لا تقتصر الأزمة المحيطة بالاقتصاد الأمريكي خلال الوقت الحالي على موضوع الإغلاق الحكومي ووقف العمل في المؤسسات العامة للدولة، بل تتعدى الأزمة ذلك في ظل تفاقم أزمة المديونية الأمريكية. تلك الأزمة ليست وليدة اللحظة، إنما هي عبارة عن مجموعة من التراكمات والأزمات الاقتصادية المتوالية التي أودت بالاقتصاد الأمريكي نحو الهاوية.
راديكال – طلال عبدالله
كنّا قد تناولنا في العدد السابق لمجلة راديكال وضمن باب “ذاكرة نابضة” تحليلاً للأزمة المالية العالمية التي ضربت المراكز والأطراف الرأسمالية بمقالة حملت عنوان “2008، لم تكن أزمة مالية!“، وقمنا بتسليط الضوء على جذور تلك الأزمة، لنخلص إلى فكرة مفادها أن الرأسمالية هي نظام مأزوم في حركته الكلية، من التسطيح بمكان وصف أزمة 2008 على أنها أزمة مالية يمكن تجاوزها إلى الأبد من خلال جراحة تجميلية مالية كذلك. الرأسمالية هي تكوين لنظام اقتصادي اجتماعي يفرض أقسى العقوبات على البشرية، والرد الثوري عليها لا يمكن أن يكون من داخلها!
كارل ماركس، كان أول من درس “الطابع العالمي للرأسمالية”، انطلاقاً من كون “الإنتاج للسوق العالمي” هو حجر الأساس فيما يتعلق بنمط الإنتاج الرأسمالي. وذهب ماركس من خلال مؤلفاته إلى قضية مستقبل الرأسمالية، وتناقضات النظام الرأسمالي. أما لينين فقد بيّن من خلال كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” بأن الإمبريالية مرحلة تتميز من الجانب الاقتصادي بالاحتكارات الكبرى من خلال تركيز كلاً من الإنتاج ورأس المال في يد الطبقة البرجوازية الحاكمة، ناهيك عن اندماج “رأس المال المصرفي” و “رأس المال الصناعي” فيما عرفه لينين بالـ “أوليغاركية المالية”.
وقد أشار لينين أيضاً من خلال كتابه إلى أن موضوع “تصدير رأس المال”، وخلص إلى ملاحظات مفادها أن ذلك الموضوع هو عبارة عن عملية تتحول من خلالها الدول الرأسمالية إلى أجسام طفيلية تعيش على استغلال البلدان المستعمرة والمستضعفة (دول الخليج العربي أنموذجاً)، تلك بالضبط هي الواجهة الزجاجية التي تلف الولايات المتحدة، والتي تعيش أزمة حقيقية منذ التسعينيات، ولربما قبل ذلك، ولا تزال!!
أزمة المديونية، اللجوء إلى الاستدانة لتسديد الفوائد المستحقة على الديون!!!
أغلقت الحكومة الأمريكية أبوابها مطلع شهر تشرين الثاني/أكتوبر، وذلك عقب فشل صنّاع القرار في واشنطن من الاتفاق على صيغة للموازنة الخاصة بالعام المالي 2014، والذي بدأ في تشرين الثاني/أكتوبر الحالي، فيما لا يزال موضوع المديونية الأمريكية يؤرق أرباب البيت الأبيض، إذ تقف الولايات المتحدة على أبواب الإفلاس إذا لم ينجح مهرجو البيت الأبيض من الخروج بصيغة للاتفاق على “رفع سقف الديون” حتى يوم الخميس المقبل.
فشل صنّاع القرار في الاتفاق على صيغة للموازنة جاء بسبب الخلاف الذي نشب بين الديمقراطيين والجمهوريين حول ملف “التأمين الصحي” أو الرعاية الصحية، وبالتالي أغلقت الحكومة الأمريكية، وتوقفت عن تقديم خدماتها للشعب، ومنحت أكثر من 800 ألف موظف إجازة بلا أجر، حتى التمكن من إعادة فتح الحكومة.
الأزمة إذن لا تكمن في إغلاق الحكومة الأمريكية وتوقفها عن تقديم خدماتها، بل يكمن في ارتفاع المديونية الأمريكية إلى مستويات كارثية، وارتفاع عجز الموازنة إلى مستويات قياسية!!! فعن أي “دولة” نتحدث، وعن أي “حكومة”، دولة البرجوازية وأصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال، وحكومة السماسرة قطاع الطرق أصحاب الشركات ومهندسي الحروب والكوارث!!!
وتشتمل ديون الولايات المتحدة على مجموعة من “السندات”، إذ تعرف السندات على أنها أدوات دين، تقترض بموجبها “الدولة” في حالة الولايات المتحدة مالاً من أطراف داخل الولايات المتحدة وخارجها، وتلتزم بالمقابل بدفع “فوائد” لتلك الأطراف الدائنة للولايات المتحدة.
وكانت الولايات المتحدة قد واجهت أول أزماتها في هذا المجال في العام 2011، حيث ارتفعت مستويات الدين العام في الولايات المتحدة الأمريكية لتسجل 98 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فوق حاجز الـ 14 تريليون دولار أمريكي، فما كان من صناع القرار في البيت الأبيض سوى رفع سقف الديون الأمريكية إلى 16.394 تريليون دولار، وذلك لتتمكن الولايات المتحدة من الاستدانة مجدداً.
هذا السيناريو تكرر مطلع العام الجاري 2013 مع تجاوز الديون الأمريكية للسقف الحالي عند 16.394 تريليون، فقامت الحكومة برفع السقف بواقع 700 مليار دولار، وذلك ظنّاً منها أنها ستتمكن من تدارك الموقف قبيل نهاية العام المالي 2013، وما إن انتهى العام المالي 2013، حتى برزت المشكلة من جديد!!!
أما الوقت الراهن فيشهد ارتفاع المديونية الأمريكية فوق تلك المستويات، وما هي إلا أيام وسنشهد إعلان “إفلاس الولايات المتحدة” إذا لم يتوصل صنّاع القرار هناك إلى استصدار قرار من شأنه رفع سقف الديون مرة أخرى بحلول يوم الخميس السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2013، وذلك في محاولة لتمكين الولايات المتحدة من الاستدانة مجدداً، وعدم التخلف عن سداد ديونها!!
ذلك بأن تلك الأنظمة تروج لكون “الديون” هي شيء جيد، بل هو مفتاح النجاح الذي يمكنك من المسير في طريق الاستثمار والنجاح وتكوين الأموال بأموال لا تملكها أصلاً، ذلك ضمن إطار الأفراد، أما ضمن إطار الحكومات، فالديون سمة عامة في نظرهم للاقتصاديات الصناعية والمتقدمة، إذ أن الحكومات والدول تلجأ إلى الاستدانة للقيام بعمليات تنمية!! تنمية لا ترى من الوجود سوى مراكمة رؤوس الأموال في يد واحد بالمئة من المجتمع!!!
ومن ناحية أخرى، فستشهد الولايات المتحدة بكل تأكيد “نقصاً حاداً في التمويل” في حالة عدم رفع سقف الديون، مما يجعلها عاجزة تماماً عن الوفاء بالتزاماتها الداخلية كحكومة، وبذلك يتبين حجم تهاوي المنظومة الرأسمالية بمجملها، إذ تترنح الولايات المتحدة اليوم ضمن مشهد واضح رسمه ماركس ولينين من بعده لانهيار الإمبريالية.
خلص لينين من خلال كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” إلى التعميم الآتي: “الرأسمالية تشهد طورها الأقصى والأخير أي الامبريالية، وحسب التناقضات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة فيها فإن هذه المرحلة تمثل قنطرة انتقالية وتخلقاً نوعياً يفضي إلى نظام اجتماعي اقتصادي أعلى – أي وبين قوسين (الاشتراكية)” ضمن إطار الثورة الاشتراكية التي سيقودها عمّال الولايات المتحدة لربما.
النظام الرأسمالي يحمل في داخله مكونات تدميره
إن انهيار الولايات المتحدة بصفتها تتربع على عرش القوى الإمبريالية في هذا العالم سيقود انهياراً لهذا النظام برمته، ومن الواضح بأن الانهيار سيبدأ بالمراكز، لتتهاوى الأطراف عقب ذلك كقطع الدومينو، وذلك عقب دخول هذه المنظومة المأزومة في مرحلة من الركود الحقيقي، يتلوه انهياراً للولايات المتحدة بشكلها الحالي، تلك منظومة مأزومة بشكل حقيقي، وفي اعتقادي سيشهد أبناء جيلي من الشباب انهيارها قبيل أن تشيب شعورهم بالكامل.
الاستغلال القبيح، واضطهاد العمال في شتى أنحاء العالم، هي سمات لهذا النظام الذي يقف اليوم عاجزاً ضمن نظام سياسي شمولي، سمات ترسم الوجه القبيح للرأسمالية والمسؤول عن الفقر والبطالة والتشرد وموت العمال دون توقف.
احتكار الثروة في يد البرجوازية وليس في يد الطبقة العاملة هو أساس المشكلة، إذا كنّا نبحث عن أصول وجذور المشكلة، هي ليست أزمة مارقة تضرب الأعمدة الرئيسية للنظام الرأسمالي، هي أزمة تضرب أساسات هذا النظام، الذي بدأ بالترنح بالفعل، وما هي إلا مسألة وقت حتى ينهار بالكامل، من داخله، نظراً لكونه يحمل في داخله مكنونات انهياره.
ما زال الكثير منهم يدافع عن كون الرأسمالية هي “خلاصة النظام الاقتصادي الذي أنتج أعظم تقدم للمجتمع البشري في التاريخ”، نرد عليهم بكلمات بسيطة، الرأسمالية هي خلاصة النظام الاقتصادي الذي يسوده الجهل والفقر والعوز والاذلال والعبودية، خلاصة نظام لم يأتِ أبداً بالخير لهذه البشرية، ولا بالنفع، بل جاءت بكل ما هو مدمر، حتى على الصعيد العلمي والتكنولوجي، وبكلمات أخرى نقول لهم، بإمكانكم النظر غلى الواقع المعاش من حولكم وسترون ما تواجهه الشعوب في حياتها اليومية، وعندها سيتكشف زيف ادعاءات الرأسمالية المتوحشة والمدافعين عنها.
“لا تعجبوا إذن لرؤية صور ماركس في الولايات المتحدة، وصور تشافيز وجيفارا وكاسترو في أمريكا اللاتينية، وصور جمال عبدالناصر في الوطن العربي، لقد بدأت الجماهير بالتعطش للاشراكية، وعلى عاتق منظري الاشتراكية تقع اليوم مهمة كبيرة في الترويج لاشتراكية القرن الحادي والعشرين والتطوير عليها، بما بتناسب مع مطالب الجماهير، العربية منها والعالمية”.
مجدداً، وباختصار، لا تملك البشرية أمام ذلك المشهد سوى تبني الاشتراكية، فإما الاشتراكية وإما البربرية، تماماً كما كتبت روزا لوكسمبورغ،