن أمام إختبار “فحص الدم” – الصهيوني , ويجعلها تنتقل وبكامل الضعف وبكامل الولاء , من خطة الإمتثال للإمتثال إلى خطة الإنصياع إلى “الوسواس الخناس” , فما أُطلق من مواقف لإخراج إيران من ملفات الصراع ومجال أمنها القومي والحيوي وجغرافياته , كاد يقترب من المطالبة بإخراجها من إيران أيضاً , في محاولة لتناسي وللتعمية على الدور الإيراني وصراعها المفتوح في مواجهة المد الصهيوني في المنطقة , والصراع المركزي وأساسه الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين , بالإضافة لدورها الرئيسي في دعم دول وأحزاب وفصائل محور المقاومة , ودورها الإنساني والأخلاقي – العقائدي في دعم كافة قوى التحرر في العالم .
بالنسبة لواشنطن , تبدو خطة العمل المشتركة الشاملة , وإزالة النزاع النووي كنقطة توتر رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران , سيعيق وصول إيران إلى إمتلاك القنبلة النووية والحد من تطور صواريخها البالستية , كذلك سيساعدها على تبريد الأجواء تدريجياً , ويمنحها فرصة “باردة” لتقليص تواجدها العسكري في الشرق الأوسط وحمايته , والإنسحاب إلى قواعدها القديمة والجديدة في دول الخليج العربي , وقد يمنحها مرونةً وحيوية للتحرك السياسي على خط تهدئة الصراعات المفتوحة من سوريا إلى اليمن مروراً بلبنان – هذا إن صدقت النوايا -.
وبالنسبة لطهران ، فإن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة سترفع العقوبات التي تسببت بالأذى الكبير للاقتصاد الإيراني , وستمهد الطريق لإعادة تأهيل العلاقات الإيرانية السياسية والإقتصادية بشكلها الطبيعي مع الكثير من الدول التي وقفت ضدها بالوكالة أو الأصالة , وستضع حداً لذرائع الحملة الأمريكية المستمرة ضدها منذ أربعين عاماً , إلى أمدٍ يطول أو يقصر بحسب إلتزامها بالمخططات الصهيونية الكبرى وما تحيكه لساكني الأرض ومنطقة الشرق الأوسط وغرب اّسيا تحديداً.
‎2021-‎02-‎05