“سفارة” الاحتلال ومعركة الوعي!
عبدالحسين حميد.
من المعروف ان العلاقات الديبلوماسية بين دول العالم المختلفة حددها بالاساس ميثاق الامم المتحدة والقانون الدولى ثم جاءت اتفاقية فينا لترسم قواعد وسلوك البعثات الدبلوماسية والمتمثلة باختصار في :
– احترام دستور البلد المضيف .
– عدم التدخل في شؤونه الخاصه: لا في الخلافات السياسية ولا في الاضطرابات الداخلية.
– احترام عاداته وتقاليده.
لقد جاء غزو العراق واحتلاله( الذي تم بناءا على خدعه) استجابة لمصالح واهداف الكيان الصهيوني وأدواته الخليجيه وفي اطار السياسة الامريكية الرامية الى اقامة ما يسمى بالشرق الاوسط الجديد… والذي يعني ببساطة تاهيل الكيان الصهيوني وبسط هيمنته على كل المنطقة ودولها…. ولهذا كان هدف الاحتلال الصهيوامريكي اساسا ليس فقط تحطيم الدولة العراقية وتمزيق المجتمع ووحدته الوطنية والسيطرة على ثرواته ، بل لاستخدام الارض العراقية للتآمر ومحاصرة ايران وسورية والمقاومة اللبنانية والفلسطينية.
ومن هنا جاء تاسيس الاحتلال لهذا الاخطبوط الاستخباراتي ليكون اكبر سفارة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية العالمية، من حيث العدد وحجم المهام ومساحة النشاط….لتتحول الى اكبر وكر لل CIA والموساد الصهيونى وللشركات الامنية وفرق الموت والاغتيال في المنطقة….ان خطورة هذة السفارة لا تكمن فقط بانها اصبحت قاعدة عسكرية تحوي العديد من انواع الاسلحة..وانما بهذا العدد الهائل من العاملين فيها والذي يقدر ب(١٠-١٥) الف شخص… والذين هم في حقيقة الامر عسكر متخصص بلباس مدني…كما ان هذا العدد يوحي بطبيعة الحال الى سعةوطبيعة النشاط وحجم المهام المناطة بهذة السفارة وفي المقدمة منها استكمال الهزيمة العسكرية التي لحقت بالعراقيين…بهزيمة معنوية ونفسية وفكرية وحضارية.
فاذا كانت مهمة الغزو العسكري المباشر هو تدمير البنى التحتية للعراق ومؤسسات دولته واحتلال ارضة فان مهمة السفارة هي احتلال عقل ووعي العراقيين…وذلك بالعمل على اعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يتناسب مع مشروع الاحتلال الصهيوامريكي في العراق والمنطقة.
فكان راس العراقي مطلوبا في كل الاحوال سواءا بالذبح والقطع من قبل دواعش الاحتلال او بتشويه ما يختزنه من ذاكرة وقيم من قبل سفارة الاحتلال.
وانطلاقا مما قاله جوزيف ناي صاحب نظرية حرب الوعي( يجب استخدام كل الوسائل المتاحة للتاثير في الاخرين) …لذلك استخدمت السفارة وباساليب قذره ماكنه اعلاميه ضخمة تمثلت بالجيوش الالكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي والعديد من القنوات التلفزيونية المحلية والخليجية اضافة الى جيش من العملاء والجواسيس وما يسمى بمنظمات المجتمع المدني ناهيك عن وساءل اعلام احزاب سلطة الاحتلال ذاتها.
والامر الذي لا يحتاج إلى تفصيل او براهين هو ان سفارة الاحتلال استحوذت على مصادر القرار العراقي في المؤسسات الرئاسية، الحكومية، العسكرية والأمنية واصبحت هي الامر الناهي في كل صغيرة وكبيرة في الشؤون العراقية : السياسية والاقتصادية والادارية.
ووفقا لما تتطلبه ستراتيجية الاحتلال فان سفارته تقوم ليس فقط بمهمة ادارة ما يسمى بالدولة العراقية وانما بادارة معركة الوعي ايضا والحرب النفسية التي شنت على المجتمع العراقي…..حيث ان احتلال ارض بلد ما لن يكتمل الا باحتلال العقول والارادات والحاق الهزيمه المعنوية بالمجتمع.
وواضح ان المجتمع العراقي اصيب بصدمة نفسية كبيرة واحباط شديد جراء الاحتلال عام ٢٠٠٣ والذي تم دون مقاومة…وايضا بسبب مجيء ما يسمى بالمعارضة العراقية مع المحتلين بحيث اصبحت جزءا من منظومة سلطة الاحتلال….والتي كان لبعضها مكانه وطنيه ونضاليه في ذاكرة العراقيين خلال الكفاح ضد النظام الدكتاتوري السابق حيث قدمت فيه الكثير من الضحايا والشهداء……فاستثمرت سفارة الاحتلال في حالة الانكسار هذة ونفخت فيها ودفعتها الى اقصى الحدود لتحطيم الروح الوطنية واشاعة الياس وروح الهزيمه والاستسلام.
وفي ذات الاطار وذات الهدف جرى العمل على تخريب وتشويه ما يختزنه العقل والوجدان العراقي الشعبي من مفاهيم وقيم وطنية واخلاقية….كما تم التصويب على جميع نقاط القوة في اواصر ونسيج المجتمع العراقي…بهدف تغيير سلوكة ونمط تفكيرة عبر الاشاعة والتضليل والخداع وتزوير الحقائق واتباع سياسة التجهيل والفوضى ومحاصرة الوعي العراقي واستدراجه حيثما يناسب الاحتلال.
وبما ان النجاح في معركة الوعي هذة يتطلب وجود ظروفا خاصة….فقد تم توليد وصناعة الكوارث والازمات باستمرار.. بالتوازي مع ديمومة الفوضى الامنية والاستنفار الدائم لمشاعر الخوف والقلق والتوتر النفسي والاجتماعي الى جانب الحفاظ على الظروف المعاشية والحياتية الصعبه للعراقيين وتجويعهم……على اساس قاعدة الشياطين ( خوفه وجوعه حتى تعبي راسه)
واذا اردنا ان نحدد باختصار شديد مسارات معركة السفارة في مجال الوعي هي:
١- تحطيم الهوية الوطنية العراقية واستبدالها بالطاءفية والمذهبية والعرقية والعشائرية وكل ما يمزق المجتمع ويفتته…..مع العمل على شيطنة الوطنيين والمقاومين.
٢- تشويه التاريخ والماثر البطولية للشعب العراقي وثوراته ورموزه الوطنيه والتشكيك بكل ماضيه واعلاء شأن الخونه والعملاء.
٣- الدفع لاحتقار دين، ثقافة وعادات المجتمع وتشويه القيم الاجتماعية والدينية والاخلاقية واعتبار التراث العراقي رمزا للتخلف الذي يقف امام ( حداثتهم).
٤- دفع الناس الى الانكفاء وتكريس الانعزالية واليأس وتضخيم الاهتمام بالامور الشخصية واضعاف روح التضامن الاجتماعي والشعور بالمسؤولية العامة.
٥- تسخيف وبهذلة اي حديث عن الوطن والوطنية والتحرر والمقاومة ونصرة قضايا الشعوب وبالاخص قضية الشعب الفلسطيني التي لها مكانة خاصة لدى العراقيين.
واخيرا اقول ان العمل على اعادة الوعي هو الطريق لتحرير العراق واستعادة سيادته الوطنية.
2020-10-07