حنا بطاطو : العراق . الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية !
عرض : علي رهيف الربيعي
( الحلقة (5) ” فهد “ وبرزت الشيوعية في الأربعينات ، بفضل الدور الذي لعبه ” فهد ” في المقام الأول ، بوصفها عاملا مهما من عوامل الحياة في العراق ، واندفعت إلى الصف الأول بين الحركات السياسية ، و ” أثرت بلاغاتها وطباعها وطريقتها ، في الخمسينات ، حتى على تفكير معارضيها ” . ويرى بطاطو أن عوامل كثيرة قد أسهمت في إعداد التربة التي نمت فيها الشيوعية تكرارا : قلة ما كانت توحي به المؤسسات القائمة من عطف وولاء عند شريحة واسعة من أبناء الشعب ، كان الشيوعيون ” المنجنيق ” الإيديولوجي الضارب ضد السلطة القامة ، في أواخر الأربعينات ، ثم في الخمسينات ، كان الاستياء الذي بقي سياسيا حتى ذلك الحين قد أصبح اجتماعيا ، وبات موجها ضد النظام الاجتماعي برمته وليس ضد حكومة معينة ، ولا يصعب تلمس الدور الشيوعي في ظهور هذا النوع الجديد من الوعي ، كانت هناك علاقة مباشرة بين تكاليف المعيشة وانتفاضات العقد الأخير من العهد الملكي ، تنامي الاستقطاب الاجتماعي ، عجز الطبقات المصابة عن تقديم ما تشكو من مظالم بطريقة قانونية ، وكان العمال ومأجورو الطبقة الوسطى مستبعين عن السلطة السياسية ، كان طريق الإصلاح الاجتماعي مسدودا ، وكان هنالك فراغ سياسي قائم تحت بناء السلطة ، حيث لم يكن في العراق قوى سياسية يمكن مقارنتها بالقوى المنافسة للشيوعيين في سوريا ولبنان ومصر ، وكان هنالك تعطش لا يرتوي إلى المثل ، بين الشباب والطلاب خصوصا ، الحيوية الملازمة للنظرية الماركسية ، التي كانت ملائمة للبيئة العراقية ، على الرغم من قصورها ، ولا سيما في نقدها الطبقي اللاذع ، وكانت التباينات الطبقية العراقية عارية وفظة ، والطبقات المتأثرة بالأفكار الشيوعية ، الطلاب والعمال غير المهرة والموظفون المدنيون ، لم تكن تتزايد عددا بإيقاع سريع فحسب بل كانت تميل إلى التمركز إلى درجة كبيرة بالمعنيين الجغرافي والوظيفي ( الكتاب الثاني ، ص ١٢٠-١٣٦) . ولكل هذه العوامل لم تفلح كل حملات القمع التي طاولت الشيوعيين ، وبخاصة في النصف الثاني من عام ١٩٤٨ ، في القضاء عليهم واجتثاث افكارهم . فالميل إلى الشيوعية ، في الخمسينات كما في الأربعينات ، ظل متلازما مع الوضع الاجتماعي القائم ، بحيث لم يكن حتى لأقسى الاجراءات القمعية أن تخلف وراءها آثارا دائمة ، والشروط الأساسية التي أدت إلى وجود الشيوعية استمرت قائمة ، وكان لها في العقد التالي أن تحيي وتعيد إحياء قوى لست في متناول الشرطة . يتبع