تحسين المنذري. شكلت إنتفاضة تشرين نقلة نوعية في الحراك الاجتماعي ـ الاحتجاجي اذهل كل المتابعين وكانت عملية فعل مدروسة أدت الى ردات أفعال من سلطات المحاصصة غير متزنة تذبذبت مابين الاعتراف بشرعية المطاليب والمظاهرات ومحاولات تقديم بعض الحلول المؤقتة وصولا لإستخدام مفرط للعنف مرورا بمحاولات مزيفة لتوجيه إتهامات العنف الى المتظاهرين مرة والى مدسوسين وطرف ثالث في مرات عدة، إلا إن كل تلك المحاولات لم تستطع أن تخفي حجم الانهيارات التي كانت تبرز للعيان ومازالت بين رؤوس العملية السياسية، أي كبار الفاسدين، على شكل تصريحات متناقضة أو رميا لكرة النار في ملعب الاخر ، حتى تتوج كل ذاك بإستقالة الحكومة ، أي تلبية لاحد مطالب المحتجين الرئيسية. لكن هل سيمر ذلك بسلام؟ الحقيقة تشير الى إننا لو جردنا الكتل السياسية المتنفذة من الاستعانة بخبرات آخرين تخادمت معاهم لعقود طوال، فإن الخبرة التي أكتسبتها هي على مدى ستة عشر عاماً لايمكن الاستهانة بها فتلك الاعوام كافية ليكمل التلميذ البكالوريوس إذا دخل الصف الاول الابتدائي بسنتها الاولى… فكيف بمن لديهم خلفية سياسية وتجربة وأهداف خلقت لهم قواعد إقتصادية وسياسية بل وحتى إجتماعية بالاضافة الى حجم المكاسب الشخصية لقادة تلك الكتل ولاعضائها بمختلف المستويات والتي لايمكن لهم التنازل عنها بسهولة، على هذا فإن الانتفاضة تواجه الان أكثر من خطر وعلى عدة أصعدة تتراوح مابين الالتفاف على المطاليب بطرق شتى كالاستعانة بالمذهب أو المراوحة السياسية بل وحتى الاستفادة من تدخل قوى خارجية وصولا الى إستخدام أساليب العنف التي بدأتها منذ اليوم الاول للانتفاضة في بداية شهر أكتوبر المنصرم . لذا فإن الحنكة السياسية تفرض نفسها على المنتفضين ومن يتصدى لقيادتهم ولابد أن تأخذ دورها من الان والاستمرار بالمبادرة قبل أن تتحول سلوكيات الانتفاضة اليومية الى ردة فعل لما تبادر به السلطات المحاصصية .وأعتقد إن إختيار رئيسا للوزراء من أي كتلة كان أو حتى مستقل سيعطي القدرة للسلطات الحاكمة لاخذ زمام المبادرة وتسيير الامور بما تشاء هي .لذلك فإن المطلوب الان أن تنتقل الانتفاضة من مرحلة الرفض فقط والرفض لكل الكيانات والشخوص السياسية التي برزت منذ 2003 وهذا حق مشروع وإيجابي جدا الى مرحلة طرح خطط البناء لما بعد تغيير أسس العملية السياسية وكيفية الوصول لذلك، وإلا فأن الاكتفاء برفع الشعارات وترديد الاهازيج سوف يسمح لقوى منظَّمة أخرى بأخذ زمام المبادرة مثل ماحصل في بلدان أخرى سبقتنا بالانتفاض وبقيت الانتفاضة سائبة هلامية الملامح فتصدرت قوى اخرى لقيادة الدفة ( مصر : تحالف العسكر مع الاخوان، تونس: الاخوان المسلمين ، ليبيا:الاستعانة بالتدخل الخارجي ومازال نزيف الدم مستمرا، سوريا: الاستعانة ليس فقط بالعامل الخارجي وإنما حتى بمنظمات إرهابية ومازالت سوريا نازفة) لذا فإن بروز قادة ميدانيين لهم القدرة على إيصال رأي المنتفضين الى العالم بات أمراً ضروريا جدا ، وحتى لو لجأ المنتفضون للتفاوض مع السلطات فبالإمكان ترتيب مستلزمات الامان لهم ولعوائلهم من غدر السلطات، عن طريق مثلا مكتب مفوضية الامم المتحدة في بغداد ليكون مقرا وراعيا للمفاوضات وفي نفس الوقت سكن مؤقت للمفاوضين وعدم الاعلان عن إسمائهم وهوياتهم للملأ لحين الوصول الى حلول تؤمن نجاح الانتفاضة وتحقيق أهدافها ولو حتى بنسبة لا تصل الى المائة بالمائة لكنها تشذب نفوذ المحاصصين وصولا لإسقاطهم نهائيا وفي نفس الوقت تؤمن حيوات المفاوضين ومستقبلهم ، وقد تكون هناك حلول اخرى لنجاح المفاوضات كوجود وسيط مؤتمن يوافق عليه طرفا القضية، إن الاستمرار بالرفض السلبي أعتقده لن يقود للنجاح دائما، فلابد أن تكون هناك منهجية للرفض وخطوات مدروسة ومحسوبة العواقب . دماء الشهداء عزيزة جدا ولا يريد أحد التفريط بها جهود المنتفضين والمساندين بشتى الاشكال عظيمة جدا ولا أحد يريد لها الضياع 2019-12-02