سماهر الخطيب. قرأت مقالاً للكاتب والإعلامي د. سامي كليب بعنوان “تأملات في زمن كورونا” أيقظ في تلافيف العقل ذكريات جميلة وحرّك في شغف القلب نبضات تحنُّ للطبيعة.. والأكثر سؤال ما الذي تغيّر؟ ما الذي أحدثه كوفيد التاسع عشر؟ ما العِبرة؟ ما الغاية؟ ما هي الدروس التي حاضرنا بها هذا الكائن الصغير الذي لا يرى بالعين المجردة وجرّدنا من كل ما اعترانا طوال سنين واكتنزناه في تلك السنين ظناً منا أننا بتنا اليوم أقوى وأنجع وأعنف وأرقى وأفضل وأجمل فجرّدنا من كل ما ظنناه مُلكاً لنا ونصّب نفسه مَلكاً علينا بل إمبراطوراً على العالم أجمع من مشرقه حتى مغربه الكل بات يتمتم باسمه. كوفيد التاسع عشر لا يعرف حدود ولا يميز بين البشر لا فرق عنده بين أبيض وأسود ولا يفرّق في الجنسية فلكل عنده جنس واحد من ماركة البشرية ولا يميز بين الطوائف ولا الأديان أينما كنت ومهما كنت ومن أي ملة أنت لا يهم فأنت معرّض في أي لحظة أن تكون ضحيته الجديدة وليس لديه استثناءات عادل هو بظلمه للجميع يفتك بجنسنا بلا هوادة. صاحب السلالة الجديدة من عائلته جاء ليفتك بسلالتنا بلا رحمة ولا شفقة، هذا ما يتراءى لنا في الظاهر طالما بتنا ساذجين تغرينا ظواهر الأشياء ونحكم ونحتكم بظاهرها وفي مكامن الأشياء ومضامينها تكمن العبرة والفكرة. فباطن كوفيد التاسع عشر ليس ظالماً كظاهره فهو حمل لنا ما فقدناه منذ زمن بعيد حمل لنا ذاتنا الإنسانية وأعطانا إياها بكل رحابة صدر منحنا بقواعده التي أملاها علينا بلا مناقشة كالأوامر العسكرية “نفذ ثم اعترض” ومع تلك القواعد منحنا الكثير لنعيد ترتيب ذاتنا المبعثرة مع الزمن، منحنا مسافة أمان في زحمة الحياة التي ظننا أننا نحياها هانئين ليتضح لنا أننا كنا خيالات متنقلة بلا إحساس بالعيش أو حتى الموت. ليبدأ كل منا بمراجعة نفسه بالتغلغل في خلايا نفسه قبل أن يتغلغل هو في خلاياها.. سأبدأ بنفسي التي جعلتني تأملات الزميل سامي أدخل في أعماقها وأنتشل ما خزنته ذاكرتي من تفاصيل تاهت مني في زحمة الحياة وجاء كوفيد التاسع عشر ليوقظها من كبوتها.. أعادني إلى تلك القرية الجردية ومنزلنا الريفي وحديقته الخضراء المتنوعة الأشجار والنباتات وأشعة الشمس المتدلية من نافذة الغرفة مع تلك السيمفونية الطبيعية التي يعزفها ما اجتمع من عصافير اجتمعت لتعلن الصباح الذي تهيء قبل قليل ذاك الديك القابع تحت النافذة ليعلن موعد الشروق.. ولا يكتمل المشهد بلا أصوات والدي وهما يقودان تلك الأوركسترا بنداءاتهم أن حيّ على العمل.. ولا أخفي أنزعاجي حينها لطالما كنت أكره الإستيقاظ باكراً إنما لا مهرب لا بدّ من الإستيقاظ وتحضير الزوادة ومرافقة والدي إلى الحقل قبل أن تشتد الشمس بحرقتها نجهز الزوادة وفي أغلب الأحيان كانت والدتي من يجهزها حتى تستيقظ ابنتها الكسولة. وأصعد مع والدي على الجرار الزراعي فهو كان الأنسب لتجاوز تلك الطريق الزراعية الوعرة قادر على صعود الهضبة لتصبح القرية أمامي كسجادة منقوشة بإتقان ما بين المنزل والآخر بستان وتتداخل الألوان ما بين الأخضر والبني والرمادي والقرميدي حتى تتلاشى البيوت ونبدأ بالانحدار نحو الحقل الذي تقوقع في الوادي والجبال تحيطه من جهاته الأربع. كانت الطريق تزداد وعورة في انحدارنا حتى نصل مقصدنا الحقل ليبدأ والدي بحراثة الأرض وأرمي خلفه بذار القمح أو الحنطة وفي كثير من الأحيان يأتي معنا من يساعده وهو ما كنت أفضله حينها. وتشتد الشمس بحرارتها مع حرارة النار التي أشعلتها من الحطب الذي استحصلت عليه ومن الشيح المتواجد بكثرة في أرضنا لأضع عليها أبريق الشاي ونفرد الزوادة نجلس على التراب لا شيء سوى التراب ونستظل بظل شجرة كانت شامخة تعلم بأنها تظلنا بظلها من الأشعة الحارقة نأكل ما حملناه من زوادة لنعود إلى متابعة العمل. وفي أحيان كثيرة يتابع والدي عمله لأستلقي تحت الشجرة ولا شيء تحت رأسي سوى حجر وجدته هناك أضع عليه يدي متأملة ما حولي مشرّعة الباب لأحلامي ومخططاتي المستقبلية فأغفو دونما انتباه حتى استيقظ ثانية على صوت والدي.. لطالما كنت أعذبه في طبعي هذا “أحب النوم” وهو يكرهه دائماً. ونعود سوية إلى القرية لتستقبلنا والدتي بضحكتها المعهودة وكلماتها المحفوظة في مسمعي “يعطيكن العافية” والمضحك أني أصل جائعة لأجد والدتي قد حضرت لنا الغداء بكل ما تمتلكه من حب وطيبة أفرغته في أوانيها منتظرة قدومنا.. هكذا كانت يومياتي في القرية وأحياناً نذهب للحصاد الذي كانت تنتفخ يدي منه ولا مجال للمراوغة هنا فعلينا أن نحصد ما زرعناه ولم أكن لوحدي بل مع أشقائي وفي كثير من الأحيان يأتي معنا أبناء جيراننا فذلك كان إحدى عاداتنا ولا زالت باقية إلى اليوم نساعد بعضنا البعض في عمل الأرض.. وأحياناً نذهب لقطف ثمار الكرز والمشمش حين يأتي موعد قطافه أو نذهب للغراس التي كان يجلبها والدي بتشكيلتها الفريدة من نوعها لنذهب إلى غرسها وما كنت أكرهه آنذاك الإهتمام بها كان يأخذ وقته مع بداية كل صباح نذهب لسقايته وتقليمه وتنظيف للحشائش الضارة بها “وكأنما ينقصني هذا الغراس الآن”.. ذاك ما كنت أتمتم به.. صراحة لم أكن عاشقة لذاك العمل الإضافي لعملي في مدرسة القرية وفصل الصيف لم يكن للتنزه والسفر والاستجمام هو فصل الحصاد والقطاف وتحضير المؤن منذ ذلك الوقت وأنا أحب فصل الشتاء يجعلني أنام كثيراً لكنني أحياناً أستيقظ باكراً جداً لأساعد والدتي في وضع العلف للخراف التي كانت خلف بيتنا.. أو الذهاب للحقل مع والدي كما أسلفت سابقاً.. نعم حياة زراعية بكل ما للكلمة من معنى عشتها بكل تفاصيلها ولطالما كنت أكره تفاصيلها.. كل شيء نأكله كان صنيعة أمي الجبن واللبن والخضار المجففة لفصل الشتاء والمربيات.. كل شيء كان ذاتي الصنع يحمل توقيع والدتي.. الغريب في الأمر أني أحن لتلك اللحظات كعاشقة لها ولطالما كنت أكرهها في لحظتها.. الأشد غرابة أني أحنُّ إليها اليوم ورغم ما وصلت إليه من نتائج لتمردي على عادات وتقاليد قريتي التي كان أهلها يسموني بالمتمدنة لأني أرتدت المدينة ولبست الزي المدني كما يسمونه حينها وكنت من الفتيات القليلات أو النادرات في التعليم والتعلم والعمل بمعنى تجاوزت الكثير من العادات والتقاليد السائدة في قريتي. وسافرت بعيداً عنها لأحقق ذاتي التي أردت صنعها بعيداً عن تلك التفاصيل القروية ووصلت إلى مرحلة الدراسات العليا وليس فقط الدراسة الجامعية وبتّ اليوم صحافية مشهورة نوعاً ما على الأقل في محيطي.. كنت لا أفقه شيء من التكنولوجيا والتقنية الحديثة وبت اليوم مدمنة عليها ونسيت إدماني الذي لطالما كان والدي يكرهه “النوم” نعم نسيته ونسيت معه طبيعتي القروية رغم أني على تماس مباشر مع قريتي لكنني أضعت تفاصيلي الصادقة والعفوية في زحمة الحياة.. ما الذي أحدثه كوفيد التاسع عشر ليوقظنا من كبوتنا ويعيدنا إلى طبيعتنا البشرية بلا مواد تجميل وبلا تنقيح لكلماتنا وعباراتنا.. جعلنا ندرك جمال طبيعتنا البشرية بعيداً عن المجاملات الإجتماعية المصطنعة.. جعلنا ندرك أننا سواسية في الخلق دون تمييز بين دين أو لون بل أغلق دور العبادة جميعها لتكون الصلاة في قلوبنا بعد أن تصلبت بالكره وغلّفت بالبغيضة.. جعلنا نشعر بقيمة كل سلام وكل حضن وكل كلمة تفوهنا بها وكل تصرف قمنا به ونعيد النظر به إن كان صادقاً أم لا.. جعلنا ندرك قيمة كبيرنا وصغيرنا بل جعلنا ندرك قيمة بعضنا البعض وأهمية حياة الآخرين لإنها انعكاس لأهمية حياتنا.. أيقظ في داخلنا ذاتنا المبعثرة مع الزمن.. وبعثر ما اكتنزناه من كذب ونفاق.. عرّانا من تملقنا وتعجرفنا وألبسنا ثوب المساواة الصادقة لم يفرّق بين أطياف جنسنا بل فرّق ما بين طبيعتنا البشرية وطبيعتنا الإيكولوجية وفضلها علينا لتنعم سمائها وأرضها بالهدوء والسكينة بعيداً عن ضجيجنا الصارخ الذي أحاط بكل شيء بل أضرّ بكل شيء حولنا.. ربما أراد أن يعلمنا معنى الحياة.. أرادنا أن نعانق أنفسنا ونقبّل أرواحنا ونصافح قلوبنا.. فهي تستحق بعد ما تكبدته من عناء.. أراد منا الصفاء الذهني والنقاء الروحي والهدوء النفسي.. والأهم التصالح مع ذاتنا وذواتنا من حولنا.. شكراً كوفيد التاسع عشر أعادني إلى تلك القرية بل إلى ذلك الحقل وذاك الحجر الذي وضعت رأسي عليه تحت شجرة اللوز ونمت ساعات هنيئة بلا هاجس الخوف ولا تفكير بمستقبل بائس.. شكراً للأستاذ والزميل سامي كليب على تحفيزه لذاكرتي وقلمي في مواجهة ذاتي.. شكراً كوفيد أيقظت إنسانيتنا من كبوتها.. وشكراً لله الذي أنعم علينا بنعم لا تعد ولا تحصى ومنحنا الفرصة لإعادة برمجة ذاتنا باتحاد عقلنا وقلبنا وإنسانيتنا.. وشكراً لوالدي وأطال الله بعمرهما اللذين لم أعي قيمة ما علموني إياه إلا مؤخراً فلطالما كانا يحبان الأرض والعمل بها ولطالما علماني حب الأرض والعمل بها فهي تعطي من يعطيها وبأني إبنة الأرض وابنة الحياة هذه كلماتهم وهذا ما أيقظه كوفيد التاسع عشر في داخلي..