تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (11)!
د. عمر ظاهر.
التماثل بين الانتقاء في الطبيعة والانتقاء في التدجين.
كما قلنا سابقا، فإن داروين ورث عن الدكتور و. س. ويلس، إضافة إلى مفهوم “الانتقاء الطبيعي”، فكرة أن الانتقاء في الطبيعة يحدث تماما مثل الانتقاء الذي يقوم به الإنسان في حالة التدجين، وبنفس الكفاءة، إنما ببعض البطء. وقد تناولنا في المقالتين السابقتين التعريفات المختلفة التي أعطاها داروين لمصطلح “الانتقاء الطبيعي”. وسنحاول هنا بإيجاز تناول الفكرة الثانية. نورد أولا الفكرة عن الدكتور ويلس بتعبير داروين نفسه:
أن المزارعين يقومون بتحسين حيواناتهم الداجنة عن طريق الانتقاء، ثم بعد ذلك أضاف، أن ما يتم عمله في الحالة الأخيرة “بواسطة المهارة، يبدو أنه يتم عمله بنفس الكفاءة بواسطة الطبيعة، ولو أن ذلك يتم بمعدل أكثر بطئا، وذلك في تشكيل الضروب المختلفة للجنس البشري، وذلك لملاءمة القطر الذي يقطنونه …”. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 40)
لا نعرف بالضبط ماذا كان يدور في خلد الدكتور ويلس، وهو يقارن تشكيل الانتقاء الطبيعي للضروب المختلفة للجنس البشري لتتلاءم مع الأقطار التي يسكنونها بعمل المزارعين الذين يقومون بتحسين حيواناتهم عن طريق الانتقاء. ولا نعرف أصلا تعريفه لمصطلح “الانتقاء الطبيعي”. ما نعرفه بالتأكيد هو أن داروين لم يزد في كتابه على كلام الدكتور ويلس شيئا سوى أنه أسقط ما قاله ويلس عن الجنس البشري، على الطبيعة كلها، وراح يحاول صياغة حجج فلسفية لإثبات وجود تماثل في الكفاءة بين نظام الانتقاء الطبيعي وبين ما يراه داروين انتقاء يقوم به الإنسان لتحسين صفات الكائنات الحية، الحيوانية والنباتية، كما كان الدكتور ويلس قد قال.
بداية نسأل لماذا يريد داروين أن يقنعنا بأن الانتقاء في الطبيعة مماثل لعمل الإنسان في حالة التدجين، وليس العكس، مثلا؟ وما أهمية هذا لنظرية الانتقاء الطبيعي؟ إن الافتراض المنطقي هو أن الحديث يستنسخ أو يقلد القديم، وهنا فإن التدجين نظام أو نموذج عمره بضعة آلاف من السنين بينما الطبيعة عمرها مئات الملايين من السنين. ثم إننا يمكن أن ننظر إلى العلاقة المفترضة بين نموذج التدجين ونموذج الطبيعة من زاوية أن الأول جزء من الثاني، وفي هذه الحالة فإن الثاني أكثر شمولا وأكثر تعقيدا، ولا يستقيم دائما أن تجد الكلي الشامل مماثلا للجزئي. لماذا، إذن، يبذل داروين هذا الجهد؟
الجواب هو، بشكل عام، أن الرجل لا يقوم ببحث تجريبي أو مختبري فيتوصل عبر خطوات محددة إلى نتيجة، فيمكنه أن يُفحم منتقديه أو المعترضين عليه بأن يقول لهم: تفضلوا جربوا بأنفسكم. إنه يقوم بعمل هو أقرب ما يكون إلى البحث الميداني الذي يتداخل بالبحث النظري. وميدان هذا البحث هو الطبيعة وما فيها من ملايين الأنواع من الكائنات الحية، وكل الزمن الذي وجدت فيه الحياة، أي مئات الملايين من السنين. إن الميدان الذي يكتب فيه داروين يتطلب الوصول فيه إلى نتيجة مقنعة إلى جهود آلاف الباحثين الاختصاصيين، بل إلى الآلاف من فرق الباحثين الاختصاصيين في مئات من مجالات العلوم الطبيعية. لذلك فإن داروين – وهو يقوم بعمل بهلواني لا يقل بهلوة عن عمل الانتقاء الطبيعي، يجد بشكل محتوم جهده ينصب على عمل فلسفي يقوم على قراءة ما يقوله الباحثون، والخبراء، والعلماء، والاستنتاج منه. وهو لا يترك وسيلة فلسفية إلا ويجربها لإثبات نظريته في التطور التي تقوم على الانتقاء الطبيعي.
نظرية داروين ولدت عرجاء لكن توماس مالثوس زودها مؤقتا بقدم اصطناعية متمثلة في فرضية الصراع على الغذاء والبقاء للأصلح، ولكن تلك القدم الاصطناعية بترت من زمن بعيد، فعادت النظرية عرجاء. وداروين يحاول محاولات مستميتة لإيقافها على قدم واحدة. لقد فشل في كل مرة، لكنه لا يستسلم. تشبث طويلا بأمل العثور في أعمال علماء طبقات الأرض على إثباتات لوجود حلقات وسطى بين الأنواع، وفشل فغضب في آخر كتابه على السجل التاريخي للطبيعة وقال عنه إنه كتاب ناقص:
وهؤلاء الذين يؤمنون بأن السجل الجيولوجي كامل بأي درجة من الدرجات، سوف يقومون بدون أي شك برفض النظرية على الفور. أما من جانبي، واتباعا لكتابة لايل، فإني قد نظرت إلى السجل الجيولوجي على أساس أنه تاريخ للعالم تمت المحافظة عليه بشكل غير كامل، وتمت كتابته بلهجة متغيرة، ونحن نمتلك من هذا التاريخ الجزء الأخير فقط، وهو متعلق باثنين أو ثلاثة من الأقطار. ومن هذا الكتاب، فقد تم الحفاظ فقط على باب قصير هنا وهناك، ومن كل صفحة، تم الحفاظ فقط على بعض الأسطر هنا وهناك. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 536)
وقد استخدم، قبل ذلك، فتح الحوت فمه لاصطياد الحشرات لإثبات أن الحوت أصله دب فالأخير أيضا يفتح فمه لاصطياد الحشرات. ثم قام بمجادلات فلسفية لإثبات وجود تدرج في الطبيعة في تطور أعضاء الكائنات الحية المختلفة في الوقت الحاضر، وذلك على أمل إثبات أن هذا التدرج يعكس التطور التاريخي، وانتهى به الأمر إلى إظهار وجود تنوع في الطبيعة، وليس تدرج. وكان سابقا قد حاول إثبات الحلقات الوسطى بالاستعانة بمثال حيوان الدلق الذي تختلف طريقة عيشه بين الصيف والشتاء، فاعتبر داروين ذلك دليلا على أن حيوان الدلق الحالي حلقة وسطى بين حيوان بري وحيوان ذي سلوكيات مائية، هو في طريقه ليصبحه. قال:
لقد تساءل المعارضون لمثل هذه الآراء التي أعتنقها، مثلا عن الكيفية التي قد استطاع فيها حيوان أرضي آكل للحوم أن يتحول إلى حيوان ذي سلوكيات مائية، فيما يتعلق بالكيفية التي قد استطاع بها هذا الحيوان أن يتعايش في أثناء حالته الانتقالية – وأنه من اليسير أن نبين أنه يوجد حاليا حيوانات آكلة للحوم تقدم مراحل متوسطية بهذا الشكل للانتقال من السلوكيات الأرضية الخالصة إلى السلوكيات المائية، وبما أن كل واحد منها يستمد وجوده من خلال الصراع من أجل الحياة، فإنه من الواضح أن كل منها يجب أن يكون معدا بشكل جيد لمكانه في الطبيعة. ولك أن تنظر إلى حيوان الدلق الموجود في أمريكا الشمالية الذي يتمتع بأقدام ذات أغشية تمتد بين الأصابع، والذي يماثل حيوان القضاعة في فرائه، وفي قصر أرجله، وشكل ذيله. وهذا الحيوان يغطس في الماء في فصل الصيف للبحث عن ولافتراس السمك، ولكنه يترك المياه المتجمدة في أثناء فصل الشتاء الطويل ويعيش مثل باقي القطط القطبية، على افتراس الفئران والحيوانات الأرضية. وإذا أخذت حالة أخرى مختلفة، وحدث تساؤل عن الكيفية التي مكنت أحد الحيوانات الرباعية الأرجل الآكلة للحشرات من التحول إلى خفاش طائر، فإن السؤال يكون أكثر صعوبة بكثير من أجل إيجاد جواب له. ومع ذلك فإني أعتقد أن مثل هذه الصعوبات لا تحمل إلا وزنا قليلا. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 283/284)
ثم استعان بلهجات اللغات وشبّه السلالات في الطبيعة بتلك اللهجات (انظر المقالة رقم 8). وجداله عن فكرة تماثل الانتقاء الطبيعي مع عمل الإنسان في حالة التدجين يقع ضمن هذه المحاولات غير الموفقة.
منهج البحث العلمي
إن من يأخذ منهج البحث العلمي بعين الاعتبار لتقييم ما يقوله داروين بهذا الخصوص، سوف يتريث قبل إطلاق أحكام قاسية، فقد ذكرنا في بداية هذه المقالات أن من بين وسائل البحث الميداني، في حالة كون الميدان واسعا، أن يقتطع الباحث مجالا فرعيا، أو يأخذ عينة، أو نموذجا فيشبع موضوع بحثه دراسة على أساس بيانات كافية، كي يصل إلى استنتاجات تساعد في إلقاء بعض الضوء على الواقع في الميدان الكبير. ربما اعتبر داروين التدجين عينة من مجال الطبيعة، أو حتى نموذجا مصغرا عن الطبيعة. ونحن نتذكر أنه اشتغل في مجال التدجين، فقد درس الحمام الداجن حتى أنه انتمى إلى ناديين لمربي الحمام، وتوصل إلى نتائج باهرة تتلخص في أن كل أنواع الحمام الداجن في العالم كله تنحدر من أبوين مشتركين، وعمم تلك الاستنتاجات، تعميما تخيليا، على سلالات الخيول. وداروين ربما ظن أن له كل المسوغات لتوسيع التعميم فالأساس النظري الذي ورثه عن الدكتور ويلس يشير أصلا إلى عامل مشترك بين النموذجين، الانتقاء؛ في أحد النموذجين انتقاء طبيعي، وفي الآخر انتقاء إنساني، والتطور لا يتم إلا عن طريق الانتقاء. ومن هذا المنطلق راح يبحث عن أوجه الاختلاف (البسيطة) بين النموذجين، وعن أوجه التماثل (الكبيرة) بينهما، ليس لشيء غير إثبات صحة الأساس النظري الناقص الذي ورثه عن الدكتور ويلس!
في هذا الحديث هناك بداية مسألة منهجية مهمة، فداروين يتبع في عمله الفلسفي طريقة استقرائية (Inductive)، إذ تنطلق صياغته (أو في الأصل صياغة ويلس) للتماثل بين النظامين من عمل المزارعين لتعمم على الطبيعة. إذا كان هذا هو المنطلق النظري لداروين، فإنه ألقى بنفسه في وضع حرج. إن كلتا الطريقتين الاستقرائية والاستنتاجية تشترطان أن تسود في المجالين – الخاص الذي يراد له أن ينسحب على العام، والعام الذي يستنتج منه الخاص، نفس الشروط ونفس الظروف. كان عليه أن يتأكد ليس من كون التدجين على يدي الإنسان نموذجا مصغرا عن العمل الذي يفترض أن الانتقاء الطبيعي يقوم به في الطبيعة، بل أولا وقبل كل شيء مما إذا كان مجال التدجين أصلا عينة من الطبيعة؟ إنه أخطأ في فهم مفهوم العينة. العينة من الطبيعة تشير إلى جزء صغير من الحياة الطبيعية، أي الحيوانات والنباتات التي تنمو في ظروف الحياة الطبيعية. الغابات المطرية عينة من الطبيعة، والحياة النباتية أو الحيوانية في الصحراء عينة من الطبيعة. أما التدجين، فلا. في التدجين تسود ظروف غير طبيعية يفرضها تدخل العامل الإنساني.
إن أية عينة من الطبيعة يدخل فيها العامل الإنساني، بأي شكل من الأشكال، لن تعود ممثلة للطبيعة.
إن الاستفادة من هكذا عينة تستوجب تحييد التأثير الإنساني إلى أقصى حد ممكن. لكن داروين يُدخل أصلا العامل الإنساني نفسه كعنصر أساسي في تحليل هذه العينة المفترضة. إنه يقارن عمل الانتقاء الطبيعي بعمل الإنسان. وهذا لا يستقيم. إن داروين يذكر بنفسه، مثلا اضطراب الإنجاب تحت ظروف الأسْر بالنسبة للحيوانات، وأن الكثير من النباتات التي يرعاها الإنسان تظهر عنفوانا كبيرا لكنها في نفس الوقت من النادر أن تنتج، أو لا تنتج على الإطلاق، أية بذور. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 62/63). لكن يبدو أن ما يقوله داروين عن الإنجاب والتكاثر مجرد معلومة يستعرضها، دون أن يأخذها بنظر الاعتبار في تحديد منهجه.
إن تدجين الحيوانات والنباتات ميدان واسع من ميادين النشاط الإنساني، له جوانب عديدة، تجارية/اقتصادية، وصناعية، وثقافية، ومعرفية. ومع وجود أمور مشتركة بين حياة الحيوانات والنباتات في حالة التدجين وفي الطبيعة، فإن ميدان التدجين ليس جزءً من عالم الطبيعة. إن العديد من مجالات النشاط الإنساني في المجتمع تدخل فيها عناصر من الطبيعة، حيوانات، ونباتات، ومواد خام، أو غير ذلك. إن حياة الإنسان لا يمكن فصلها عن الطبيعة والتعامل مع ما في الطبيعة. وقد يقلد الإنسان سلوك الطبيعة في ميدان ما كثيرا أو قليلا، إلا إن أيا من ميادين عمل الإنسان ليس شيئين: إنه، أولا، إنه ليس ميدانا مصغرا عن الطبيعة؛ وهو، ثانيا، ليس عالما موازيا للطبيعة. في مجال الطب فإن الإنسان يتعامل مع عناصر من الطبيعة، مثل الأمراض، والفيروسات، والولادة، والموت، وغيرها. مع هذا لا يمكن مقارنة مجال الطب بما في الطبيعة، أو اعتباره عينة من الطبيعة، أو نموذجا مصغرا عنها. الطبيعة فيها أمراض، وفيها مخاطر تؤدي إلى جروح، مثلا، لكن ليس فيها إنعاش، ولا عمليات جراحية، ولا أدوية، ولا حالة اسمها “عملية قيصرية”!
اعتراضات معرفية عامة
داروين يشير أحيانا إلى بعض الفوارق بين التدجين وبين الطبيعة، وهذا أمر جيد، لكن هذه الإشارات لا تمس ما هو جوهري في هذه الفروقات. من يتجول في كتاب داروين من السطر الأول فيه حتى السطر الأخير بحثا عن تعريف علمي للانتقاء الطبيعي، لن يجد ذلك. إن هذا المصطلح شيء هلامي يتخذ، مثل الدخان، الشكل الذي يريده له داروين. إننا نجد أن هذا الكائن الهلامي يلاحق كل نوع من الكائنات الحية حتى يغيره إلى نوع آخر. كيف يمكن مقارنة هذا الشيء الهلامي الذي يصوره داروين متحكما بكل صغيرة وكبيرة وفي كل كائن حي في الطبيعة، بما يقوم به الإنسان مع الحيوانات والنباتات التي تقع تحت تصرفه؟
على ضوء ما ناقشناه بخصوص عبارتي “الطبيعة” و”الانتقاء” في بداية هذه المقالات، وأيضا على ضوء ما رأيناه في المقالتين السابقتين بخصوص القدرات البهلوانية للانتقاء الطبيعي، فإنه بات واضحا أنه لا يمكن استخدام عبارة (انتقاء) في حالتي التدجين والطبيعة بنفس المعنى. لقد وجدنا في تعريفات داروين للانتقاء الطبيعي تركيزا على أن الانتقاء الطبيعي يمر عليه صنفان من التمايزات، مفيدة ومضرة، فيحافظ على المفيدة، أي ينتقيها حسب تصوره، ويترك الضارة لطرف آخر ليدمرها. الإنسان لا يفعل مثل هذا الشيء. لدى الإنسان حيوان أو نبات مفيد تماما، لكن الإنسان اكتشف أنه يمكن أن يحسن بعض صفات الحيوان والنبات. الفعل “يحسّن” غير الفعل “ينتقي”. وعلى هذا الفارق تترتب فوارق تجعل عمل الإنسان مع الحيوانات والنباتات بعيدا كل البعد عن الانتقاء أصلا، ناهيك عن الانتقاء على شاكلة ما يقوم به بهلوان الطبيعة، أي الانتقاء الطبيعي.
الطبيعة كل متكامل تتفاعل فيها الحيوانات مع بعضها البعض، ومع النباتات، ومع الظروف الطبيعية، ومع الكوارث، وغيرها. الأمر ليس كذلك في التدجين الذي يعتبر جزء من نشاط المجتمع الإنساني. الإنسان أنشأ نظما مختلفة لعلاقته بالحيوانات في بيئته، وكل نظام له قواعد مختلفة. لنلقي نظرة إلى الحيوانات وأشكال اهتمام الإنسان بها:
أولا، هناك حيوانات يربيها الإنسان للاستفادة منها كغذاء، ليس لنفسه كفرد فقط، بل بهدف تجاري اقتصادي، أي بيعها ليسستفيد منها الآخرون.
ثانيا، هناك حيوانات يربيها الإنسان لأنها تقدم له خدمات، مثل الخيول، والحمير، والبغال، والفيلة، والجمال، إلخ.
ثالثا، هناك حيوانات يربيها الإنسان للزينة والأنس، مثل الحمام.
رابعا، هناك حيوانات أليفة مثل القطط والكلاب.
خامسا، هناك حيوانات تعيش حيث يكون الإنسان، دون أن يهتم بها، بل ويكافحها، مثل الفئران.
سادسا، هناك حيوانات يهتم بها الإنسان لأغراض المتعة، والمعرفة، إضافة إلى التجارة، مثل الحيوانات التي يمكن أن توضع في حدائق الحيوانات. وهذه تشمل كل أنواع الحيوانات في الطبيعة.
سابعا، هناك حيوانات يدربها الإنسان لأغراض اللهو كما في السيرك.
ثامنا، هناك حيوانات من كل الفئات المذكورة في أعلاه، يستخدمها الإنسان في التجارب العلمية.
في الوقت الذي يلاحق الانتقاء الطبيعي كل فئات الحيوانات ليغيرها من نوع إلى آخر، فإن الإنسان يقوم، حسب الحاجة، بتحسين بعض الصفات في بعض الحيوانات في بعض هذه الفئات. والتحسين لا يعني تغيير نوع إلى نوع آخر. الإنسان المعاصر يدخل الصناعة في الزراعة وفي التدجين، فيمكنه أن يسرّع نمو الدواجن، وينتجها بأعداد قياسية عن طريق التفقيس الاصطناعي، وهذا أمر ليس في مقدور الانتقاء الطبيعي فعله. وهناك فوارق جوهرية أخرى سنأتي على ذكرها.
أما إذا فكرنا بالانتقاء على مستوى آخر، أي انتقاء الإنسان للحيوانات التي يهتم بها لغرض الاستهلاك الغذائي، فإنه أمر يمكن أن يناقش. إن حالة تدجين الحيوانات نشأت لدى الإنسان قبل آلاف السنين، ولا أحد يعرف كيف بدأت. وداروين نفسه يقر بذلك (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 76). إن المؤكد هو أنه لم يكن هناك أي فعل انتقاء في نشوء التدجين، إذ لم تعرض على الإنسان عشرة حيوانات أو مئة حيوان انتقى من بينها ما يدجنه، وصرف النظر عن الحيوانات الأخرى، أو أقصاها. ربما، ونقول ربما، كانت بعض الحيوانات قد انجذبت إلى الإنسان، بعد استقراره، طمعا في فضلات طعامه، فاستأنس بها وانتبه إلى فوائدها؛ أو أنه وجد بعضا منها، والتي كان في السابق يصطادها للطعام، وجدها بالتجربة، مسالمة ولا تشكل خطرا عليه بوجودها معه، فأكثر من اصطيادها وصار ينشئ مخزونا منها. وبالنسبة للنباتات، فربما عرف الإنسان النباتات التي تنفعه بالتجربة. وبالتجربة أيضا اكتشف الإنسان مؤخرا أنه يمكنه أن يؤثر في بعض صفات الحيوانات التي تعيش معه، وفي صفات النباتات، فيحسنها لمنفعته. إن كل الحيوانات التي في الطبيعة تصلح للعرض في حدائق الحيوانات، لكن فقط بعضها يصلح للتدجين، بمعنى تركها تعيش مع الإنسان، أو في مكان تحت رعايته. لكن الأمر ليس انتقاء منهجيا، فهناك حيوانات كثيرة يمكن أن تكون مسالمة، ومفيدة، وقابلة للتدجين، لكن الإنسان لم يدخلها في عداد حيواناته المدجنة، ربما لأسباب ثقافية.
نعم، التدجين ظاهرة ثقافية تؤثر فيها أمور عديدة، منها المعتقدات، وتعتمد بالدرجة الأولى على ما تكون من حيوانات في بيئة الإنسان، وكذلك على ظروف تلك البيئة، ففي بيئات معينة يربي الإنسان الجمال، وفي غيرها الفيلة. وفي بيئات معينة تستخدم الكلاب للحراسة والصيد، وفي بيئات أخرى كغذاء، وفي أخرى للألفة. وفي بعض الثقافات يكون مكان الكلب خارج بيت الإنسان، وفي ثقافات أخرى يسمح للكلب أن يكون حتى في غرف النوم. وفي كل هذه الحالات فإن الإنسان هو الفاعل الذي يصنف، على الأقل، الحيوانات في الأنظمة التي تناسبه هو، فمكان الأسد في حديقة الحيوان وليس في غرف نوم الأطفال أسوة بالقطط.
داروين يذكر من بين الفوارق بين التدجين والطبيعة أن الإنسان يوفر في حالة التدجين الغذاء لحيواناته ونباتاته، لكنه لا يتطرق إلى الأمر الجوهري في هذا الفارق. إن عمل الانتقاء الطبيعي يتوقف أصلا على نتيجة الصراع على الغذاء في الطبيعة، ذلك الصراع الذي يسبب تمايزات يحافظ الانتقاء الطبيعي على المفيد منها. وعندما يقوم الإنسان في حالة التدجين بتوفير الطعام للكائنات الحية التي في عهدته، من أين ستأتي التمايزات في تلك الكائنات؟ وغير ذلك، فإن الإنسان يوفر للحيوانات أيضا ظروفا فيها حماية وأمان، فلن يكون هناك أي قلق على البقاء. وقد صار الإنسان يوفر للحيوانات في كل الأنظمة المذكورة في أعلاه، الظروف الصحية الجيدة، بما في ذلك العناية البيطرية. وحديثا صار الإنسان يحاول المحافظة على الحيوانات المعرضة للانقراض. هذا بينما يتعاون الانتقاء الطبيعي مع قانون الإبادة في الطبيعة ويسير معه يدا بيد لإبادة الكائنات الحية.
هذه كلها، وغيرها كثير، تعتبر من المسلمات، ولا يمكن للحذلقة الكلامية أن تصنع تطابقا، أو تماثلا بين نموذجين لمجرد وجود عناصر مشتركة بين النموذجين، أو لأن داروين يفرض بشكل تعسفي عبارة “الانتقاء” كفعل أساسي في كليهما. كذلك فإن من السخف أن يحاول أحد أن يبين أن الطبيعة التي عمرها مئات الملايين من السنين تقلد عمل الإنسان في التدجين. وحتى بخصوص ظواهر عديدة قد نرصدها في المجتمع الإنساني وفي الطبيعة أيضا، فإننا نعتبر الطبيعة عادة هي الأصل، ونعتبر نشوء ظواهر في المجتمع مشابهة لما في الطبيعة انعكاسا أو استنساخا. أما أن يقول لنا فيلسوف ما أن القوانين أو المبادئ التي تسود في الطبيعة هي نفسها السائدة في ميدان من ميادين نشاطنا الإنساني، فمزحة فلسفية ثقيلة، إن لم تكن هلوسة من تأثير الهواء أو غيره في جزر الغالاباغوس.
إننا سنأخذ جولة في كل ما قاله داروين بهذا الخصوص في المقالتين الآتيتين لإيضاح شطط داروين بهذا الخصوص والذي ليس له أي تأثير في دعم نظريته.
يتبع ..
2021-02-02