الجغرافيا السياسية لفيروس الكورونا.. مقابلة مع فاليري بيغو*-
ترجمة:علي إبراهيم!
*من هي فاليري بيغو أولاً؟ دكتورة في الحقوق الخاصة في جامعة بانتيون- السوربون ومحامية. منذ سنة 2009، توقفت عن ممارسة عملها كمحامية لكي تتفرغ من أجل نشر النتائج التي توصلت إليها أبحاثها العديدة للجمهور. تعمل في الوقت الحاضر محلّلة جيوسياسية (في مجال الاقتصاد والحقوق والمال) وتلقي المحاضرات. مواضيع بحوثها تتعلق بالمؤسسات – الوطنية والدولية – وبالنقد (المال) والشركات والحقوق وعمل الإقتصاد العالمي. صدر لها أربعة كتب عن دار النشر سيجيست (Sigest )
1) سترايجيكا – نقرأ الكثير من العناصر المتناقضة بحسب المصادر المختلفة للمعلومات المتوافرة أو بحسب آراء المختصّين في الصحة. برأيكم ما هو الواقع الفعلي لهذه الجائحة؟
ف.بيغو : يجب التمييز، كما يقول صديقنا لوسيان سريز، بين الواقع المحسوس في العالم الحقيقي وبين الرواية المنشورة حول ذلك الواقع. إليكم ما يقوله حرفياً:
” في فرنسا، والغرب بشكلٍ أوسع، تمثّل الأزمة الصحية التي أوجدها فيروس كورونا تطبيقاً عملياً للهندسة الاجتماعية والحوكمة بواسطة الفوضى. حيث نجد نفس البنية التي تم استعمالها في مواجهة “التهديد الإرهابي” : مزيج من الواقع والخيال، هذا المزيج يعمل بالتناغم مع حيلتين معروفتين جيداً 1) رجل الإطفاء مشعل الحريق و 2) مثلث كاربمان (الجلّاد/الضحية/المخلّص). بخصوص هذا المزيج بين الواقع/الخيال، الذي أتى البروفيسور راؤولت – وهو من تلامذة جان بودريار (جان بودريار منظّر ثقافي وفيلسوف، ومحلل سياسي، وعالم اجتماع، واخيرا وليس آخرا هاوي تصوير فوتوغرافي. تصنف أعمال بودريار بشكل أساسي ضمن مدرسة ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية. ويكيبيديا، من المترجم) -على ذكره في كتابه الأخير، فإنّ أنصار “الواقع فقط” مخطئون، وأنصار “الخيال فقط” مخطئون كذلك. مثال: إنّ كون “الرواية الرسمية” حول أزمة الكورونا خاطئة لا يعني أنّ الوباء غير موجود، وعلى نفس المنوال فإنّ كون “الرواية الرسمية” حول التفجيرات الإرهابية خاطئة لا يعني أنّ التفجيرات لم تحصل. هنالك أحداث حصلت، لكن الرواية التي تفسّر تلك الأحداث هي الخاطئة وليست الأحداث بحدّ ذاتها. إنّ تحليل الأزمة الحالية يبين وضع تقنيتي الإطفائي مشعل الحريق ومثلث كاربمان موضع التطبيق. تركت السلطة الأزمة، لا بل ساعدت على حدوثها، عن قصدٍ أو عن غير قصد. واقعياً فإنّ السلطة لعبت دور مشعل الحريق، أي الجلّاد. من ثم وبعد أن حدثت الأزمة المستمرة حتى الآن، قدّمت السلطة نفسها على أنّها المنقذ الذي سوف يخلّصنا من الأزمة التي أحدثها هو نفسه في الخفاء، مثل الإطفائي الذي يقوم بإخماد الحريق بعد أن قام هو نفسه بإشعاله بشكل سري.”
نحن هنا في مواجهة تنافرٍ معرفي شامل لأنّ للظواهر التي نواجهها تفسير واحد أو عدّة تفسيرات رسمية، جزئية (في أحسن الأحوال)، متناقضة و/أو خاطئة لا تتيح لنا وصولاً معرفياً إلى الظاهرة ككل. في الحقيقة فإن المنهجية التي تمّ اتباعها في تغطية هذه الأزمة شبيهة بتلك المنهجية التي تمّ فرضها علينا بشكلٍ عام من أجل توجيه المسارات الفكرية : تحويل المعارف إلى فتات أو سلسلة من المراحل لتصبح على شاكلة نوعٍ من الفوردية (مبدأ عمل أو تنظيم للإنتاج ظهر عام 1908 على يد هنري فورد مؤسس شركة فورد، من أهم مكوناته خطوط الإنتاج، أيّ تجزئة العمل بشكل سلسلة- من المترجم) يتم تطبيقها على جميع درجات المعارف. يضاف إلى ذلك ظاهرة أخرى من التفتيت وعزل الناس : حيث الأوساط الطبية قليلاً ما تخالط بقية الأوساط أو لا تخالطها بالمرّة، وكلّ شخص يمكث في المرّبع الذي حدّده له سلفاً تنظيم المجتمع. وهكذا تغدو حياة وأفعال البعض شبه معزولةٍ عن حياة وأفعال البعض الآخر، وتغدو نقاط الإتصال الوحيدة بينهم هي طريقتهم (المباشرة أو غير المباشرة) في الإستهلاك.
وهكذا، نتلقى معلوماتنا من الجسم الطبّي، ومعلوماتٍ أخرى آتية من منظماتٍ دولية، وأخرى من مختلف بلدان العالم. البعض الآخر من مصادر المعلومات جزء متأصّل من بنية حكومتنا (مراسيم، قوانين…)، والبعض الأخير منها يأتينا من وسائل إعلام تزعم أنّها مستقلة تناقض جزئياً أو كلّياً المصادر المذكورة آنفاً.
أخيراً، لكي نرى الصورة بوضوح، يجب ويكفي أن نرتب الأمور، أي أن نضع تراتبيةً وسياقاً للظواهر، على أن تكون هذه التراتبية وثيقة الصلة بالموضوع.
لدينا بالترتيب: ظهور فيروس غير معروف دون استعدادٍ جيد في الصين، البلد الذي يعرف هذه الأنواع من الفيروسات تاريخياً. بعد ذلك، سلسلة من الأخبار المفزعة عن مجزرة. بعد ذلك، بالطبع، ينتشر الفيروس على سطح الكرة الأرضية في الوقت الذي تصلنا فيه معلومة عن أنّ البنك الدولي (الذي لم أعد أمثّله) كان قد توقّع، منذ سنة 2017، “قفزاتٍ خاصة بالأوبئة”. بعد ذلك، جوقة من البلدان التي أصابها الوباء وعدد لا يمكن احصاؤه من الناس الذين خضعوا للحجر المنزلي من أجل مكافحة انتشار الفيروس، كما زعموا. في الوقت ذاته كان عدد “الموتى” يتضاعف وخدمات المشافي تعاني الإختناق بالمعنى الحرفي بسبب تدفق الناس من أجل الفحص أو العلاج.
كلّ ذلك يجري وسط سياقٍ جيوسياسي شديد الخصوصية يتميز بتحالف القوّة الإقتصادية الصينية، التي بلغت نضجها اليوم، مع القوّة العسكرية الروسية من أجل صدّ الهيمنة الأميركية وشركائها.
إن المسكوت عنه في تلك اللوحة هو الأمر الأساسي : الولايات المتحدة وحلفاؤها لم يعودوا محكومين بواسطة ما أسمّيه ظاهرة سياسية، ثمثّل المصلحة العامّة، بل بواسطة تحالفٍ للشركات الكبرى تديره مصارف الإستثمار الدولية التي توجد مقرّاتها الرئيسية في شارع أوليفر كرومويل، في حيّ لندن سيتي في مدينة لندن.
في الحقيقة، لم تعد الدول الغربية موجودة لأنّه تمّت خصخصتها حين سقطت الرقابة على عملاتها في أيدي الصيارفة من القطّاع الخاص، وهو الأمر الذي يفسر ظهور مؤسسات، في أوروبا، ليست سوى إضفاءٍ للصفة الرسمية السياسية على عملية القبض على قواعد تنظيم الشعوب من قبل المصالح الخاصة.
إذا أخذنا بالإعتبار مجموع هذه العناصر، فإنّ لوحةً واضحة ترتسم.
في هذه اللوحة، يظهر من جهةٍ فيروس يتسبب بالعدوى بشكلٍ كبير ويصبح خطيراً حين يلتصق يالرئتين والمجاري التنفسية. في هذه المرحلة، لا يوجد في جسم المرضى فيروسات ومن غير المجدي إعطاؤهم العلاج الذي أوصى به البروفيسور ديدييه راؤولت، كما أشار هو بنفسه إلى ذلك بكلّ وضوح. ماعدا تلك الحالات من المضاعفات وهي غير نادرة على ما يبدو، فإنّ الفيروس المذكور غير عدواني نسبياً، ينتج عنه أعراض مزعجة لكنّه لا يتلاعب بالمرضى المصابين بالعدوى عبر لعبة التكهنات.
قام ديدييه راؤولت، البروفيسور الفرنسي المتخصص والمشهور على الصعيد العالمي في مجال علم الفيروسات والأمراض المعدية، بالإعلان عن فرضيات عملية تمّ التثبت منها من قبل أخصائيين صينيين ومن قبل بروفيسور سنغالي (البروفيسور سييدي) الذي واجه فيروس ايبولا وهو، بهذه الصفة، معروف بأنّه قامة كبرى في مجاله. العلاج الموصى به لا يكلّف ثمناً باهظاً (لأنّ تراخيصه القديمة جداً أصبحت ملكية عامة)، هو علاج غير فعّال 100% حسب التأخير أم لا في إعطائه للمريض. ذلك هو، جوهرياً، ما يجب أن نتذكره.
في الجهة المقابلة من اللوحة، نجد أطباءً فاسدين مرتشين (الأكثر شهرة هي الخبيثة كارين لاكومب التي تجتاح القنوات الكبرى وتتلقى الرشاوي المتعددة من اللوبيات الصيدلانية) إضافةً إلى كامل جهاز الدولة وهيئاتها، وجميعها مرتبطة بشكلٍ قريب أو بعيد باللوبيات الصيدلانية التي صعدت إلى الواجهة من أجل نزع المصداقية عن أعمال الأخصائيين المرموقين النذكورين أعلاه. دون أن ننسى أن الحملة الإنتخابية الرئاسية التي خاضها ماكرون تلقت تمويلاً من شركة بيغ فارما الصيدلانية.
من جهةٍ أخرى، لن أقوم سوى بجردٍ سريع، لأنّ التعداد سوف يكون طويلاً حقاً، للقرارات السياسية الراهنة التي تمّ اتّخاذها بما يعاكس الهدف الرسمي المعلن باحتواء الوباء، حيث تمً في بداية سنة 2020 تصنيف دواءٍ كان يباع دون وصفةٍ طبية على مدى عقودٍ من السنوات كمادةٍ سامّة، كما تمّ رفض منح التراخيص الإدارية لباحثين يقومون بتجارب من أجل اكتشاف الإصابة بفيروس الكورونا، وتمّ رفض منح المساعدة للصناعيين الذين أرادوا تصنيع أجهزة التنفس… أضف إلى ذلك، من أجل استكمال اللوحة، التفكيك المنهجي لخدمات الصحة العامّة، وصولاً إلى تصفية مخزونات المواد وتقليص عدد الأسرّة والعاملين في المشافي، الأمر الذي تفاقم منذ فترة ساركوزي الرئاسية.
لقد كشفت هذه الأزمة الصحية الفاعلين السياسيين الحقيقيين المختبئين خلف بهرجاتٍ دولتية ! إننا ندرك اليوم بشكلٍ أكبر من البارحة أنّ الدولة ممسوكة من قبل مصالح خاصة توصي بدواءٍ مكلفٍ جداً، بل أٌقلّ فاعلية، بانتظار اللقاح الإلزامي. على خط الوصول في السباق من أجل الفوز بعقود طلبيات اللقاح الضخمة العامّة والخاصة نجد : شركة جونسون أند جونسون التي أعلنت بتاريخ 31 آذار/مارس أنّها سوف تكون جاهزة لإختبار لقاحها الأول منذ شهر أيلول/سبتمبر 2020 ! وهنالك بطبيعة الحال مخابر أخرى على حلبة السباق للفوز بجائزة اللقاح الكبرى… في الأثناء يجب معرفة شيئين. أولاً، جميع اللقاحات التي تم تصنيعها على عَجَلٍ تبّين تاريخياً أنّها قليلة الفاعلية بل خطيرة على صحة الإنسان.
ثانياً، إنّ اللقاح ضد فيروسٍ متحول حسب الفرضية، مثلما هو فيروس كورونا، يملك القليل من الحظّ في أن يكون فعّالاً. هذه المشكلة تزداد خطورتها لأنّ مرض كوفيد-19 يضع عدة سلالات مختلفة موضع السبب، وكلّ واحدة منها تنقسم إلى عدة متحولات.
الخلاصة أنّه لو أرادت السلطات العامّة احتواء الوباء بصورةٍ فعالة لكان عليها إذن أن تقرر معالجة العدد الأقصى من الناس، بأقل قدرٍ ممكن من التكلفة، أي كما أوصى الدكتور راؤولت وغيره من كبار الإختصاصيين في العالم أجمع. إنّ هذا المقياس في العلاج الوقائي الواسع النطاق هو المقياس الدقيق لنزاهة الحكومة الفرنسية.
بمعنى آخر، لو أنّ الحكومة كانت نزيهة لما كانت أخذت الخيار المتلكئ الحالي بما يتضمنه من عراقيل تمنع الناس من العلاج الواسع كما يوصي الدكتور راؤولت، في الوقت الذي تصبح فيه اجراءات الحجر المطبقة على الناس العاديين أكثر صرامةً بينما تستثني سكّان المناطق الخارجة على القانون ومخيمات المهاجرين.
في المقابل، لنلاحظ أنّ الحكومة الفرنسية التي، أفرغت السجون بشكلٍ واسع من سجناء الحق العام (الأمر الذي استدعى بياناً رسمياً من القضاة العاملين)، بناءَ على توصية الأمم المتحدة، تعاقب بالحبس كلّ المذنبين بتكرار مخالفة تجاوز ساعة النزهة اليومية المسموح بها أو الذين يتجاوزون المسافة المسموح لهم التنزه فيها أو الذين ينسون تصريح التجوال…
نستخلص من ذلك كلّه أمرين:
• الإرادة المعلنة بحماية السكان تخفي إرادةً مخادعة بوضعهم في حالة الصدمة ومراقبتهم بشكلٍ واسع،
• الفوضى الإجتماعية التي تتطور هي فوضى منظمة بشكلٍ واعٍ من قبل السلطات العامّة ذاتها، تحت ذريعة احتواء المرض الكاذبة.
2) ستراتيجيكا – هل هذه الجائحة مقدمة لإنهيارٍ اقتصادي و لإنهيار النظام؟ هنالك أكثر من ثلاثة مليارات من الأشخاص في العالم تم الطلب إليهم بالحجر. للمرّة الأولى في تاريخها يبدو أنّ الإنسانية نجحت في تنظيم نفسها بشكلٍ موّحد في مواجهة عدوٍّ كوني مشترك. مالذي يوحيه لكم هذا الوضع؟ هل يمكن لهذه الجائحة أن ترغم البشرية على القبول بحكومةٍ عالمية كما كان يدعو جاك أتالي خلال جائحة انفلونزا الخنازير سنة 2009؟ حينها أي سنة 2009 كان جاك أتالي يقول ” أنّ التاريخ يعلّمنا أنّ البشرية لا تتطور بشكلِ كبير ذي معنى إلّا إذا كان هنالك ما يخيفها حقاً “. مالذي توحيه لكم هذه الفكرة ؟
ف.بيغو : بالتأكيد، أظهرت العديد من المعلومات أنّه كان من المتوقع حدوث جائحة، لكي لا أقول أنّه كان من المنتظر، هذه المعلومات أتت من عدة هيئات وشخصيات من الصف الأول، يمكن لنا أن نذكر منهم لا على التعيين مؤسسة بيل وميليندا غيتس، مركز جون هوبكينز للأمن الصحي، المنتدى الإقتصادي العالمي (دافوس – من المترجم)، منظمة الصحة العالمية، البنك الدولي، جاك أتالي، مجلة “ايكونوميست” (سنة 2019 و 2020)…إضافةً إلى البريطاني غوردون براون الذي دعا صراحةً إلى حكومةٍ عالمية لمواجهة جائحة الكورونا هذه.
على الصعيد الكوني، أو العالمي إذا أردت، نحن إذن في مواجهة وضعٍ غير مسبوق في التاريخ حيث تقوم مجموعة صغيرة من الناس، مختفية خلف ستار الرساميل والهيئات الدولية ويديرها بعض الصيارفة في القطاع الخاص، بتنظيم الصدماتٍ أو بالإستفادة منها من أجل دفع أجندتهم الكونية بالسيطرة السياسية على العالم عن طريق تأسيس “حكومةٍ عالمية”.
من أجل تحقيق تلك الحكومة العالمية، يجب أولاً خلق الشعور بضرورة تنظيم الأحداث على الصعيد العالمي لدى الأقراد عموماً والقادة السياسيين خصوصاً. في الحقيقة فإنّ الجائحة هي الظاهرة التي تلبّي بأفضل ما يمكن هذا النوع من الحاجة. منذ البدء، يمكننا ويجب علينا أن نشكّ بوجود تلاعبٍ ما.
في المقابل، أضحى من البديهي أكثر فأكثر أنّ فيروس كورونا ناتج عن تركيبة تمّ اللعب بها من فيروسين طبيعيين، تركيبة تسربت لسوء الحظ من مختبرٍ واحد أو عدة مختبرات. قد لا نعرف أبداً المجرى الحقيقي للأحداث التي أدّت إلى انتشار هذا النوع من الفيروسات.
بعد ذلك، وبسبب تجانس الرد السياسي على هذه الأزمة الصحية من لدن مختلف الدول، من الضروري بكلّ تأكيد أن يزيد المواطنون الضحايا من حدّة حذرهم واستعدادهم لأنّ التلاعب أضحى واضحاً ضمن سياق خصخصة الدول.
لكن، يجب ألّا نلّح كثيراً على الضرورة المطلقة في تصنيف المعلومات التي نتلقاها. على الصعيد الشخصي، لا أعتقد أنّه يجب وضع الرد السياسي الصيني والرد السياسي للبلدان الأوروبية على سويةٍ واحدة.
من جهةٍ أخرى، يجب أن لا ننسى أنّ الصين، المعارض الحالّي المنتصر للهيمنة الإقتصادية للكتلة الغربية بقيادة حلف الناتو، كانت البلد الأول الذي يتعرض لهجوم هذا الفيروس.
كما أنّ القادة الصينيون من جهتهم وجّهوا اتهاماً علنياً للجيش الأميركي بنشر الفيروس في الصين. أخيراً، يجب أن نتذكر أنّه جرى في الولايات المتحدة خلال سنة 2019 حدثين بالغي الأهمية يمكن ربطهما ببعضهما بكل سهولة :
• نوع من الوباء الرئوي الخطير جرى تحميل المسؤولية عنه إلى صانعي السجائر الإلكترونية و
• إغلاق مختبر (فورت ديتريك – Fort Detrick) (أمر ترامب مؤخراً بإعادة فتحه لمكافحة الكورونا !) في صيف 2019، بسبب تسريبات حدثت.
أضحى من الشرعي تماماً أن نتخيل أنّ نتائج هذا التسريب لموادٍ جرثومية عن قصد أم لا (لن نعرف ذلك أبداً) قد تلقت الدعم من جانب لوبي التبغ النافذ – الأمر الذي أتاح لهذا اللوبي التخلّص من منافس وليدٍ لكنّه يشكلّ تهديداً (أي صناعة السجائر الإلكترونية) – ومباركة الهيئات الحكومية التي تفادت بالتالي تقديم كشف حساب علني.
يجب أيضاً أن نحتقظ في أذهاننا أنّ الحكومات تمت خصخصتها ولكن مع ذلك هنالك كمية من الناس يعملون بشكلِ يومي في تلك البنى الحكومية ليسوا فاسدين. لذلك، حتى في حالة وجود تسرّب جرثومي من أحد المخابر السرية لا يمكننا التأكّد أنّه عمل مقصود، من الممكن أن يكون هنالك أفراد اخترقوا تلك المخابر يعملون بأوامر مباشرة من القوى المالية هم من نظم تلك التسريبات دون علم زملائهم.
أودّ هنا أن أعود إلى موضوع وجود مختبراتٍ سرية للأبحاث الجرثومية. يجب أن نفهم أن المسألة يجب أن تطرح بنفس الطريقة التي تطرح بها مسألة الأسلحة النووية : كثير من البلدان تمتلك هذا النوع من المختبرات بشكلٍ شرعي دون أن تكون الغاية استخدامها لأغراضٍ هجومية. بنفس الطريقة، الكثير من البلدان تمتلك أسلحةً نووية لكنّ عدداً قليلاً جداً من تلك البلدان استخدمها لأغراضٍ هجومية. نحن نعلم منذ زمنٍ بعيد بتوجه القوى الأنكلو-ساكسونية وحلفاؤها لإستهداف السكان المدنيين الذين، والحق يقال، لا أهمية لهم في نظرهم بل يعتبرونهم عدداً فائضاً (نادي روما مثلاً وجورجيا غايد ستونز و أحفادهم).
على حدّ علمي، لم تستخدم الصين أبداً بطريقة هجومية لا القنبلة النووية ولا غيرها من أسلحة الدمار الشامل. بينما في المقابل لا تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الدليل على قدرتهم في استعمال هذا النوع من الأسلحة من أجل استهداف المدنيين (أضحى ذلك تخصصهم). حين يتم توضيح ما سبق وإعادة السياق إلى نصابه يصبح ممكناً الإجابة على سؤالكم الأول.
في الحقيقة إنّ الحجر على أناسٍ أصحّاء يشكّل ضربةً قوية لإقتصاديات البلدان. بحسب مدة الحجر، فإنّ هذه البلدان لن يكون بإمكانها النهوض بسهولة، خاصةً إذا كانت مثقلة بالديون. هذا النهوض يجب أن يترافق، بالتأكيد، بإعادة النظر في آلية العمل الداخلية لتلك الدول. بالمقابل فإنّ حسنات العولمة الإقتصادية، التي لطالما تمّ التغني بها، جعلت كلّ بلدٍ مرتبطاً بالآخرين، قد تلقت هي أيضاً دحضاً هائلاً بسبب هذه الأزمة الصحية التي أوضحت بجلاء العوز الصناعي الحادّ للبلدان المسماة متطورة، والتي لم تعد مكتفيةً ذاتياً بأيّ شيء. يمكننا الإستنتاج، دون خطر الوقوع في الخطأ، أنّه سيكون هناك ما قبل وما بعد أزمة فيروس كورونا.
نحن جميعاً على خط الذروة ويمكن للأمور أن تتجه، بحسب القدرة على ردّ الفعل من لدن المواطنين، إمّا بإتجاه العولمة الشاملة مع حكومةٍ عالمية، وإما باتجاه استعادة الإدارة السياسية للدول بأيدي مواطنيها.
3) ستراتيجيكا – كيف ترون تطور الجائحة وعواقبها السياسية والإجتماعية في الأسابيع والشهور المقبلة؟
ف-بيغو : إمّا أن يرضخ المواطنون للخوف، وإمّا أن يفكروا ويفهموا أنّ الخوف يالذات يتم الإبقاء عليه بطريقة مضبوطة من قبل قادتهم الذين يأخذون القرارات التي تسمح للكورونا أن ينتشر بكلّ طمأنينة، أو بالأحرى، بكلّ سهولة. هكذا، يمنع هؤلاء القادة مواطنيهم من الوصول إلى الرعاية والأدوية المفيدة في احتواء مسار العدوى في الوقت الذي يضعونهم في الحجر وقتاً طويلاً يكفي لكي يفرضوا عليهم لقاحاً مستقبلياً اعجازياً – الأمر هنا يتعلق بتطبيق ما يسمى “العبودية الطوعية” . هذا اللقاح، إضافةً إلى كلفته المالية، سوف يتم رفع قدرته، دون شك، بواسطة أملاح الألمنيوم (الذي أضحى مادةّ مضافة إلزامية) والحموض الريبية النووية المرسلة (التي تتيح القيام بتجارب وراثية على الخريطة الوراثية البشرية) وبواسطة شريحة تحديد الهوية بموجات الراديو RFID التي تتيح لأيٍّ كان أن يحصل على معاشه وأن يصل إلى حسابه المصرفي.
هذه المرحلة من اللقاح الإلزامي سوف تكون حاسمةً بكل تأكيد لناحية ضمان السيطرة المباشرة على الشعوب من قبل دعاة العولمة (الصيارفة، شركة بيغ فارما وأضرابهم). سوف يتوجب على كلّ شخص أن يخضع تحت طائلة منعه من الوصول إلى جميع وسائل معيشته. يتم الحديث هنا أنه بسبب الانهيار الاقتصادي، هناك خوف شديد من أن وسائل المعيشة لن تكون مرتبطة في نهاية المطاف بأي شكل من الأشكال بالعمل المنتج الفردي ولكن بالأحرى بدعمٍ عالمي يتم تلقيه من الدولة الدمية الخاضعة كلّياً لأوامر السلطات المالية.
4) ستراتيجيكا – هل من مخرجٍ سياسي للوضع الذي تصفونه وما هو الشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا المخرج برأيكم؟
ف. بيغو : يجب الإنطلاق من المبدأ الطبيعي أنّه يوجد حلّ لكل مشكلة بشرطٍ حصري هو أن يتم طرحها بشكلٍ صحيح. في الحالة الراهنة، يوجد بالطبع مخارج سياسية لهذه المشكلة، بل أقول إنّ المخارج الوحيدة المناسبة ذات طبيعة سياسية بالمعنى الصرف للكلمة. بمعنى آخر، إنّ استلام الإدارة السياسية المنظمة للدول من قبل مواطنيها قد يوصل إلى مخرج مناسب للسكان. وإلّا سوف نشهد انقلاباً عامّاً ترغب به الطغمة المالية العابرة للقوميات نحو حكومةٍ عالمية تسيطر عليها القوى المالية، محكوم على سكانها أن يتناقص عددهم بشكلٍ هائل ومن ثم يتحول من بقي منهم إلى عبيد.
لقد شرحت في كتاباتي كيفية إعادة تنظيم المجتمع بحيث يصبح سياسياً فعلاً، أي يصبح مواطني الدول فاعلين بعيداً عن الخيارات السياسية لدولهم بشكلٍ كلّي. يكفي العودة إلى الجزء المعنون “التجديد المؤسساتي” في الصفحة 278 وما يليها في كتابي “الأسباب الخفية للفوضى العالمية”، الذي نشرته دار Sigest في شهر آذار/مارس 2019. لن أعود الآن إلى هذا الموضوع الذي يتطلب توسعّاً طويلاً جداً. ربما يكون ذلك فرصةً لمقابلةٍ جديدة مع موقع ستراتيجيكا.
5) ستراتيجيكا – كيف تربطين الأزمة الحالية بمجال خبرتك وبحقل بحوثك؟
ف-بيغو : في الحقيقة هذه الأزمة مرتبطة بكتاباتي من عدّة نواحي. ذكرت، أعلاه، المسألة المؤسساتية لتنظيم الدول. لكنّ ذلك ليس الرابط الوحيد. الرابط الآخر المهم جداً يتعلق بالتطورات الجارية في موضوع العملة العالمية.
لقد شرحت سابقاً مرّاتٍ ومرّات أنّ البريكسيت، التي يمكن أن نحتفي بها ظاهرياً، عملية بادر إليها صيارفة سيتي أوف لندن من أجل أن يكون لديهم كامل الحرية في العمل من خلال تحررهم من القيود الثقيلة المؤسساتية في الإتحاد الأوروبي، ومن أجل قيادة تغيير العملة العالمية. كما توقع كينز، في القرن الماضي، فإنّ الدولار، بصفته المزدوجة كعملة وطنية وعملة عالمية، لم يكن منذ البدء قابلاً للحياة من الناحية الإقتصادية. لذلك فإنّ نهايته المتوقعة يمكن برمجتها. المرحلة الأولى من هذه البرمجة كانت عدم ربط الدولار بالذهب، أمّا المرحلة الثانية التي نشاهدها بشكلٍ مباشر فهي فصله عن البترول الذي حلّ مكان الذهب.
في الوقت الحالّي، اقتنعت غالبية دول العالم بعدم جدوى الإحتفاظ بالدولار كعملةٍ احتياطية عالمية. بل إنّ ترامب بنفسه قد باشر بالعمل حيث اتخذ الإجراءات اللازمة لدمج الإحتياطي الفيدرالي مع وزارة الخزانة بهدف إيجاد نوعين من الدولار، على نمط اليوان والرنميبي في الصين : دولار داخلي ودولار خارجي كعملةٍ صعبة يتم تداولها في الأسواق العالمية. إنّ إعادة التهيئة المالية تقترب بخطواتٍ كبيرة إذن. لذلك من الممكن أن نشهد ولادة عملةٍ عالمية قابلة للحياة، يسيطر عليها الصيارفة بلا ريب، على شكل سلةٍ من العملات يتم تداولها بشكلٍ غير مادّي (ملموس – من المترجم) إطلاقاً.
لن أسرد التفاصيل هنا – لأن التوسّع سوف يكون طويلاً جداً – حول عملية النصب المصرفي الأصلية التي اعتبرت العملة معادلاً لشيءٍ مادي (في البداية كان معدناً ثميناً) في التجارة. تاريخ كامل، أرويه في كتابي، الذي كتبته بالإشتراك مع الخبير المصرفي جان ريمي، بعنوان ” حول روح جديدة للقوانين وللعملة “، والذي نشرته دار النشر Sigest في شهر حزيران 2017.
إنّ نهاية الدولار كعملةٍ عالمية هو الشرط الأساسي الذي لا بدّ منه لكي تأتي محله عملة عالمية قابلة للحياة، على الأقل بحسب المعايير الإقتصادية والنقدية التي فرضها الصيارفة العالميون. ولكنّ نهاية الدولار كعملةٍ عالمية تفترض نهاية الهيمنة والإمبراطورية الأميركية. لذلك يصبح سهلاً أن نفهم المعارضة العنيفة التي أبداها بعض الأعضاء المقررين في تلك الإمبراطورية، ولايزالون يعارضون بعنف هذا المشروع الذي سوف يفضي إلى زوال هيمنتهم. هذا الجزء من القادة الأميركيين الذين ينتفضون يمكن وصفهم بالوطنيين، إنهم أناس متورطون صراحةً في السيطرة على العالم من قبل الأميركيين أنفسهم. في الجهة المقابلة يوجد أشرس أعدائهم من دعاة العولمة الذين لا جنسية لهم، راسهم يوجد في سيتي أوف لندن ويعملون خلف الكواليس في سبيل الوصول إلى حكومةٍ عالمية، الأمر الذي يفترض اختفاء الإمبراطورية الأميركية. إنّ هذا التمييز بين قادةٍ وطنيين وقادةٍ عولميين، وهو أمر جوهري من أجل الفهم الجيد للأمور، يوجد أيضاً في الصين وفي روسيا حيث، على سبيل المثال، تبدو الحكومة المدنية تحت قيادة أنصار العولمة بينما يبدو الجيش في أيدي القادة الوطنيين، وبوتين يلعب دور الوصل بين الفصيلين المتعارضين. أمّا بخصوص الصين، يجب أن نتذكر عملية التنظيف الكبيرة التي حصلت منذ عدة سنوات، بما في ذلك الهيئات القيادية العليا، من أجل تطهير جهاز الدولة من النخب الكمبرادورية التي يمكن أن تكون مرتبطة بالقادة العولميين المتواجدين في سيتي أوف لندن. هذا التعارض بين القادة الوطنيين والكمبرادوريين يوجد أيضاً في بلدانٍ مثل إيران.
إذن، في هذا الصراع ذي الطبيعة الجيوسياسية، المتمحور حول قضايا حقوقية في مجال تنظيم دارة التحكم، لا شيء يبدو لي نهائياً لا بالنسبة لهذا المعسكر ولا للمعسكر الآخر. مع ذلك من الممكن أن نتوقع أنّ الإنتصار سوف يكون ساحقاً لصالح الوطنيين شرط أن يتحالفوا مع شعوبهم وأن لا يسعوا للهيمنة عليها مثلما كان حلفاؤهم الكمبرادور السابقون يغرسون في أذهانهم.
لا شيء يقاوم تحالف القادة الوطنيين مع شعوبهم. هذا التحالف تحديداً ما تخشاه قوى العولمة. لنلاحظ على هذا الصعيد أنّ التدابير المقيّدة للحرية التي أمرت بها مختلف الحكومات من أجل مكافحة الكورونا تتجه ضدّ هذا التحالف الطبيعي الذي سيسمح بفوز الوطنيين على العولميين. الأمور ليست سهلة كما ترون…وبلا ريب فإنّ “جائحة الكورونا” وصلت في الوقت المناسب لدعم استراتيجية العولميين الذين أصبحوا في حالة ضعف…
من جهةٍ أخرى، أتاحت هذه الجائحة فسحات غير متوقعة في موضوع الشكوك العامّة باستراتيجية العولمة. هنا أيضاً يجب التحلّي بالشجاعة واقتناص الفرصة. انهي تحليلي هذا بالقول أنّ الأوراق حالياً بيدّ المدنيين: إنهم يمتلكون الإمكانية، أخيراَ، أن يحددوا مصيرهم بأيديهم، وهي ظاهرة فريدة في التاريخ. وهذا يعني، بكلّ دقة، أنهم قادرين على إقامة جكوماتٍ سياسية بدلاً من وفي مكان النسخ الحالية التي تحركها القوى المالية. سوف يكون للشعوب ما تستحقه : سوف تجني ثماراً وفيرة إذا قبلت أن تأخذ زمامها بيديها – مقابل القليل من الشجاعة… لكن هل ستقبل الشعوب؟ هذا هو السؤال…أنتهز هذه الفرصة لتوجيه التحية إلى العمل الذي جرى في فرنسا في إطار الهيكلة السياسية من قبل السترات الصفراء الذين استوعبوا بشكلٍ تام واسستبقوا هذه الإشكالية الجوهرية.
أخيراً، سوف تسود القوانين الطبيعية، التي لطالما داسها العولميون بأقدامهم، وسوف تعود الأمور إلى انتظامها : إمّا أن نناضل بشكلٍ جماعي لكي نستمر بالعيش بشكلٍ جماعي، أو تكون نهاية الحضارة والحرية، بما في ذلك حرية العيش والموت. 4-4-2020 المصدر: https://strategika.fr/2020/04/01/geopolitique-du-coronavirus-entretien-avec-valerie-bugault