من تراثنا العربي .
علي رهيف الربيعي .
كتاب البخلاء للجاحظ !
كان العرب يعتزون بالكرم والقرى ، فركز الشعوبيون هجومهم على مفهوم العرب للقرى (١) وحاولوا تشويه روعته وما فيه من بذل وتضحية وبالغوا في التشنيع به ، وانت تجد تفاصيل كثيرة لذلك في كتاب البخلاء للجاحظ (٢) . وذهبوا الى ابعد من ذاك ، فكتبوا الرسائل في البخل ، ولسهل بن هارون باع طويل في ذلك (٤) ، وحاولوا ان يحولوا المأثرة الى منقصة ، وان بجعلوا البذل مذمة وتخليطا . وقد انبرى الكتاب العرب للرد عليهم . ومن اروع ما وصلنا تلك الصورة الساخرة الممتعة التي عرضها الجاحظ في كتابه ( البخلاء ) والتي أراد بها الرد على سهل بن هارون ، وأنصار البخل ، ويكفي أن انقل اليك الفقرة التالية :
” قال تمامة : لم ار الديك في بلدة قط الا وهو لاقط يأخذ الحبة بمنقاره ، ثم يلفظها قدام الدجاجة ، الا ديكة مرو ، فاني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب ، قال ، فعلمت أن بخلهم ( الفرس ) شيئ في طبع البلاد وفي جواهر الماء . فمن ثم عم جميع حيوانتهم ” ((٤) .
ان مطالعتك لكتاب البخلاء تنقلك من السخرية الى الجد ، ومن انكار البخل الى تحليل شبه فلسفي يبين لك ان البخل طبع متأصل في نفوس الشعوبيين وبذلك يقدم دفاعا قويا عن الكرم .
ونفذت الشعوبية بعيدا حين هاجمت القيم العربية والفضائل الخلقية التي تتمثل في مفهوم المروءة عندهم ، بل وتناولوا المفاهيم الاسلامية احيانا ، ونسبوا الى العرب مثالب فردية حاولوا اظهارها بمظهر صفات عامة (٥) . فقد هاجمت الشعوبية فكرة الشرف عند العرب وطعنت في نظرتهم للمرأة وفي موقفهم منها (٦) وتهجمت على فروسية العرب وعلى مفاهيمهم للشجاعة في حملاتهم على اساليب قتالها واسلحتها .
يقول الجاحظ :
” وقد جعل ( الله ) اسماعيل ، وهو ابن اعجميين – عربيا ، لان الله ( تعالى ) فتق لسانه بالعربية المبينة على غير التلقين والترتيب ، ثم فطره على الفصاحة العجيبة على غير النشوء والتمرين ثم حباه من طبائعهم ( أي العرب ) ومنحه من اخلاقهم وشمائلهم وطبعه من كرمهم وأنفتهم وهممهم على اكرامها واسناها ” .
المصادر :
(١) القرى : ما يقدم الى الضيف من طعام .
(٢) انظر الجاحظ ، البخلاء ص ٢١٨ .
(٣) انظر يقول ابن النديم ” وله رسائل في البخل ” ص ١٧٤ .
(٤)الجاحظ ، البخلاء ص ٣٢ .
(٥) يفهم من الجاحظ ان الشعوبية استفادت من المهاجاة بين العرب احيانا اذ يقول ” و تهجي اسد بأكل الكلاب . والعرب اذا وجدت رجلا من القبيلة قد اتى قبيحا ألزمت ذلك القبيلة كلها ، كما تمدح القبيلة بفعل جميل وان لم يكن ذلك الا لواحد منها ، فتهجو قريشا بالسخية وعبد القيس بالتمر .. ” البخلاء ص ٢٢٥.
2020/05/03