الناصرية تعود إلى الواجهة والمواجهة، تدافع عنا وعنها وعن الوطن والناس والشوارع.
انها قيامة مدينة وقيام وطن، ضد التخريب والتدمير المنظم والعزل والتشويه… الناصرية تعدو نحو الوطن، تحمل جراحه وتمسحها بالحب والأمل وتغسلها بمياه الفرات…
بمناسبة التحرك الوطني اعيد نشر كتابات عن الناصرية. المدينة والبيت والشارع والأهل والأصحاب وأحلام الطفولة البعيدة…
الحزء الأول...
الناصرية مدينة من غبار أسسها أحدهم وندم
أحمد الناصري
الناصرية مدينة جنوبية، منسية ومهملة، تنام على ضفاف نهر الفرات الأسطوري. وهي مدينة استثنائية ومتناقضة مع نفسها وطبيعتها، تعيش على الاكتفاء الذاتي بكل شيء تقريبا، وعلاقتها بالمركز غائمة وشائكة، وهي علاقة شك وريبة، تصل الى درجة العداوة والتمرد منذ التأسيس. ويشهد مخطط إنشاء المدينة على تلك النوايا العدوانية المبيتة لها!
لا أدري ماذا يخبأ القدر لمدينة غريبة في تطلعاتها وتركيبتها ومزاجها، تنام على كتف تاريخ يمتد الى اكتشاف الأبجدية والعجلة والكحول، وأول محاولات التماس حلم الخلود في مدينة أور المتطورة ومعابدها التي حاكت آلهة الأرض والسماء، والاغتسال والتعمد بمياه نهر خالد كالفرات، والجلوس على صدر الأهوار السحرية، وغموضها الذي يهبط مع المساء والليل الطويلين، حيث تجوب أرجاءها (الطناطل) والكائنات الخرافية الأخرى، التي ربما هي أرواح أجدادنا القدماء وآلهتهم التي تبحث عن الفردوس العظيم المفقود، وترثي الحالة الراهنة للمدينة وللناس في أرض سومر.
للمدينة حصة في ثورة العشرين، ونصيب مع قائدها الصلب، الشاعر الرومانسي الجميل محمد سعيد الحبوبي، الذي توفي فيها بعد عودته من معارك منطقة الشعيبة الشرسة، ومحاولة إيقاف الغزو البريطاني للبصرة، وهو القائل:
يا غزال الكرخ وا وجدي عليك … كاد سري فيك أن ينتهكا
أعطني كأسا وخذ كأسا أليك… فلذيذ العيش أن نشتركا.
واليوم يحمل أسم الشاعر الخالد أكبر وأهم شوارع المدينة هو شارع الحبوبي (عكد الهوى)، حيث يقف نصب الشاعر الذي نفذه الفنان عبد الرزاق الكايم.
مدينة قدرها الغناء الفسيح، الغناء المر الدامي، المختلط مع التعازي والحسينيات والدارمي العميق، والحنين الجارف للمكان والخوف من الفراق والبعد والجفاء والقطيعة، وغناء (الأبوذية)، ذلك الغناء المر في نكهته وكلامه، المعبأ برائحة القدم والتبغ والطين الحري للأراضي الرسوبية وحفيف القصب وصمت النخيل الأسود وخجلة ووضوحه. لذلك فهي مدينة غامضة متمردة، رغم وضوحها الآسر والباهر. ولاحقا يسارية مغامرة، تحمل شيناتها باعتزاز كبير وعلنية ظاهرة ومفرطة، فهي (شروكية) حيث تشرق الشمس من الجنوب. وشيوعية البدايات والتأسيس، على يد أبنها بالتبني وشهيدها الخالد فهد، والخلايا الثورية القوية التي امتدت ووصلت الى كل بيت وشارع ومدرسة وقرية. وهي مدينة راقية اجتماعيا لأنها تعتز ب(المعدان) وأبناء الريف وأصحاب الجواميس وعمال صناعة الحياكة المنبوذة لأسباب خاصة وغامضة، تتعلق بصناعات النسيج البريطانية، مثلما حصل للهند. والناصرية مدينة لا تخجل من هذه الصفات لأنها ببساطة غير مخجلة، وربما تحمل معاني ودلالات جميلة …
بعد إن كبرت وتطورت قبائل (المنتفك) في القرن الثامن عشر، وقد كثرت تمرداتها ومعاركها الداخلية والخارجية، رأت الدولة العثمانية في محاولة لتجميع القبائل والسيطرة عليها، إنشاء مدينة الناصرية، والتي سميت بهذا الاسم نسبة الى ناصر الأشقر ، وقد خططها وبناها المهندس البلجيكي جوليوس تلي عام 1876.
ومن الخصائص الخطيرة في تخطيط المدينة والتي أصبحت من ميزاتها الجيدة الآن، هو شوارعها المستقيمة، وقد أرادت السلطنة العثمانية أن تجعل من شوارعها المستقيمة والحديثة وسيلة لتحرك جندرمتها وقصف المدفعية السهل لتجمعات المتمردين في حالة حصول تمرد وعصيان وهي أحداث كثيرة ومتكررة ومستمرة الى الآن تقريبا، كما أن المدينة بنيت تحت منسوب مياه نهر الفرات بشكل مقصود ومخطط لتسهيل إغراقها وأهلها في حالة تمردها وعصيانها أيضا ، هذا هو العقل السلطوي الأعوج الملتاث بهاجس البقاء، ولو البقاء الهمجي التدميري، حتى ولو على جثث أبناء المدينة الغارقة تحت الماء.
والتدبير الثاني عكس الأول (الشوارع المستقيمة) فهو مضر وخطير من البداية الى النهاية، حيث بقيت المدينة مهددة بالفيضان والغرق بسهولة ودائما، كما عانت من مشكلة المياه الجوفية، وصعوبة مد وإنشاء شبكة مجاري، إلا بعد ردم ورفع المدينة فوق مستوى النهر وهذه مشكلة (عصملية) أخرى، تضاف الى مشاكل الفترة المظلمة العصيبة التي اتسمت بركود تام، يشبه ركود المستنقعات الآسنة. والآن من حق أهالي الناصرية الشكوى في الأمم المتحدة والمطالبة بالتعويض وحل هذه المشكلة، كما من حق أهل العراق جميعا الشكوى والعمل على إحباط المخطط التركي لمصادرة وتشويه وتحويل نهر الفرات العراقي.
لقد عانت الناصرية من الإهمال المزمن والمقصود، على يد جميع الأنظمة الملكية والجمهورية، ما عدا فترة بسيطة بعد ثورة 14تموز. فقد بنى عبد الكريم قاسم بهوا جميلاً يسمى بهو البلدية، تخرب في آخر الحروب الكارثية، وكازينو على نهر الفرات، ومبنى للبلدية، وقسم داخلي لطلبة الأرياف ومجموعة من المدارس الابتدائية، وروضة للأطفال، ومجموعة مستوصفات طبية، وجسرا جميلا وحديثا يربط صوبي المدينة، يسمى جسر 14 تموز، وهو الوحيد الذي يربط طرفي المدينة حتى نهاية السبعينات، وقد قصفة ألأمريكان في حربهم الأولى، وقصموا ظهره ، مما أعاق انسحاب الناس من المدينة بعد تراجع الانتفاضة وسقوطها بيد القوات الحكومية المهاجمة ، رغم المقاومة الشرسة التي أبداها المدافعون عنها، بينما أستخدم العدو، قوات جوية وصاروخية ومدفعية ثقيلة ودبابات متطورة، وهو ما مثبت في شريط فيديو شهير.
كان الإهمال مدروسا وانتقاميا، وذلك لتمرد المدينة وسخريتها من الحكام جميعاً، ولأنها مسقط رأس الحركة الثورية وكل الحركات السياسية ألأخرى، ومنبتها ألأول، وقد جدد شباب المدينة مقاومتهم الثورية الجادة لحكم آل عارف الرجعي المتخلف، وقامت مجموعة جريئة منهم، ورداً على الانحرافات الفكرية والسياسية، التي جسدها خط آب أواسط الستينات ، حيث قادهم شاب ثوري حالم ، ترك العيش السهل والدراسة في بريطانيا ، لينتقل بهم ويقودهم في مجاهل هور (الغموكة) بأطراف مدينة الشطرة، وهو الشهيد خالد أحمد زكي، وقد صدمت واهتزت الحكومة العارفية لهذا التحرك وحشدت شرطتها وجيشها وطيرانها وجواسيسها من شيوخ العشائر، ضد هذه الشرارة لئلا تتسع ويندلع الحريق الشامل! هذه الأحداث يعرفها كل الناس في المدينة ولا تنسى بسهولة، وقد سجلها أخيرا الصديق عقيل حبش في جريدة الغد، وهو من المشاركين في العمليات وأعتقل وحكم عليه بالإعدام وأنقذ في اللحظات الأخيرة من حبل الموت ورصاص الإعدام الوحشي.
ومن مظاهر التحدي الطريفة ولكن المتطرفة أيضا، فعندما تهددت مدينة الناصرية في عام 67 بفيضان نهر الفرات، وقد سارع أبناء المدينة رجالاً ونساءً لدرء الخطر عنها وحمايتها وذلك بتدعيم سد أبو(جداحة) الذي يحمي المدينة من جهة الشمال ، وأثناء عمليات التدعيم الجارية بالتطوع والسخرة ، جاء رئيس الوزراء الأسبق طاهر يحيى ليزور المدينة ويتفقد العمل والإجراءات لحمايتها من الفيضان ، وما أن علمت القيادة المركزية بهذه الزيارة ، حتى خطت على جدران المدينة ووسط الأحياء الراقية وقريبا من بيت رئيس الوزراء الأسبق ناجي طالب، شعار الناصرية تستنكر قدوم طاهر يحيى!
كم استوقفني طويلا هذا الشعار العجيب والغريب في السبعينات، ما هي الناصرية حتى تستنكر قدوم رئيس وزراء البلد لزيارتها؟ هل هي منظمة أوجهة سياسية مثلا وليست مدينة؟ وهل طاهر يحيى رئيس وزراء أجبني، بريطاني أو أمريكي مكروه؟ لكن هذا يحصل في ا لناصرية لأن مزاجها مختلف، ومعارضتها مختلفة أيضا.
من شوارعها المستقيمة والعريضة، شارع عشرين ، وسمي بهذا الاسم لأن رقمه عشرين، وهو شارع طويل يسكنه كادحي المدينة وفقرائها ، وكانت أغلب بيوته مبنية من القصب والطين واللبن، وبواجهات بسيطة مبنية من الطابوق الأحمر (طابوق الكور) وليس طابوق المعامل الحديثة أو نصف الحديثة ، في هذا الشارع ذي الطابع اليساري توجد حركة سياسية وثقافية واسعة ، كما توجد تيارات ثقافية وفكرية وإبداعية متنوعة، ولو قمنا بجرده سريعة وبسيطة لاكتشفنا وجود آلاف الكتب الأدبية والثقافية والفكرية والسياسية وبكل لغات العالم ، كما يسكن في هذا الشارع عدد كبير من الشعراء وكتاب قصة ورواية ومسرحيين وأطباء ومهندسين وزراعيين وصيادلة ، ومن بينهم كاتب الرواية والقصة القصيرة البارز محسن الخفاجي الذي يقبع الآن في سجون الاحتلال في أم قصر دون سبب أو تهمة محددة أو محاكمة، في مفارقة ملتبسة موجة ضد الثقافة العراقية ورموزها الجميلة، ويقع في شمال الشارع، مجمع ورشات تصليح السيارات (الفيترجية)، وهم في معظمهم من اليساريين والمثقفين، وهذه واحدة من مفارقات المدينة الغريبة، وعلى أحد جدران الشارع البيضاء وفي بناية البلدية، مكائن الكهرباء سابقا ، خط أحد أبناء المدينة أسم شارع فهد، وقد ظل بعض الناس يسمون شارع عشرين باسم شارع فهد، وقد استعصى هذا الاسم، كما هو في الواقع، على عناصر السلطة لرفعة ومسحه، ولطخ الحائط بالقار الأسود، ولكن بعد فترة من الزمن وبسبب الأمطار والحرارة الشديدة، يظهر الاسم جليا باهرا بهياً مثل صاحبه.. كم تمنيت أن أرفع هذه القطعة من الحائط لأنقلها الى متحف أو مكان أمين يليق بصاحب ألاسم والذكرى، بعيدا عن عبث العابثين، أو أن تتحول الى لوحة رسمية نظامية مسجلة في دوائر الحكومة ، وفاء ورداً للجميل الذي فعلة أبن المدينة، وهذا التكريم الشعبي جدير بفهد وبمدينة لا تنسى أبناءها.
*هذه أوراق من شظايا ذاكرة متماسكة ومتمسكة بالمكان الأول، أتحدث فيها عن ذكرياتي في المدينة الطيبة والخالدة حتى نهاية السبعينات. حيث تركتها وغادرتها مجبرا، بعد انفلات الطاعون الفاشي، في ظل الحملات البوليسية والملاحقات الشرسة لنا، من قبل قطعان الفاشية المتخلفة.