لقد كانوا هناك ,,, خلف الطواحين ,,,,!

نهى صدقي.
سلامآ للذين رحلوا وفي وجوههم بقي السؤال
سلامآ للذين أخافوا الموت ولم نعرف
سلامآ للحقيقة التي أستشهدت بين الصخور والثلوج
لم تأتي نيران كالتي أشتعلت ليلة عرسك يابشتاشان …
ها قد مضى اليوم 37 عام على مجزرة بشتاشان التي عشت لياليها الثلاث ,,, وذلك الرحيل الشارد ( الأنسحاب) لازال عصيآ على النسيان ولم يغادر الذاكرة بعد …
ذلك ” الركب ” الذي واءم بين الثلج والنار ,,, أنتهى بتسوية أصبح فيها الثلج حارآ وبياضه الناصع أصبح أحمر قاني ,,,
وكل ما عانقه جسدآ هاويآ أزداد الثلج تمسك به كمن يريد أن يقول انتم ضيوفنا ولابد من أكرامكم
وأحتضانكم مازلتم غرباء …

عاش وادي الطواحين ذلك اليوم لحظة دهشة ,,, أنه يوم احمر انه يوم عيد العمال العالمي ,,,تلك الأجساد كانت تحتفل بعيدها على أنغام ناعمة حانية تعودت سماعها عند الفجر وهو يعلن عن نهوض صباحاته الفيروزية وفي المساء تجاورهم بعد القمر في جلساتهم المسائية وهم يتحلقون حول نيران أفكارهم المتقدة وقلوبهم الحالمة ,,,
لم تكن في رأسي أدنى مساحة للخيال بما سيحدث لأوراقي , هل سأتركها مع بقية أشيائي في المقر أم سأخذها معي وأنا متجه الى موقع ( المرابات ) الذي يشرف على فصيلنا ( فصيل بولي ) وعلى وادي جمهوريتنا ,,,
فصيل بولي واحد من ثلاث فصائل متقدمة لحماية قاعدة بشتاشان المركزية , وهما فصيل أشقولكا وفصيل بيانة …
أتجهت الى القمة أنا ومجموعة من الرفاق بعد أن أمرنا آمر فصيلنا ” أبو أحلام ” لصعود الى ( الربية ) وهي قمة أستراتيجية لصد هجوم هؤلاء الغرباء المتعطشين للدماء ,,, حيث الصدام الأول معهم كان فجر يوم الأول من أيار …
بدأت مجاميع مهاجمة من قوات ” الجلاليين ” قوات حزب الأتحاد الوطني الكردستاني ,, تصعد باتجاه فصيلنا بعد أن يترجلوا من سيارات كانت توصلهم الى بداية الطريق المؤدي الى فصيلنا والفصائل الأخرى وبأتجاه الوادي ” قاعدة بشتاشان “,,,
ملئ الوادي أزيز رصاص البي كي سي وانفجارات قذائف الار بي جي , ومدافع رشاشة والقناص في معركة غير متكافئة أستمرت ثلاثة أيام …
عدو يكثرنا أضعافآ وأضعاف , مهاجم بخطة محكمة ومدجج بالحقد والبشاعة وبكل أنواع الأسلحة والمعدات ,,,
زخم الرصاص الذي كان ينهال علينا كالمطر, لم يُبقي غصن شجرة نحتمي بها ,,,
بقينا على القمة الى عصراليوم الثاني بعد أن رفضنا قرار النزول والأنسحاب وترك الموقع ,

الى أن صعد الينا ” ابو النور” صباح المندلاوي وأجبرنا على النزول بعد أن أخبرنا أن بشتاشان قد سقطت وأن القيادة قد أنسحبت منذو يوم أمس ولم يعد البقاء مجدي والمقاومة لم تعد تنفع , وعلينا أيجاد طريق آمن للأنسحاب لأن المواقع كلها محاصرة ,,
بدآنا نتحرك بمحاذا الوادي بأتجاه فصيل المتفجرات ,, وعندها التقينا برفيقي وصديقي ” أبو محمد ” والذي أستشهد فيما بعد بنفس اليوم , أخبرنا أن رفاق فصيل المتفجرات قد أنسحبوا وقد فخخ هو غرف الفصيل ,,, وفعلا بعد أن واصلنا المسير , ووصول الجلاليين ودخولهم الى الموقع سمعنا أصوات انفجار مدوي قادم من جهة فصيل المتفجرات ,,, لم تكن عند آمر فصيلنا أبو أحلام أي معلومات من القيادة العسكرية عن كيفية المواجهة أوالأنسحاب والى اي وجه سيكون الأنسحاب وماذا حصل لبقية الرفاق ,, ومن الذي أستشهد والذي بقية على قيد الحياة ,,, لاأتصال لاسلكي ولا مراسلة ,كل شئ مجهول ,وكلآ يلقى مصيره بهذا التيه ,,,
وبدأنا نتسأءل بأي أتجاه سوف ننسحب ,,, من أمامنا الجلاليين ومن خلفنا جبل قنديل الذي يطل على الحدود الأيرانية ( قنديل الملتحف بالثلج ) بدون دليل اليه ؟
واصلنا الصعود باتجاه القمة المطلة على بشتاشان ,محاولين أيجاد منفذ ,,,, وبدأت تلوح لهيب النيران على امتداد الوادي ,,, هذه فصائلنا تحترق , الطبابة .. أنها ألآذاعة لقد أحرقوها ,, دمروا كل شئ ,,” سقطت جمهوريتنا وأحترقت بشتاشان , وسكنوها البرابرة ,,,
في الوقت الذي لم نفيق بعد من الصدمة الأولى , وقعنا في كمين نصبوه الجلاليين لنا وحاولنا المقاومة مجددآ وتفرقنا بدون ان نعرف الى اي جهة سوف نتجه لنحتمي من رصاص هؤلاء القتلة ,,,
كان البقاء على قيد الحياة محض صدفة , وأن استطاع واحدنا الألتحاق بالمجموعة , لمواصلة المسير ,,,
بدأت مسيرتنا بأتجاه جبل قنديل , دليلنا الوحيد كان أثار أقدام قد غرست في ثلج دهاليز وأخاديد هذا الجبل القاسي لأناس عابرين من قبلنا ,, ولسنا متأكدين أن كانوا رفاقنا أم أعدائنا ,,,
وبعد مسيرة أيام بدون طعام أو شراب أو دفئ شمس , غير بعض فتات من خبزالرقاق ( الركاك ) التي كما يبدو تسقط سهوآ في الطيات الثلجية لأثار أقدام هؤلاء العابرون ,, كنا نجمعها ونتركها على راحة أيدينا لكي تجف ثم نأكلها ,,,, أما الشرب فكان حفنات الثلج التي كنا نحشرها في ” الزمزميات ” لكي تذوب وتتحول الى ماء فيما بعد يمكن أن يشرب ,,,تيبست شفاهنا حتى تمزقت , وأحترقت وجوهنا من الثلج …
الى أن وصلنا الحدود الأيرانية وعند نزولنا من منحدرات الجبل وجدنا رفاقنا قد سبقونا منسحبين الى أيران وفي مقدمتهم القيادة ,,,
لكن دون أن نعرف مصير عشرات الرفاق الذين وقعوا في أيدي المجرميين الجلاليين وهناك أسرى ؟؟ أسئلة بقيت حيرى بدون أجوبة لآيام وأشهر وسنين يعصرها الغضب والوجع والسخط والحيف ,,,
جريمة بشعة راح ضحيتها رفاق شيوعيون أبطال شباب من القاعدة الحزبية , يحبون الحياة مفعمين بالأمل والأرادة الأنسانية ….غالبيتهم كوادر وكفاءات علمية وفنية وثقافية وأصحاب مؤهلات متعددة , تركوا مقاعدهم الدراسية وحياتهم العملية ومستقبلهم وعوائلهم والحياة المدنية المرفهه , تركوا كل هذا والتحقوا بجبال كردستان من أجل قضية الوطن ومجابهة النظام الديكتاتوري الفاشي وتلبية لنداء الحزب الذي آمنوا بمبادئه ,,,

يتبع ,,,, البقية في المنشور الثاني ,,,
