شمال العراق.. بين الجغرافية والسياسة و”الجيوبولتيك” التركي!
بقلم.. أمجد إسماعيل الآغا.
الإستراتيجية التركية تُشير صراحة إلى العديد من الأحزمة الأمنية، التي تُعد نُقاطاً مؤثرةً وضاغطةً على الأمن القومي التركي، فالخط الجغرافي الممتد من حلب السورية وحتى الموصل العراقية، يقع ضمن اهتمام الاستراتيجية التركية، إذ تَعتبر أنقرة أن تجاوز هذا الخط يُمثل تهديداً لأمنها القومي، نتيجة لذلك يُمكن ترجمة السياسات التركية في الإطار العسكري، الباحث عن مسوغات جيوبوليتيكية تُجيز التمدد في هذا الخط الجغرافي بُغية تطويقه، ولعل الاستحقاقات الجيوسياسية التي يسعى رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، لتحقيقها في سوريا وليبيا، تأتي في ذات السياق لجهة شمال العراق؛ هذا التوجه التركي انطلق من مُحددات اعتمدت حالة الفراغ الجيو-استراتيجي الذي تعاني منه دول المنطقة، الأمر دفع بالعديد من القوى الإقليمية لإعادة هيكلة التوازنات الاستراتيجية في الإطار الذي يَخدُم طموحاتها السياسية، والحالة التركية ليست استثناء من ذلك، إذ تنظر تركيا إلى الشريط الحدودي الرابط بينها وبين إيران والعراق وسوريا، أي مناطق تمركز الأكراد وانتشارهم، باعتباره أحد أبرز مُهدِّدات الأمن القومي التركي، الأمر الذي ترجمته تركيا في إطار خلق حالة جُغرافية تُستثمر في الدور الإقليمي التركي، وتوظف داخلياً لإسكات الأصوات التي تهاجم سياسات أردوغان، وهو ما يجري تأكيده في العملية العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.
العملية العسكرية التركية شمال العراق، تُسلط الضوء على تعقيدات البيئة الأمنية التي تعيشها الحدود التركية العراقية، وذلك منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ فـ العملية العسكرية ذات المراحل والمستويات المتعددة، التي أطلقت عليها تركيا مُسمَّيات من قبيل “مخلب النسر” و”مخلب النمر”، لم تكن الأولى من نوعها في هذه الرقعة الجغرافية، بل سبقها العديد من العمليات العسكرية منذ بداية عام 1992، وكان الهدف الرئيس منها، القضاء على القوة العسكرية للحزب، الذي دخل في مواجهة مفتوحة مع تركيا منذ ذلك التاريخ.
فقد شَكَّل وجود حزب العمال الكردستاني داخل الحدود العراقية، أحد أبرز الملفات الأمنية المُعقدة في مسار العلاقات العراقية-التركية منذ منتصف القرن الماضي، وزاد من تعقيد هذه الحالة عدم تمكُّن العراق من فرض سيطرته على المناطق الشمالية من البلاد، بسبب قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بفرض حظر الطيران في تسعينيات القرن الماضي، حيث ساهمت القرارات الأممية في تحجيم السيادة العراقية على مدن دهوك وأربيل والسليمانية، وهي المدن الرئيسة الثلاث التي تشكل ما يعرف بإقليم كردستان العراق.
العميلة العسكرية التركية الأخيرة في شمال العراق، ميّزتها أنها أكثر قوة وأشمل لجهة رقعة الاستهداف، خاصة أن تركيا تمكّنت من رصد كل تحركات عناصر الحزب الكردستاني على طول الحدود العراقية التركية، فضلاً عن متابعة أغلب منظومات القيادة والسيطرة التابعة له، والمنتشرة في مناطق سنجار وجبال قنديل وصولاً للحدود السورية غرباً والحدود الإيرانية شرقاً. وعلى ما يبدو، فإن تركيا تسعى من خلال هذه العملية، إلى جعل تلك المناطق جزءاً من المنطقة الآمنة في شمال شرق سوريا، عبر العديد من العمليات العسكرية التي قامت بها مؤخراً، والتي كان آخرها عملية “نَبْع السلام” في أكتوبر 2019.
من هنا يُمكننا أن نستشف مألات العملية العسكرية التركية شمال العراق، وفق أهداف عملياتية ثلاث: أولاً- القضاء على وجود عناصر الحزب الكردستاني على طول الحدود العراقية التركية، وتدمير منظومات القيادة والسيطرة التابعة للحزب في مناطق سنجار وجبال قنديل. ثانياً- قطع الشريط الحدودي الذي يربط الحزب بالجماعات الكردية في سوريا. ثالثاً- محاولة خلق منطقة آمنة داخل الحدود العراقية بعمق 50 كيلو متراً، وبما يُمكِّن من ربط منطقة هفتانين الحدودية بمعسكر بعشيقة في سهل نينوى الذي توجد فيه القوات التركية.
في هذا الإطار، من الواضح أن تركيا تعتمد على عامل الزمن، نظراً لانشغال واشنطن بالحوار الاستراتيجي مع العراق، الأمر الذي من الممكن أن يُسفر عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق، إذ أن أنقرة تُدرك بأن ما بعد هذا الحوار لن يكون كما قبله، ومن ثمّ فإن الضرورة الاستراتيجية التركية ربما تستدعي إنشاء واقع إقليمي جديد شمال العراق، كما أن الديناميات المتغيرة في الساحة السورية، وتحديداً في المناطق الشمالية الشرقية، والتي تصب بمُجملها في صالح الدولة السورية، بعد سلسلة من المنجزات الاستراتيجية، تستدعي تحركاً تركياً سريعاً للاستحواذ على ورقة ميدانية هامة، تُجيز المطالبة بامتيازات سياسية سواء من روسيا أو الولايات المتحدة، يضاف إلى ذلك، الأنباء التي تؤكد نية الدولة السورية إقفال ملف إدلب سياسياً أو عسكرياً وربطه بملف الجزيرة السورية، وعطفاً على حدث استراتيجي تمثّل بتعزيز الاتفاقيات العسكرية والأمنية بين دمشق وطهران، واستعدادات لتزويد الجيش السوري بمنظومات صاروخية إيرانية، ستُنشر في الشمال السوري؛ كل هذه المعطيات تحاول أنقرة الإحاطة بها، وخلق واقع جغرافي تجد أنه من الضروري تجاوزه بأسرع وقت ممكن.
علاوة على ذلك، يُدرك أردوغان بأن وضعه السياسي في الداخل التركي، لم يعد فاعلاً ومؤثراً لدى غالبية الشعب التركي، وبهذا، ومن خلال العمليات العسكرية شمال العراق، يسعي أردوغان إلى أن تكون هذه العملية خدمةً لرصيده السياسي في الاستحقاقات السياسية الداخلية المقبلة، والتأثير على حظوظ الأحزاب السياسية الكردية في الجنوب التركي، كونها بيئة تنافسية انتخابية خدمت حزب العدالة والتنمية خلال الفترة الماضية، إضافة إلى سحب ورقة مهمة من يد المعارضة التركية، وتحديداً حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي يعتبر أن سياسات حزب العدالة والتنمية هي السبب الرئيس وراء حالة الاحتقان الأمني الذي تعيشه مناطق جنوب تركيا.
في الخلاصة، الهدف الاستراتيجي الذي تطمح تركيا لتحقيقه في الوقت الحاضر، هو خلق منطقة آمنة بعمق 50 كيلو متراً داخل الأراضي العراقية، تبدأ من منطقة هافتانين الحدودية وحتى معسكر بعشيقة في سهل نينوى، الذي توجد فيه القوات التركية، وهو ما يجعلها مُتحكِّمة بالعديد من الممرات الاستراتيجية التي تربط هذه المنطقة الآمنة بمدن سنجار وقنديل والزاب وأفشين وباسيان، فضلاً عن ربط هذه المنطقة الآمنة بمنطقة هاكورك على الحدود الإيرانية في جنوب شرق تركيا، والهدف من ذلك كله السيطرة على الشريط الحدودي الشمالي الرابط بين العراق وسوريا.
وفي جانب أخر، يسعى أردوغان إلى خلق واقع أمني جديد بعيد عن تأثيرات القوى الكبرى في المنطقة، الذين شكّلوا تحديات وعوائق في وجه الطموح التركي، الذي يسعى لتأسيس نظام إقليمي تكون فيه أنقرة القاعدة الرئيسية له. لكن في المقابل، يبدو واضحاً أن الطموح التركي سيصطدم مُجدداً بجغرافية سياسية تخلق أنماطاً من التوترات والتحديات، والتي ستُشكل في ماهيتها عنواناً جديداً في كسر قاعدة أساسية من قواعد مشروع أردوغان في المنطقة.