فشلت قمة شرم الشيخ كما كان متوقعا ، و خرج الذين حضروا هذا المأتم الكئيب بيد فارغة و أخرى لا شيء فيها ، أولا ، لان رئيس القمة المصري عبد الفتاح السيسى كان يبحث عن استعادة مجد الزعيم جمال عبد الناصر دون أن يكون لديه مشروع جمال عبد الناصر و لا قوة مصر ،
ثانيا ، لان ذئاب القمة العربية من دول الخليج و على رأسهم النظام السعودي لم يكونوا مستعدين لإعطاء مصر أو رئيسها ” الصغير” أي دور في تنفيذ الأجندة الخليجية التي تبحث عن إرضاء الصهيونية العالمية بأقل الشركاء بما فيهم هذا النظام المصري الذي يبحث عن الشرعية و عن حق البقاء ،
ثالثا ، لان الدافع الخليجي الوحيد لحضور هذه ” القمة ” المستعجلة هو توفير الغطاء السياسي المطلوب للعدوان على اليمن .
يسوق الإعلام المصري كالعادة بعض الشعارات الفاسدة و ينقل عنه أن هذه القمة هي قمة ” الردع العربي ” بحجة أن الأحداث و التداعيات قد فرضت على القادة العرب انتهاج الحزم في مواجهة الحملة الشرسة التي تقودها دول إقليمية تحاول فرض هيمنتها على المنطقة ، يعنى ب”الدول” الإقليمية طبعا إيران و لا أحد غيرها لان الجميع متفقون على أن إسرائيل لم تعد عدوا بل شريكا في صنع ” السلام ” ، و لان هناك دعوات صهيونية خفية لتكرار السيناريو اليمنى في أكثر من مكان في الدول العربية فقد تهيأ للرئيس المصري الفاقد للحنكة و الحكمة السياسية أن العرب قادرون على إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة تخدم ” الأهداف” العربية ، و أن ما سمى هرجا بعاصفة الحزم هو السيناريو الأمثل الممكن تطبيقه و تكراره في ليبيا ، لكن ، بالنهاية ، فشلت القمة في إنشاء هذا الوليد المشوه و ما بقى منها هو بعض الحبر على الورق كالعادة .
فالقمة التي كان أبرز ملفاتها المعلنة الهجوم السعودي الغادر على اليمن ، و محاولة تمكين السعودية من الغطاء السياسي لهذا العدوان الدموي ، لم تكن قادرة على معالجة تداعيات هذا العدوان أو إيجاد السبل السياسية لإرجاع الأطراف المتنازعة في اليمن إلى طاولة الحوار و اكتفى كل المشاركين بمعاينة الكارثة و تسجيل الحضور لان الصهيونية العالمية قد أرادت هذا الاجتماع للتغطية على العدوان و إظهار قدرتها على وضع الزعماء العرب أمام شعوبهم المنهكة في خانة المنفذين للأهداف الصهيونية دون أي تردد ، لذلك فالذين تحدثوا في القمة عن العمل العربي المشترك و تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك كانوا يسردون على المتابعين مجرد خطب مكررة فقدت طعمها بعد أن أصبح المشهد العربي بهذا الانقسام العمودي و الأفقي نتيجة سقوط الدول الخليجية المالكة للمال النفطي في بؤرة الخيانة و تنفيذ الأجندة الصهيونية الرامية إلى نشر ما يسمى برياح الفوضى الخلاقة.
يقول الدكتور جمال يوسف أستاذ العلوم السياسية المصري أن وجود قوة عسكرية عربية مشتركة قد أصبح أمرا يفرض نفسه و أن على قادة الجيوش العربية أن يحددوا الأسلوب الأمثل لتحقيق هذا الحلم ، لكن من يستمع إلى وزير الخارجية اللبناني في حواره ليلة أمس على قناة ” الجديد ” يدرك العراقيل و الصعوبات “المنطقية” التي تجعل من تحقيق هذا الحلم انجازا مستحيلا خاصة بالرجوع إلى محتوى عديد التدخلات التي انتقدت بشكل موارب العدوان السعودي على اليمن لمخالفته الصريحة لميثاق الجامعة العربية و لاتفاقية الدفاع العربي المشترك سيئة الصيت نفسها ، فما كان لافتا في هذه القمة هو الحديث عن الحل السياسي للازمة اليمنية و ليس الهرولة نحو إنشاء قوة عسكرية تبقى في نظر الأكثرية مجرد حلم جميل من أحلام اليقظة لا يمكنه أن يصبح انجازا فاعلا و قادرا على “فض” ما يمكن أن ينشأ من عوارض أو صعوبات غير طبيعية في بعض الدول العربية ، لكن إصرار الرئيس المصري لتفادى فشل هذه القمة بالخروج بهذا ” الانجاز” على الورق و الذي دفعه إلى إذلال الشعب المصري بمشهد “الحفاوة” المبالغ فيها بأحد أكبر العملاء الخونة في المنطقة العربية الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني ، قد شكل أحد المحطات التاريخية لفشل الدبلوماسية المصرية و سقوط الدور المصري.
من الممكن أن تكون القمة ناجحة تحت مفهوم أن المتابع لم يلاحظ نشوب بعض الخناقات و العنتريات التي تعودنا عليها منذ بداية قمم الجامعة العربية ، ناجحة أيضا لأنه لا أحد كانت ينتظر منها أن تنجح ، ثم هل نجحت قمة عربية في السابق حتى نطبق على هذه القمة معايير الفشل و النجاح ، و عندما يفشل هؤلاء المجتمعون حول من يشغل المقعد السوري الشاغر ، و ينقطع الصوت على تدخلات الحاضرين ، و ينزل الرئيس المصري إلى أسفل درجات الهوان بعناقه الحار للعميل القطري في حين يستنزف مال الدوحة أرواح الشعب المصري ، فبالكاد يمكن إقناع المتابعين بأن ما حدث في شرم الشيخ هي قمة عربية لان الجميع على اقتناع برداءة المشهد و بعدم قدرة ” الأبطال” على الإقناع في مسرحية إنشاء القوة العسكرية العربية المشتركة .