حياة الغطرسة في المدينة الزمردية!
ترجمة واعداد: عزام مكي.
تحت هذا العنوان اصدر المدير السابق لصحيفة الواشنطن بوسط في بغداد، راجيف شاندرا سكاران ، كتابه الذي يصف فيه الحياة في المنطقة الخضراء بعيد الغزو الامريكي للعراق. وقد نشرت الغاردين اللندنية ملخص لثلاث فصول من الكتاب بقلم المؤلف نشر على ثلاثة اعداد ابتداء من 19 شباط 2007.
وفيما يلي الجزء الثاني من الترجمة
جندي امريكي يقفز في حوض السباحة في القصر الجمهوري
المشروع
لقد اراد الرئيس بوش ان يتولى زمام اعادة اعمار العراق الاشخاص “المناسبين” لهذه المهمة. ولكن ولسؤ حظ البلد، فان “المناسبين” كانت تعني الولاء للرئيس بدلا عن الخبرة. من ضمن ما تحدث عنه في الجزئ الثاني من ملخصه الذي نشرته الغاردين بتاريخ 20 شباط2007، هو وكيل العقارات، البالغ من العمر 24 سنة، والذي اُنيطت به مسؤولية سوق الاوراق المالية (البورصة)
لقد استقطبت فرصة المشاركة في العملية التي قادتها اميركا لاعادة اعمار العراق، كجزء من سلطة الإتلاف المؤقتة (CPA) والتي ادارة الحكومة العراقية في الفترة من نيسان 2004 الى حزيران 2004، اعداد كبيرة من الامريكان ومن مختلف المشارب: مهنيين متفانين؛ اكاديميين يتكلمون العربية؛ اخصائيون في التنمية؛ مغامري حروب. ولكن قبل ان تسنح لهم فرصة الذهاب للعراق كان عليهم اولا المرور على مكتب “جيم أُوبيرن” في البنتاغون.
للتمكن من اجتياز الامتحان مع “أُوبيرن”، المسؤول عن غربلة التعيينات السياسية لمناصب في وزارة الدفاع، لاتوجد حاجة لاصحاب الطلبات ان يكونوا خبراء في شؤون الشرق الاوسط او خبراء في التعمير بعد الحرب. ما كان يبدوا مهما جدا ومطلوبا هو الولاء لإدارة بوش.
وغالبا ما يتم اختيار المرشح بعد مكالمة من احد الجمهوريين من ذوي الصلات الجيدة. كما ان بعض الاشخاص تم تعيينهم من قبل الرئيس شخصيا.
ان اسئلة موظفي “أُوبيرن” التي طرحوها في مقابلات التوظيف، اذا أُستخدمت في القطاع الخاص يمكن ان تُزج بهم الى المحكمة. ( لقد تم استثناء البنتاغون من معظم لوائح العمل لانها تؤجر اشخاص- من خلال استخدام لنص غامض في القانون الاتحادي- كتعييين سياسي مؤقت). هل صوتت لصالح جورج بوش في عام 2000؟ هل تساند الاسلوب الذي يستخدمه الرئيس في الحرب على الارهاب؟
اثنين من موظفي سلطة الإتلاف قالوا بانه سُئلوا اذا كانوا يؤيدون القرار الذي يجيز قانونيا الاجهاض في الولايات المتحدة. احد العاملين في سلطة الإتلاف السابقين، والذي كان له مكتب قرب مكتب الاتصال للبيت الابيض، كتب رسالة الكترونية لصديقه يصف طريقة التعيين:” لقد شاهدت العديد من شهادات “السْيّر الذاتيه” لاشخاص موهوبين، سعوا الى سلطة الإتلاف لاجل مساعدة البلد، تُرمى في سلة المهملات، بسبب عدم امكانية التأكد من جدية التزامهم ب “رؤية الرئيس عن العراق” (الجملة التي يتردد صداها دائما في CPA).
وقد اخبرني موظف آخر في سلطة الإتلاف بانه عندما ذهب الى البنتاغون من اجل مقابلة التوظيف، اندفع احد نواب “أُوبيرن” في حديث استغرق 10 دقائق تناول فيه قضايا سياسية داخلية تتضمن نصوص تعارض الاجهاض وتساند حكم الاعدام. لم يكن هذا الموظف من المؤيدين لما سمعه، لكنه ظل طوال الوقت يهز برأسه موافقا. ” لقد شعرت بضرورة الموافقة اذا كنت اريد الذهاب الى بغداد” هكذا قال لي هذا الموظف.
لم يكن يملك الذين تم اختيارهم من قبل مكتب “أُوبيرن” المهارات والخبرات الحيوية اللازمة لاداء المهام التي انيطت بهم. فمثلا فقد كُلف شخص كان يبلغ من العمر 24 سنة، كان قد طلب الحصول على عمل في البيت الابيض، لم يشتغل في حياته في الشؤون المالية بمهمة الاشراف على اعادة فتح سوق الاوراق المالية (البورصة) لبغداد. او ان يتم اقناع احدى خريجات الجامعة الانجيلية فرع التدريس البيتي وهي ابنة احد المحللين السياسيين المهمين من مجموعة المحافظين الجدد، لتقوم بالاشراف على ميزانية العراق البالغة 13 بليون دولار، حتى ولو كانت بدون اي خبرة في الحسابات.
” انا لست هنا من اجل العراقيين، ” قال احد الموظفين. ” انا هنا من اجل جورج بوش.”
ان القرار بارسال الموالين والراغبين، بدلا من الاحسن والالمع، أُعتبر من قبل الكثيرين الآن واحدة من اخطر اخطاء الادارة الامريكية. وحسب الكثير من الذين شاركوا في جهد اعادة البناء فان الكثير من الذين تم اختيارهم بناء على اخلاصهم السياسي قضوا وقتهم لاجل فرض برنامج عمل محافظ على فترة الاحتلال مابعد الحرب، والتي ادت الى استبعاد جهود لاعادة البناء اكثر اهمية وبدورها ادت الى تبديد الاراده القوية لدى العراقيين.
بعد ان مُنحت بلايين الدولارات ضمن صندوق اعادة الاعمار للحكومة الامريكية وتوفر الاجواء الهادئة نسبيا، بعيد الغزو الامريكي مباشرة، كانت سلطة الإتلاف المؤقتة امل الحكومة الامريكية الاول والافضل لانعاش العراق- لتأسيس النظام، تشجيع اعادة الاعمار و تأسيس حكومة صالحة، الشئ الذي كان من الممكن مجتمعا، حسب ما يعتقد الخبراء، من ان يحجم التمرد وان يقلص من امكانية حدوث حرب اهلية. ان معظم تلك المهام والتي يعاني الامريكان من اجل تحقيقها الآن في العراق مثل تدريب الجيش، تدقيق وضع الشرطة، وزيادة توليد الطاقة الكهربائية، كلها كان يمكن تحقيقها بشكل مؤثر وجيد في عام 2003 ومن قبل سلطة الإتلاف المؤقتة.
ولكن الكثير من العاملين في سلطة الإتلاف المؤقتة، كانوا مهتمين بأمور اخرى: في فرض الضرائب، في بيع ممتلكات الدولة، في انهاء البطاقة التموينية وعدا ذلك في تشكيل بلد جديد يشبه الى حد بعيد الولايات المتحدة. لقد كانوا طوال ايام بقائهم، منعزلين في الجيب المحصن للمنطقة الخضراء.
كان جاي هالين (24 سنة)، رجل متفان، مع ذلك لم يكن محب جدا لعمله في شركة العقارات. كان له ميل كبير نحو الشرق الاوسط، ورغم انه لم يكن قد زار المنطقة في حياته، مع ذلك فانه كان مفتون بشكل كاف لان يأخذ دروس في اللغة العربية وقراءة تاريخ المنطقة في اوقات فراغه.
لقد كان لديه شعور مختلط فيما يخص حرب الاطاحة بصدام، لكنه نظر الى الاحتلال الامريكي كفرصة ناضجة وكان سعيدا عندما اخبرته سلطة الإتلاف المؤقتة بأنها تريده في بغداد. ولكن في اليوم الذي وصل فيه المدينة، التقى بمسؤوله الجديد، توماس فولي المسؤول الرسمي في سلطة الإتلاف المؤقتة عن عملية الخصخصة، الذي اخبره بأنه يريده ان يتولى مسؤولية اعادة فتح سوق الاوراق المالية (البورصة).
” هل انت متأكد؟” سأله هالين. “فليست لدي اي خبرة في الشؤون المالية.” انه حتى لم يكن متابعا لاسواق الاسهم في الولايات المتحدة. انه لم يدرس الاقتصاد.
” لابأس في ذلك، ” اجابه فولي.
يتبع
2020-04-11