احمد الناصري . إلى نعيم هندي وعباس حسن وكل زملاء ورفاق التجربة من الشهداء الخالدين والأحياء الجميلين… من ال 69 حتى عام 72، لجأ صدام إلى بناء أجهزة قمعية خاصة لتصفية المعارضة بأساليب وحشية قل نظيرها، لتحقيق أهداف عديدة، أولها تصفية المعارضة والرفض لانقلابهم وسلطتهم الضعيفة والمعزولة والمهددة، والثاني تحقيق مكانة ووضع خاص له، استطاع من خلاله السيطرة على السلطة لاحقاً. هذا هو التأسيس والبداية. هذا يسهل فهم ما جرى لاحقاً. كان التركيز على الحركة الطلابية كبيرة، وهم يعرفون دورها ومزاجها. فكانت حصة القيادة المركزية مرعبة. في مدينة الناصرية اليسارية والثورية، جرى ملاحقة الطلاب بشكل كبير، لسعة وقوة اتحاد الطلبة، وعزلتهم وعدم وجود كوادر مهمة، عدا الهتافين وصافي الكراسي والمصفقين بالندوات وحاملي الهراوات، وقد استمر هذا الحال طويلاً. كنت صغيراً جداً (في الثالث المتوسط)، عدما أصبحت مسؤول متوسطة الناصرية، ونحيل جداً (وزني 49 كيلو غرام)، والتجربة بالنسبة لي في بدايتها، وهي بسيطة، في مرحلة التأسيس، مع مجموعة أحلام جميلة، لكننا كنا نعيش ونواجه خطط فاشية، تزحف بشراسة وقوة علنية نحو هدفها، ونحن بلا سلاح حقيقي وفعال في هذه المواجهة والمعركة، التي ستصبح خاسرة. وهذا ما كان يجب أن نقرأه ونعرفه قبل وقوعه. من الملاحقات التي تعرضت لها وهي كثيرة، الوزير (اعتقلني) ونقلني بسيارتهم من المدرسة وعذبني (ضربني على رأسي ووجهي وقد سجلت شهادتي) بيديه في المقر القديم، وهددني بتسليمي للأمن (العام)، بعدها دفعوا احد عناصرهم واعتدى علي اعتداء وحشي، مما تسبب لي بجرح بالغ في رأسي تطلب حوالي (8 قطب لخياطة الجرح)، وقد اعتقلته الشرطة بسبب التقرير الطبي، فاتصل الوزير بالمفوض أمامي، فتبدل الوضع، وأخرجوه ودفعوني إلى النظارة، ثم استمرت الملاحقات والمضايقات والاعتداءات من قبل العصابات الفاشية المشتركة (أمن وطلاب وعمال)، بالمقهى والشارع والمدرسة حتى الاعتقال الدموي في أكتوبر 78، حيث قابلني مفوض من السكرتارية وقال لي ألم ننصحك أنا والوزير أحسن هجي؟ قلت له هذه سياستكم! من أبرز حوادث الملاحقات والاعتداءات التي حصلت لي، وهي يومية وكثيرة، فقد كانت العصابات الفاشية تجوب الشوارع وتدور في المدينة ليلاً، وهي تبحث عن ضحاياها من رفاقنا. المدينة كانت صغيرة ومحددة. المقاهي (مقهى أبو حنان في النهار)، والمكتبة العامة. وفي الليل كانت سينما ومسرح بهو البلدية، وشارع النهر والكازينوهات الصيفية، والطريق إلى متنزه المدينة، والنوادي والبارات، ولا شيء آخر. كنت أسير مع صديقي عباس مليحم ليلاً (كنت مسؤوله)، عندما طوقتنا مجموعة فاشية مختلطة (عناصر امن وطلاب وعمال تشبه فرق الذئاب الرمادية القذرة بقيادة عنصر من خارج المدينة اسميناه أبو شوراب) وحاصرونا وحاولوا الاعتداء علينا، وكنت مسلحاً بسكين، سحبته عليهم، فتراجعوا وقالوا نحن في الواجب، شتمتهم وشتمت الواجب، واستطعنا التراجع والهرب، وقد جاءوا بسيارة شرطة النجدة، فلجئنا إلى سطح الدار وانتظرنا حتى انسحابهم، وقد عدت إلى البيت في مشارف الصباح! بعد أيام حضر شرطي أمن بشع الشكل والمنظر إلى متوسطة الناصرية، وقد استدعاني معاون المدير إلى غرفته. طرقت الباب وشاهدت شرطي قبيح أعرفه، عرفت الأمر وتجاهلته، وقلت للمدرس تفضل أستاذ، قال هناك استدعاء وتبليغ لك بالحضور إلى مديرية الأمن. كان ردي حازماً بأنني ارفض استلام التبليغ، وهذا لا يجوز ممارسته في مدرسة. فكان رد الشرطي ليس لي علاقة سوى أن اكتب تقرير بانه رفض التوقيع على استلام بلاغ الاستدعاء. قلت أكتب ما شئت! المدرس قال لي تفضل ارجع إلى الصف. بعد انتهاء الدوام ذهبت إلى الحزب كي أبلغهم بتفاصيل ما حصل. فكان رد الحزب بأن سلم نفسك يا رفيق. ذهبت إلى الأمن برجلي، فحولوني إلى محكمة الناصرية. كانت التهمة غريبة ومضحكة، وهي التهجم على الجبهة الوطنية والقومية التقدمية. اطلع الحاكم على أوراق القضية وأطلق سراحي لعدم ثبوت الأدلة! كانت هناك إمكانية للمواجهة والردع، وعدم الاستسلام للمسلخة! عناصر العصابات الفاشية، لم يفكروا حتى بالاعتذار عن جرائمهم الشنيعة التي انتهت بتدمير الوطن، ولنا حق الكلام والرواية… *ملاحظة كان ذلك عملاً وواجباً طبيعياً وبسيطاً، أنه سير نحو الوطن، لا يترتب عليه أية حقوق غير قانونية، عدا حق الكلام والاعتزاز بالتجربة والموقف… تحية للجميع…