حنا بطاطو : العراق : الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية !
عرض : علي رهيف الربيعي ( القسم 6 ) إن أول بيان شيوعي ظهر في العراق ، يحمل شارة المطرقة والمنجل ، كتبه يوسف سلمان ” فهد ” بخط يده وعلقه في عدة أمكنة في بلدة الناصرية ليل ١٣ كانون الأول ، وكان بتوقيع ” عامل شيوعي ” وحمل شعار ” ياعمال العالم اتحدوا ” و ” عاش اتحاد جمهوريات العمال والفلاحين في البلاد العربية ” . وقد طغى هذا الانحراف اليساري نفسه على الأهداف التي طرحتها صحيفة اللجنة المركزية للحزب ، في تموز ١٩٣٥ ، وتمثلت في : طرد المستعمرين وضمان حرية الشعب وتأمين الاستقلال الكامل للأكراد ، وتوزيع الأراضي على الفلاحين وإلغاء ديونهم ومصادرة أملاك المستعمرين والملاك الكبار ، وتركيز السلطة في أيدي العمال والفلاحين وإطلاق الثورة الاجتماعية . والغريب في الأمر وكما يلحظ بطاطو عن حق ، أن انحراف الشيوعيين في بيان أهدافهم هذا نحو اليسار حصل في الوقت الذي كانت فيه الأممية الشيوعية ( الكومنترن ) تنعطف ، في مؤتمرها العالمي السابع ، نحو سياسة ” الجبهة الشعبية ” والتحالف مع البرجوازية الوطنية . وفي تشرين الثاني ١٩٣٦ ، دعم الشيوعين الانقلاب العسكري الذي نظمه الجنرال بكر صدقي وبالغوا في الصفة الشعبية التي أسبغوها على ضباط الجيش ، ثم عادوا في عام ١٩٤١ ودعوا إلى الالتفاف حول النظام العسكري الذي وقف على رأسه رشيد عالي الكيلاني ، والذي أطيح فيه في حزيران من العام نفسه . وقد تسبب الدعم الذي قدمه الحزب لذلك النظام ، الذي انفتح على التعاون مع النازيين ، في توجيه انتقادات شديدة لقيادة الحزب ، التي اعترفت بعد سنتين ، في حزيران ١٩٤٣ ، بأن الدعم الذي قدم لحركة رشيد عالي الكيلاني كان ” خطأ سياسيا ” ، وفي الكونفرنس الأول الوطني الأول للحزب الذي انعقد في أيار ١٩٤٤ ، أدان السكرتير العام ، فهد ، تلك الحركة ووصفها بكونها ” مغامرة متهورة ” . وكان فهد قد نجح ، بين العامين ١٩٤١ و ١٩٤٧ ، في تحويل الحزب إلى قوة سياسية متماسكة وفعالة ، وبنى له قاعدة جماهيرية من الدعم والإيمان . وبناء على توجهاته ، حدد الدستور الوطني ، الذي أقره الكونفرنس الأول ، طبيعة المرحلة بكونها ” مرحلة التحرر الوطني والنضال في سبيل الحقوق الديمقراطية ” وتبنى شعار ” وطن حر ، وشعب سعيد ” ، ودعا إلى استقلال البلاد وإلى قيام نظام ديمقراطي حقيقي ، وإمداد الناس بضرورات الحياة الأساسية وتطوير الاقتصاد الوطني وتحرير الناس من قبضة الشركات الاحتكارية الأجنبية وتوزيع الأراضي على الفلاحين وإقرار القوانين التي هي في مصلحة العمال والسماح بتنظيمهم والاعتراف بنقاباتهم ، ونشر التعليم ، وضمان حقوق المرأة ، وتأمين حقوق متساوية للأكراد والأقليات القومية الأخرى ، والعناية بالجندي وتطهير الجيش من الرجعيين ، وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي . وفي آذار ١٩٤٥ ، اجتمع في بغداد المؤتمر الأول للحزب وحضره ٢٧ مندوبا ، وقدم فهد مسودة النظام الداخلي التي أعلنت أن الحزب هو ” حزب الطبقة العاملة العراقية ” ، ويضم في صفوفه ” الفلاحين والحرفيين والانتلجنسيا الشعبية وصغار الموظفين وصغار التجار والكسبة ” . غير أن الحزب لم يتمسك طويلا بهذا الخط ، ففي ٢٩ كانون الثاني ١٩٤٦ ، وفي أجواء تعمق الاستياء المتغذي بالارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة واستمرار التنكر للحريات السياسية ، عاد فهد إلى توجيه سياسة الحزب بحدة باتجاه اليسار ، متبنيا تكتيك ” النضال الثوري ” عبر تنظيم موجة من المظاهرات والإضرابات ، بلغت ذروتها في إضراب عمال شركة النفط في كركوك ، يوم ١٢ تموز ، الذي أسفر عن قيام قوات الشرطة بقتل ما لا يقل عن عشرة من العمال المضربين ، ثم ، في ١٨ كانون الثاني ١٩٤٧ ، تم اعتقال فهد ورفيقه الأقرب زكي بسيم . ومن وراء قضبان سجن الكوت ، راح فهد يصيغ القرارات الحزبية الكبرى ، وذلك إلى أن استعاد الشيوعيون توازنهم ، ونجحوا ، بالتعاون مع حزب الشعب والحزب الديمقراطي الكردستاني والجناح التقدمي من الحزب الوطني الديمقراطي ، في تشكيل جبهة موحدة سمي جسمها التنفيذي ” لجنة التعاون ” ، وهكذا سادت في معسكر اليسار ككل ، في مطلع شتاء ١٩٤٧-١٩٤٨ ، روح الوفاق ، ووصلت في ٢٧ تشرين الثاني رسالة من السجن تؤكد على مسألة الخبز والحريات الديمقراطية واستقلالية الحزب . غير أن ” الوثبة ” ، التي شهدها العراق في كانون الثاني ١٩٤٨ ، احتجاجا على توقيع ” معاهدة بورتسماوث ” مع بريطانيا ، والتي أعطت الحزب دفعة قوية إلى الأمام ، أدت إلى تجذر أكبر في مواقفه ، كما تأثرت سيايسته أيضا بالخط العام للحركة الشيوعية العالمية الذي انعطف في ذلك الوقت نحو اليسار ، وفي شباط ١٩٤٨ ، حدد بيان داخلي أصدره الحزب طبيعة المرحلة بأنها مرحلة ” ثورة برجوازية ديمقراطية ” تحت ” قيادة البروليتاريا ” ، وباتت معاداة البرجوازية هي الجديد في التوجه المستجد ، الذي ترسخ بعد اندلاع انتفاضة تشرين الثاني ١٩٥٢ . فمنذ أيام تشرين الثاني الثورية ولبضع سنوات لاحقة باستثناء فترة قصيرة فاصلة سار الشيوعيون في خط متزايد التشدد ، لم يتناسب كما يرى بطاطو، مع العلاقات الفعلية المتبادلة للقوى ، ولا هو لبى احتياجات تلك المرحلة ، مما عاد عليهم باخراب . ووجد هذا التوجه اليساري تعبيره الرسمي في الدستور الوطني الجديد الذي تم تبنيه رسميا في آذار ١٩٥٣ ، وتضمن بشكل خاص هجرا لمطالبة فهد المعتدلة ب ” نظام ديمقراطي فعلا ” ضمن الإطار القائم للمجتمع واستبدالها بصيغة ” جمهورية شعبية ديمقراطية ” تمثل ” أرادة العمال والفلاحين والجماهير السعبية ” ( الكتاب الثاني ، ص ٣٣٥ ) . يتبع 2019/09/25