من ذكريات عبور النهر. ح5!
٢٥/٤/١٩٧٤
يا لقوة تدفق الأفكار في الأزمات…..
وجدت نفسي اصعد الباص المتجه من اريحا إلى نابلس! لماذا فعلت ذلك؟ لا أدري! لكن ذلك لم يكن عبثًا. ربما له أصل في التفكير الباطني. لم أكن أقصد نابلس! لم أكن أقصد مكانًا بعينه! ربما كنت أريد الاقتراب من منطقة طبرية كما حدثني الغوراني. لكني لم أخطط للخطوة مسبقاً، ولم أبلغ الغوراني بها.
جلست في الباص بجوار رجل كبير السن. وقت قصير بعد انطلاق الحافلة، ووجدت نفسي أدخل في حديث مع الرجل! ربما كان ذلك بداعي التفريغ!
– ألا تعرف يا عم مكانًا يمكن ان اجد فيه عملاً؟
تملاني الرجل، ونادى على امرأة تجلس في مقدمة الباص:
– أم حسين، يا أم حسين.
استدارت عجوز غورانية للخلف، تحتضن سلة بلاستيكية مثقلة بالأغراض، وقد بدا شقاء السنين ثنايا في خدودها ويديها المعروقتين.
– تفضل يا أبا محمود.
– أما زلت بحاجة إلى عمال؟ هذا الشاب يبحث عن عمل.
تفحصتني المرأة بعينيها:
(هذا يريد أن يشتغل مديرًا لا حصادًا)
ربما هذا ما رددته في سرها، فردت بجواب صريح:
– باين عليه وجهه مش وجه شغل.
أضافت وهي تدير ظهرها:
-كان عندنا شعيرات وقلعناهن.
معها حق! أبداً لا يدل شكلي على أنني عامل….. حمدت الله أنها رفضتني، فحصاد الشعير أكثر ما أمقت في الحياة، كيف وإن كان في الغور الحارق.
لكن كيف عرفت المرأة انني لا أصلح لهذا العمل؟ الأشخاص من هذا النوع الذي عركته الحياة، يملكون حسًا خاصًا يجعلهم يميزون البشر بمجرد نظرة! تزودهم التجارب القاسية بفراسة تؤهلهم لاصدار أحكام صائبة. نظرة واحدة كانت كافية لتمييزي.
التجربة تعلم الناس ما لا يجدونه في الكتب.
حوالي ساعة وكنا في بلدة الجفتلك….
هبطت من الباص فداهمني السؤال اللعين: إلى أين؟ ليس في الذهن مكان بعينه.
توقفت مرتبكًا…..
لمحت رجلاً يستظل شجرة كينا ضخمة على الشارع فاتجهت صوبه، ألقيت عليه التحية وصافحته بثقة وقلت:
– سمعت أنك بحاجة إلى عمال؟
– منذ يومين كان عندي عمل، اما اليوم فمع الأسف لا.
– هل تعرف مكانًا يمكن ان اجد فيه عملا؟
أشار بيده نحو الغرب:
– في قرية الحمرا القريبة يوجد مستنبت لعائلة عبد الهادي. ربما تجد عملاً هناك.
كيف تواردت على ذهني هذه القصص؟بهذه السرعة ودون تخطيط مسبق؟! من أين جاءتني هذه الجرأة؟ كيف تلاشى الخجل في شخصيتي كأنه لم يكن؟! الحاجة أفضل معلم وخير أستاذ. وفي الأزمات هناك من تتدفق أفكاره ومبادراته كشلال، والبعض تجمد الأزمة تفكيرهم. تحبط مبادرتهم وتضعف هممهم! فالعصفور المفطور على الطيران على سبيل المثال، يتجمد في مكانه فور مشاهدة أفعى، يحبط الخوف قواه فينسى اجنحته وتلتقمه الافعى.
شكرت الرجل ومشيت متظاهرا أنني ذاهب إلى المكان الذي وصفه لي.
داهمني السؤال اللعين مجدداً: إلى أين؟
الطريق تحدد المسار وتتحكم بالنتائج أكثر مما تفعل الإرادة احياناً. دائماً عليك أن تسأل نفسك: أما زلت أسير في الطريق الصحيح؟! ربما أن هذا السؤال لا يناسب شخصاً يسير في المجهول مثلي، لكنه مهم على أي حال.
غبت ساعة وربما أكثر ….
ما زال الرجل يجلس في المكان ذاته….
قلت له بجرأة لم أتخيلها في شخصيتي:
– أنا ضيفك يا حج. ذهبت إلى المستنبت ووعدوني بعمل، على أن أحضر عند الساعة الثامنة صباح الغد. ولأنني لا أعرف أحدًا في المنطقة، سأكون شاكرًا لكم إن استضفتوني الليلة في بيتكم.
لم يخطر ببالي وانا أقص الرواية ان يتساءل الرجل: لماذا لم تنم في موقع العمل؟
رمقني الرجل بنظرة خشيت مدلولها وقال:
– أهلاً بك يا ولدي، البيت بيتك.
لم يكن كلامي منطقيا، كانت روايتي ضعيفة، لكن جرأتي أنقذتني وخدمتني بساطة الرجل وطيبته، والحاجة نعمة تمنحنا فرصة صناعة حظوظنا.
لماذا لم يشك الرجل بأمري؟ أنني ربما أكون محتال أو فدائي!! في تلك الآونة كان الناس أكثر بساطة وصدقًا، وربما ان بساطتي صبت في اتجاه طمأنته.
قبل غروب الشمس…..
اصطحبني الرجل داخل المزرعة. وفي تلك الأثناء عاد ابنه بقطيع الأغنام من المرعى، فتعاونت مع ابناء الأسرة في استقبالها. ولما انتهينا من الحلابة، دعاني الرجل لتناول العشاء. أي عشاء لذيذ كان في ذلك المساء، جبنة بلدي، زبدة بلدي، بيض مقلي بالسمن البلدي، وخبز طابون! كأني آكل لأول مرة، فمنذ ثلاثة أيام اقتصر طعامي على البندورة والخيار.
بعد العشاء وأثناء تناول الشاي، اعتدل الرجل وسألني:
-ما اسمك؟ من أي بلد أنت؟
يا إلهي!! هل أكشف اسمي؟ لا. لكن ماذا لو طلب هويتي؟ غامرت وقلت بثقة:
– اسمي إسماعيل وأنا من قرية جبع القدس.
لم يكن اختياري لقرية جبع عفوياً. هذه قرية أمي. أستطيع الإجابة عن أي سؤال يمكن ان يخطر ببال الرجل.
قال الرجل وربما تخيل ان لدي مشكلة عائلية:
– اسمع يا إسماعيل، ان كان عندك مشكلة مع اهلك، انا جاهز لمساعدتك. لا تخجل، قل الحقيقة، انا مثل والدك.
أي حقيقة سأقولها!! حمداً لله ان تفكيره اتخذ هذا المنحى دون غيره.
– لا يا عم، شكراً لك على هذه النخوة. نعم هناك مشكلة، لكنها ليست مشكلة في الواقع. لقد أنهيت الثانوية العام الماضي، لي اخ في الجامعة، ووالدي الفقير لا يستطيع الصرف على طالبين جامعيين في الوقت ذاته، لذا اتفقنا على ان اشتغل هذا العام، وادخل الجامعة في العام القادم بعد تخرج شقيقي.
سر الرجل بما قلته فقال:
– أهلا وسهلا بك، البيت بيتك، والآن قم للنوم لتلتحق بعملك غدًا، ونحن فلاحين ولدينا عمل في الصباح كذلك.
دفنت نفسي في فراش صوفي، متمنيًا ان يطول الليل فلا ينتهي، فمع الصباح سأعود إلى مشكلتي.
ليلة دافئة في أعقاب ليالي البرد ووحشة الخلاء. عند الفجر أيقظني الرجل من سباتي:
– إسماعيل، يا إسماعيل، قم لعملك يا ولدي.
أين اذهب في هذه الساعة المبكرة!؟
ليس عندي عمل! هذه حيلة اخترعتها من خيالي!
واصلت اختراع القصص:
-الوقت مبكر يا عم، لم تبلغ الساعة السادسة بعد، ما رأيك ان أرافق ابنك أحمد إلى المرعى حتى تحين ساعة العمل؟
– لا بأس، كما ترى.
وفيما كنا نتناول طعام الإفطار ، أشار الرجل بيده إلى بيت قريب:
-يلعن الاحتلال واليوم الذي جاء فيه. في حرب حزيران، قتلت قوات الاحتلال صاحب هذا المنزل وزوجته. تركا ورائهما خمسة أطفال، اكبرهم الصبية التي ترى. كانت في السنة الثانية عشر من عمرها. ومنذ ذلك الحين وهي ترعى اخوتها. كبرت قبل الأوان وهناك خيرون. طلبت للزواج مراراً ولا زالت ترفض.
لم اكن بحاجة لحديث الألم هذا، لكني شعرت بتعاطف شديد مع الفتاة.
سقنا الغنم إلى المرعى، لم نبتعد كثيراً حين سمعت صوت الرجل ينادي:
– إسماعيل.
– نعم يا عم.
– اذهب إلى عملك يا ولدي.
ما الذي جرى؟ لماذا غير الرجل موقفه؟ ربما ارتاب بأمري ولعب الفأر بعبه كما يقال! وربما نبهته زوجته بالقول: لقد سقط علينا هذا الشاب من السماء فجأة ودون سابق معرفة! اخشى ان وراءه مصيبة! من يعلم؟ ليذهب وشأنه.
إلى أين اذهب؟ سأذهب إلى اريحا، إلى المكان الذي اشعر فيه بالأمان، فاليوم يصادف ما تسميه اسرائيل عيد الاستقلال الذي تتخذ فيه تدابير امنية مشددة.
عدت إلى اريحا بالفعل.
مع تحيات ابو علاء منصور
والى اللقاء في الحلقة السادسة
2020-05-04