سلام عادل.. البداية الواعدة والنهاية التراجيدية! إستشراف الموقف الوطني قضايا التحرر.
أحمد الناصري .
قدّم الدكتور عبد الحسين شعبان قراءة جديدة في سيرة سلام عادل القائد الشيوعي وفي بعض أسرار حياته، فضلاً عن كشف جديد لاستشهاده.
وكان عنوان كتابه (سلام عادل الدال والمدلول وما يمكث وما يزول) الذي احتوى وثيقتين مهمتين كادتا أن تختفيا من وثائق الحركة الشيوعية منذ ستة عقود من الزمان، وقد حاول الكاتب إعادة نشرهما وشرحهما وتحليلهما. وقد قرأت الكتاب عدّة مرات، ثم دققت به بقصد تسجيل الملاحظات للكتابة عنه. وتناقشت مطولاً مع الصديق شعبان خلال زيارته لهولندا، حول الأفكار والمصادر والاستنتاجات، وكل ما يتعلّق بالشهيد والتجربة والكتاب. وها أنا أدوّن ملاحظاتي: بدل التقديم مثل وردة نادرة متفتحة، مليئة بالعطر والشذى والطاقة، بدا سلام عادل وتكوّن ثم مات. مثل نجم ساطع مرّ وخُطف في سماء صافية، مرّ سلام عادل وترك في جيله وما بعده جرحاً غائراً قديماً، لا يندمل ولا يمحى، لعلّه مثل بطل أسطوري يتكوّن بسرعة وبشكل صحيح، ليواجه مصيره و(قدره)، هكذا كان حسين أحمد الرضي (سلام عادل)، الشاب المثقف الذكي والحيوي، الذي خاص النضال الوطني الشاق والصعب، وقتل بطريقة مأساوية عنيفة، في صراع سياسي خاطئ ومدمّر، وهو لم يكمل الأربعين سنة (سنّ النضج والبدايات القوية في الفكر والسياسة والحياة). لا يمكن الكتابة عن سلام عادل بدون كمية عواطف وانفعالات عالية، ترافقها حالة حزن وألم موجع، وهو أمر لا يمكن السيطرة عليه، فخسارته كانت فادحة وغيابه أضاع جزءًا من الأحلام الممكنة، ولكن لا بدّ من العقل والدراسة والنقد والمراجعات والكشف والتسجيل للوقوف عند التجربة، وهذه المهمة الرئيسية والحقيقية التي توخّاها الكتاب وما نحن بصدد الكتابة عنه، لاسيّما ونحن نتناول شخصية رمزية بكل معنى الكلمة مثل شخصية الشهيد “أبو إيمان”. عن الكتاب والباحث والبحث والمصادر الكاتب والكتاب، وفّرا وحقّقا شروط البحث الأساسية المطلوبة، حيث قام الكاتب باستقصاء نادر من مصادر أصلية ومباشرة تتعلّق بسيرة سلام عادل وبداياته وتكوينه ومواهبه، مع تركيز استثنائي على نهايته ومصرعه المأساوي على أيدي جلادي قصر النهاية، ومن خلال شهادتهم وأقوالهم، وهذا شيء مطلوب ومهم وأساسي، على الرغم من امتناع بعضهم عن الحديث عنه، إذْ لم يستنطق حتى الآن عدد من جلادي قصر النهاية والأمن العام بعد 1968 إلى 2003 حتى حصل الاحتلال لبلدنا وتوفّرت وثائق ومعلومات وشهادات الضحايا المطلوبة للبحث والتحقيق. نعود إلى الكتاب وأبوابه وفصوله، وأهم الاستنتاجات حول مرحلة قررت مصير الوطن (ثورة 1958 صعودها وسقوطها)، وأثّرت بشكل مباشر على منطقتنا، وعلى كل ما يحصل اليوم كتسلسل متصل، وكنتائج لتلك المقدمات الكثيرة. يحتوي الكتاب على 324 صفحة من الحجم المتوسط، بثمانية أقسام. القسم الثامن منه يحتوي على وثائق نادرة، لكنها مهملة ومتروكة، لم يسلط عليها الضوء الكافي، ولم تدرس وتراجع، رغم أهميتها الراهنة، لأسباب كثيرة سنأتي عليها لاحقاً. وتكشف الوثائق قدرة وتفكير ومواقف سلام عادل من قضايا رئيسية كثيرة ومهمة، منها القضايا الوطنية الداخلية، وعلاقتها العربية، وحول قضية فلسطين (تصحيح لموقف خاطئ ظهر بعد إعدام فهد)، والتحرّر الوطني والموقف من الاستعمار والقضية الكردية، والرد على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية (ستظهر لاحقاً على شكل حزب شيوعي قومي كردي، بمساعدة عناصر قيادية متنفذة عايشت سلام عادل). ربما من المفيد التذكير والإشارة هنا إلى التعاون الايجابي المهم بين الشهيد سلام عادل والفقيد عامر عبد الله، في كتابة وصياغة هذه الوثائق في مرحلة ما قبل ثورة 1958. لعلّ ما ورد في القسم الأول (سلام عادل على طريق الشيوعية) في النشأة والاختيار، يلقي نظرة حول أفق سلام عادل مبكّراً، فقد ولد في النجف 1922) هناك من يقول إنه ولد في 1924) وتخرج من دار المعلمين الابتدائية في بغداد (الأعظمية) عام 1944 وعمل معلماً في مدينة الديوانية. كان رياضياً ورساماً ومخرجاً مسرحياً ومتذوقاً للشعر. وخلال وجوده في معهد المعلمين اقترب من تنظيميات الحزب الشيوعي العراقي، ثم انتمى ألية عام 1944 على يد محمد حسين فرج الله في الديوانية. عمل سلام عادل في بداية انضمامه للحزب، بين الخلايا والناس، تلك الخلايا (التنظيم الأساسي) وصلتها وعلاقتها بالناس (الجماهير) والشارع والوضع السياسي اليومي المتحرك، والموقف من السلطة ومواجهتها، وأساليب العمل الفكري والجماهيري، والتدرج والتطور في الوعي والموقف. وكلما كانت الحركة السياسية نشيطة ومتابعة، تستند إلى سياسة وطنية صحيحة، فإن ذلك يعلّم كثيراً وسريعاً، وهكذا تعلّم سلام عادل. ولما كانت المعارك والنضالات الوطنية والطبقية في المدن والأرياف في أوجها، فقد خاضها سلام عادل بنشاط وحماس كبيرين، فكان درس المواجهة بين سلام عادل وبهجت العطية، مدير الشرطة السياسية قسم رئيس التحقيقات الجنائية، ورفض سلام عادل محاولات إغراء بهجت العطية، كما استهجن تهديداته، فتم فصله من التعليم (شملت حملة الفصل 100 معلم)، بعدها لجأ للعمل في بيع المشويات على ناصية الشارع، كمثال للآخرين أولاً، وتحدي كبير وحاسم، بل انتصار في معركة مصادرة حق العمل والحرمان منه والتجويع والعوز لشاب في مقتبل العمر، بقرار تعسفي وانتقامي. وألقي القبض على سلام عادل في 19 كانون الثاني عام 1949 بعد أحداث وثبة كانون عام 1948 وحكم لمدة ثلاث سنوات وسنتين تحت الاقامة الجبرية، وكان قد قضى الحكم في سجن نقرة السلمان الصحراوي الشهير، ثم هرب من الإقامة الجبرية في الرمادي في اليوم الثاني، وعاد إلى الحزب، وتزوج من الرفيقة ثمينة ناجي يوسف (أم إيمان)، وانتدب إلى البصرة كي يقود المنطقة الجنوبية. هنا لابد من التوقف عند حدث ومنعطف خطير وجلل، حصل للحزب، أثر على وضعه ومستقبله بشكل كبير وواضح، وأحدث فراغاً، حاول سلام عادل فيما بعد ترميمه ومعالجته إلى حد ما، إلا وهو اعدام الرفاق فهد وحازم وصارم والرفيق المنسي والمهمل دون سبب موضوعي حقيقي، وهو الشهيد البطل ساسون دلال. كان الإعدام بقرار عدواني جائر من قبل السلطة الملكية الرجعية، ربما بأوامر ونصائح من المخابرات البريطانية، التي كانت تقدّر دور فهد الاستثنائي في استمرار عمل الحزب وقوته، لتستمر الملاحقات الشاملة والقمع المنظّم، ووقوع ست محاولات لتشكيل لجان مركزية (مراكز بديلة موقتة لقيادة العمل بمبادرات للرفاق)، وحصلت خيانات كثيرة، كان أخطرها خيانة مالك سيف ورفيق جالاك وهاشم الطعان وغيرهم، وقد تقدّم بهاء الدين نوري (باسم)، لقيادة الحزب واستمراره حتى عام 1953 ، حيث جرى اعتقاله، فعاد حميد عثمان الذي هرب من السجن واستلم المسؤولية من كريم أحمد. هذه الفترة القلقة والصعبة، مع قلّة الكادر الحزبية وخبرتها البسيطة وضعفها، وسط الملاحقات البوليسية المستمرة، انعكست بشكل واضح على الوضع الفكري والتنظيمي والسياسي للحزب، وظهرت مواقف خاطئة وتكتلات وانشقاقات، أبرزها “انشقاق راية الشغيلة”، الذي بدا بخلافات مع قيادة بهاء الدين نوري قبيل اعتقاله وعزله لمجموعة كبيرة من تنظيمات السجون، والأخطاء والممارسات التنظيمية والسياسية والفكرية لحميد عثمان، كل هذا كان اللحظة المناسبة لعمل سلام عادل في سبيل تصحيح الوضع وإعادة بناء الحزب، وكي تبرز إمكانياته وجهده الحقيقي ودوره القادم. وقد تم التخلص من حميد عثمان بعد محاولات عديدة لمحاسبته على تصرفاته الفردية وسياساته المتطرّفة واضطرّ إلى التنازل من قيادة الحزب التي أوكلت إلى سلام عادل (1955) وهنا حصل الانعطاف الرئيسي والتحول في وضع سلام عادل، بين الانتماء والتكوين الأول وكان أول عمل له جمع الكتل المنشقة والاعتراف بالأخطاء وعقد كونفرنس توحيدي (الكونفرنس الثاني 1956) وانطلق الحزب ليساهم في قيادة الشارع وبرز ذلك على نحو واضح إبان انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر ونهجها التحرري المعادي للإمبريالية. وكان أول عمل خارجي برز فيه سلام عادل هو مشاركته في مؤتمر الأحزاب الشيوعية لدول الكومنولث المنعقد في لندن عام 1954. وبين أعوام 1955 و1958 أنجز سلام عادل مهمة إعادة توحيد وبناء الحزب، الذي تطلب عملاً تنظيمياً وفكرياً وسياسياً كبيراً ومتميزاً، لتجاوز وتذويب الخلافات واقناع جميع الأطراف بأهمية الوحدة على أسس سياسة وفكرية جديدة. أثمر التعاون مع عامر عبد الله وجمال الحيدري، نتائج كبيرة في رسم سياسة الحزب الوطنية والعربية (القومية). ولم يكن ذلك دون معاناة، فقد تعرّض سلام عادل نفسه للعقوبات الحزبية البيروقراطية قبل ذلك مرّة على يد مالك سيف (الخائن المعروف لاحقاً)، كما حصل مع موقفه الواضح من القضية الفلسطينية ضد الآراء الخاطئة والمشوشة التي تسربت إلى الحزب بعد اعتقال وإعدام الرفيق فهد، ومرّة ثانية على يد حميد عثمان. وقد تحدّث نوري عبد الرزاق في حوار مع الدكتور عبد الحسين شعبان. (جريدة الزمان- حلقتان) عن مشاكل تلك الفترة والدور المتميز لسلام عادل. ثورة 14 تموز 1958 شكّلت ثورة 1958 منعطفاً كبير وحاسماً وتحولاً نوعياً في وضع العراق بشكل عام وفي حياة الحزب الشيوعي بشكل خاص الذي انطلق بقوة كبيرة وأظهر قدرة كبيرة وإمكانية هائلة على التحريك الجماهيري، لكن الصراعات الداخلية ومع القوى الأخرى ودور الثورة المضادة قاد بالتنمية إلى تهميشه تمهيداً لتوجيه ضربة موجعة له، خصوصاً وقد تكالبت عليه قوى عديدة امبريالية ورجعية ومنافسات محلية وإقليمية، إضافة إلى أخطائه وثغراته، لتحصل في نهاية المطاف الكارثية المرعبة في 8 شباط 1963 والتي ما تزال فصولها مستمرة بأشكال مختلفة خارجية وداخلية حتى حصول الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003. ويضع الكاتب مجموعة من الجهات أعاقت عمل ونشاط سلام عادل، من باب الخلاف أو الصراع معه. أول هذه المجموعات والمشاكل هي داخلية، من داخل قيادة الحزب، التي كان أبرزها كتلة الأربعة المعروفة، التي وقفت ضد سلام عادل، لأسباب كثيرة فكرية وسياسية و(شخصية) أيضاً، تتعلق بطموحات بعض الرفاق الشخصية. ثم موقف السوفييت من سلام عادل، و(عدم ارتياحهم له)، والتفكير بتبديله بسكرتير آخر، قريب منهم ومضمون لديهم! كذلك موقف عبد الكريم قاسم الذي كان يتوجس منه ومن مواقفه ونواياه، ودور ومواقف الحركة القومية الكردية، التي انتهت إلى قيادة حركة أيلول 1961 لدوافع وأسباب كثيرة داخلية واقليمية في الموقف من الثورة. طبعا لن ننسى الجبهة القومية الرجعية الواسعة، وهي بالطرف المعادي الآخر، وقد نفذت جريمة تصفية سلام عادل، بطريقة وحشية معروفة، كتعبير عن موقفهم الانتقامي من رموز الثورة والمرحلة. نحتاج إلى دراسة الإمكانيات والوضع الحقيقي، الفكري والتطبيقي لسلام عادل، دراسة علمية وثائقية، بعيداً عن العواطف أو التأثيرات والاعتبارات الخاصة دون أن ننسى استشهاده البطولي التراجيدي، لكن ذلك لا يعني التخلي عن وظيفة النقد والمراجعة الموضوعية، وهذه قليلة أو معدومة، فهل كانت تجربة سلام عادل ومواقفه بعد الثورة صحيحة ومتطورة وكفؤة مثلما كانت قبل الثورة؟ أم كانت هناك أخطاء ونواقص كبيرة ورئيسية، ساهمت في ضعف مواقف الحزب من الثورة وقاسم والجماهير، استغلتها قوى وعناصر الثورة المضادة؟ وهو ما يحاول الكتاب الإشارة إليه. نجاح الانقلاب الفاشي وتصفية سلام عادل… أنها جريمة وحشية بشعة، مثّلت جذور العقل (القومي) الفاشي، هكذا كانت أساليب جريمة تصفية الرفيق سلام عادل ورفاقه. فقد جرى اعتقال الرفيق سلام عادل بعد انهيار ووشاية الخائن هادي هاشم الأعظمي، الذي سلّم نفسه للحرس القومي، وتطوّع كي يكون دليلهم إلى البيوت الحزبية التي يتواجد فيها سلام عادل ورفاقه، ووقعت عملية وكارثة الاعتقال. لم يجر بحث حقيقي في طريقة تصفية الشهيد من قبل الحزب (الرسمي) المعني بالقضية، رغم مرور عقود طويلة وتوفر الوثائق والشهود من المعتقلين والجلادين القتلة، والعلاقة اللاحقة ببعضهم من باب المجاملات وليس البحث عن الحقيقة. ربما كتاب الرفيق شعبان هو أول وأهم بحث استقصائي واسع ومقاربات وتدقيق بين الروايات، القوية والضعيفة، من خلال أسئلة مباشرة لبعض الجلادين المسؤولين عن الجريمة مباشرة، من قادة الحرس القومي الفاشي ومركز أقبيته الرهيبة في قصر النهاية، حيث تمت عملية تعذيب وتصفية الشهيد. وقد ردّ على الرواية التي نقلها آراخاجادور، والطلقة الأخيرة التي أطلقها على صالح السعدي على الشهيد، بعد تصادم ونقاش عنيف بينهما. كذلك مشاركة أو عدم مشاركة بعض الجلادين في تعذيبه (بسبب عدم تواجدهم بالمكان أثناء اعتقاله) وثم قتله، كما ذكر ذلك خلال محاجاته مع محسن الشيخ راضي، مسؤول قصر النهاية في حين هناك شهادات تؤكد مــــــشاركة من ينفي تلك المشاركة. وهذا طبعا لا يعفيهم من الجريمة أو الجرائم العامة التي حصلت بعد الانقلاب الفاشي، كحزب وسلطة وأشخاص. ويمكن تأكيد وجود عناصر فاشية متوحشة موغلة بالجريمة والتعذيب والقتل، تشكلت منها لجنة التعذيب في قصر النهاية والعناصر الرئيسية الموجهة لها. لم يكشف المجرمون والمرتكبون أدوارهم في جريمة قتل سلام عادل ورفاقه، في أجواء الانتقام والهيستيريا والقتل العام، لأننا بلا تقاليد قانونية وحقوقية وثقافية وإنسانية، تتعلق بالاعتراف والاعتذار والعفو والمصالحة الحقيقية وليس الشكلية، ضمن العدالة الانتقالية وحل المشاكل والخلافات المتراكمة والمتروكة، ثم تكريس ذلك بقانون. إن تلك الحلول والطموحات هي جزء من منظومة سياسية اجتماعية ثقافية قانونية يسعى ويتطلع لها المجتمع والدولة، وتلك مهمة كبيرة بعيدة المدى. خلاصة مكثفة… كانت تجربة سلام عادل وإمكانياته وتكوينه ونشاطه، تجربة شخصية وعامة، ضمن تجارب كثيرة ومهمة، وظروف موضوعية محددة في تجربة الشيوعيين العراقيين، كاد سلام عادل فيها أن يسدّ الفراغ والخسارة التي حصلت بعد إعدام الرفيق فهد، ويعوّض عن تلك الخسارة والغياب، ويؤسس لتجربة وطنية وشيوعية وسياسية مهمة وجديدة، بدأت بتعاون رفاقي داخلي كبير، ثم تعرقلت وتلكأت بسبب الخلاف الحزبي الداخلي الكبير بعد ثورة 1958. يشير الباحث إلى نقطة حساسة ومؤلمة، وهي نسيان وتناسي دراسة تجربة سلام عادل والكتابة عنه وتسجيل تاريخ الحزب والوثائق والأعمال والمواقف التي طرحها الشهيد. ويعزي الباحث الأسباب إلى عودة المجموعة التي اختلفت معه إلى قيادة وإدارة الحزب (زكي، بهاء، عامر)، والسيطرة عليه من جديد، ثم التحالف مع قتلة سلام عادل ورفاقه، الذين عادوا إلى السلطة عام 1968 وفتحوا بوابات ودهاليز قصر النهاية المرعبة، بإشراف صدام حسين وناظم كزار. إن سيطرة الجناح اليميني الانتهازي على مقدرات الحزب بعد مذبحة ومحنة 1963 أدى إلى التخبط الفكري والسياسي، فأطلق خط آب عام 1964 مباشرة وبسرعة، ثم خطة العمل الحاسم عام 1965 وما صاحبها من تخبط وتشوش وتخلخل داخلي كبير وواسع، أدّى إلى انشقاق عام 1967 للقيادة المركزية. أنها أزمة صعود وقيادة عزيز محمد للحزب وآثارها المدمرة عليه وعلى إمكانياته وعموم وضعه بكل تفاصيله. هناك نقطة جديرة بالملاحظة والمراجعة والدراسة، وهي تصلح لعنوان ومادة رئيسية مهمة، حول بروز بقايا الافكار والمواقف السليمة التي ظهرت في الكونفرنس الثالث عام 1967 والمؤتمر الثاني عام 1970 كآخر محاولة للمقاومة والتعبير عن الرأي الطبيعي والسليم في الحزب، وقد حصلت تحت تأثير وعمل بقايا العناصر المخلصة والجيدة في الحزب، التي نجت من مذابح 1963 ومحاولة احتواء المعارضة الداخلية المتصاعدة. وقد جرت عملية تصفية أغلب تلك العناصر والتخلص منها على يد الفاشية الجديدة، بين أعوام 1969 و1972 أو بإبعادها من جانب القيادة المتنفذة. والسؤال الخطير والغامض، كيف تم تشخيص هؤلاء؟ ثم كيف تعرّف العدو على مواقعهم وقام بتصفيتهم المبكرة؟ أنها أسئلة ملحّة وخطيرة وحسّاسة، ظلت معلقة ولم يجر البحث بها وعنها. من هناك بدا الطريق مفتوحاً وميسراً للسيطرة على مقدرات الحزب، من قبل هذه المجموعة القيادية المعروفة، وتوجيهه في الطرق والمسالك والسياسات التي تريدها، كامتداد للموقف الخاطئ بعد العام 1958 وخط آب التصفوي، وقد فرضت تلك القيادة صفقة التحالف الخاطئة مع الفاشية الجديدة والبعث وصدام عام 1973 نصائح ورغبة (أوامر الرفاق السوفييت). وتكرّس ذلك النهج المدمّر في المؤتمر الثالث حزيران عام 1976 وفشل وانهيار تلك السياسة والشعارات وهزيمتها الكاملة بخسائر كبيرة ونتائج وخيمة، من دون أي استعداد للمواجهة وحماية الحزب ورفاقه، وهروب غير منظم ولا مخطط نحو كردستان والتجمّع المسلح ومحرقة الجبل لمن تبقى من الرفاق الناجين من مطاردة ومصائد الفاشية المحكمة. ليكون المؤتمر الرابع عام 1985 الذي صدع وألغى بقايا الوحدة الحزبية والحياة والعلاقات الرفاقية الداخلية. وبذلك انطوى عقد الثمانينات، عقد الخيبة والخسائر الفادحة في بشتآشان والجبل والداخل، ثم الاستمرار بهذا النهج وتصعيده في التسعينيات، والمؤتمر الخامس الذي اعتبروه مؤتمر الديمقراطية والتجديد (حقق أحد مخاوف سلام عادل في وجود تكتل قومي كردي منشق، أنتهى بتشكيل حزب شيوعي قومي كردي (ضعيف ومشوه) يقف على يمين حزب البارزاني)، من خلال التنازل والرخاوة الفكرية والسياسية، وبداية التعامل مع العامل الخارجي، الذي بدأ يتحوّل إلى عامل رئيسي مقرّر، بعد كارثة الكويت وفشل الانتفاضة الوطنية، كآخر محاولة للإنقاذ الوطني الداخلي، ودخول الحزب في مؤتمر الجلبي، الذي تديره المخابرات الأمريكية، وبداية فكرة المحاصصة والتوزيع الطائفي، الذي ظهر صريحاً وواضحاً في مؤتمر صلاح الدين عام 1992. هذه المقدّمات الفكرية السياسية، القديمة والجديدة، ورخاوة وتخلف وضعف القيادات الحزبية، ورطتها بالانزلاق التاريخي بالموقف من الاحتلال، وقبول المشاركة بمجلس الحكم، الطائفي التقسيمي، الذي فرضه الاحتلال كصيغة سياسة لفرض اكمال تنفيذ مشروع التدمير، وعلاقته بالوضع منطقتنا. فجاء الشرح والتبرير البائس والمتهاوي الذي طرحه وتبناه المؤتمر الثامن والتاسع والاستمرار في المشاركة بالعملية السياسية الطائفية، رغم نتائجها الكارثية، ورغم بعض الأصوات المعترضة والمعارضة لهذه السياسة ولو جزئياً، أو البدء من معـــارضة “تحالف سائرون”، لأسباب ودوافع مختلفة. إن كل أو أغلب ما حذر منه سلام عادل (وقبله الرفيق فهد) قد تحقّق لكن بدرجات خطيرة ونهائية، أخطرها الخلل في الموقف الوطني من قضايا التحرر والاستقلال، وعلاقته بالوضع العربي والقضية الفلسطينية والقضية الكردية والنزعات القومية الضيقة، وتدهور وضع الحزب الداخلي، بإهمال العمل الفكري والتنظيمي والجماهيري السليم وأساليبه الجديدة والمتطورة. – ملاحظة أخيرة… إن الإدارة الحزبية الحالية والسابقة، لم تهتم بفكر ومواقف سلام عادل وتجربته، ولم تكتب عنه، وهي لا تشارك بالدعاية والحوار لمن يتصدى بالكتابة، حتى تبدو أنها غير معنيّة بسلام عادل وتجربته، وتعامل بالإهمال أو عدم الاكتراث لمن يحاول تسليط الضوء على جزء حيوي من تاريخ الحزب متمثلاً بسلام عادل، الذي هو موضوع لا يخص الشيوعيين وحدهم، بل عموم وطنيي العراق، وليس موضوعاً شخصياً.