غربان ترقص على قبور العرب
نبيه البرجي
عرب … عروبة ! بعدما ينتهي شاعر يمني شاب من “الصلاة في حضرة الفضيحة” , لا يجد سوى “الغربان ترقص على قبور العرب” .
المنطقة التي مات فيها التاريخ , بل ومات فيها الزمن . حين نكون أمام منظمات اقليمية خلاقة (من شنغهاي الى آسيان مروراً بنفتا) , وكلها تعمل من أجل علاقات رؤيوية بين الدول , تهزنا حتى العظم الشظايا القبلية في دنيا العرب .
السودان يتقدم بشكوى الى مجلس الأمن ضد مصر حول مثلث حلايب . الامارات العربية المتحدة وقطر تتبادلان الشكاوى الى المنظمة الدولية حول انتهاكات جوية , والدولتان عضوان في مجلس التعاون الخليجي ,القاذفات السعودية حوّلت اليمن السعيد الى مستودع للهياكل العظمية .
لا نسهو , في أي حال عن الحدود المقفلة بين المغرب والجزائر منذ أكثر من نصف قرن . لبنان يمنع حتى من الكلام مع سوريا . اللائحة أكبر بكثير من أن تتسع لها هذه الزاوية , وكل الزوايا .
في نهاية المطاف , عودة الى الفيلسوف الانكليزي توماس هوبز “العرب ذئاب العرب” . لماذا يتحول الآلهة (على عروشهم) الى خراف أمام الايرانيين والأتراك والاسرائيليين؟
مظفر النواب يحتضر بين “فئران العرب” دون أن يجد ثمناً للدواء . يا صاحبي لا تحزن , موسى بن نصير الذي فتح الأندلس انتهى متسولاً عند أبواب المساجد في دمشق .
في بريطانيا , وفي فرنسا , البلدان اللذان توليا هندسة خرائطنا, وهندسة مصائبنا (الغارة الأخيرة على سوريا أظهرت أن الفتات الأمبراطوري ما زال حياً يرزق) , ثمة أصوات تحذر أثرياء العرب من “البذخ العسكري” , أي من صفقات الأسلحة التي تفوق الخيال , ومن الرهان على الأساطيل في حماية البلاط وأهل البلاط .
أصحاب تلك الأصوات يناشدون العرب ” اذا بقيتم هكذا , لن تعثروا , ذات يوم , حتى على أحذية لأقدامكم” . رجل أعمال خليجي سمع من مستشار لبوريس جونسون “ذاك الشرق الأوسط قد يكون بحاجة الى حرب كبرى , وقد تنتهي بهيروشيما أخرى , لكي يتوقف المسار الايديولوجي , والمسار القبلي , وهو المسار الدموي , ويبدأ الزمن الآخر”.
في بعض بلداننا , وقد تحولت الى سوق للغواني , أو الى سوق للجواري , دفاع عن تلك السياسات العمياء , وحيث التوتاليتاريات الكبرى , التوتاليتاريات القاتلة , في حين يعزو ديبلوماسيون أوروبيون “العلاقات المحطمة” بين العرب والعرب الى التسويات القبلية , القابلة للعطب , وحتى القابلة للانفجار , بغياب دراماتيكي لمنظومة الأمن الاستراتيجي .
هؤلاء يعتقدون أن الأوان فات على ظهور أي ديناميكية في هذا الاتجاه . انهم يسألون “الانحدار الى أين ؟” ما دامت ثقافة الحطام , وهي تنتقل من بلد الى آخر , تستأثر بالعقل العربي .
باحثون غربيون بعيدون عن تأثيرات المؤسسة اليهودية التي تهلل للاشتباك المتواصل بين غزة ورام الله (اليوت أبرامز لاحظ أنه لولا اسرائيل لتراشق محمود عباس واسماعيل هنية بالصواريخ) , يعتبرون أن دونالد ترامب نتاج الحالة التي أرساها جورج بوش الأب غداة تفكك الأمبراطورية الشيوعية : النظام العالمي الجديد .
تحديداً , النظام الذي يقف على قرن وحيد القرن . انه الاستقطاب الأحادي , دون أي خطوة في اتجاه تعديل مسار يالطا . بالتالي اعادة هيكلة الأمم المتحدة , والبنك الدولي , وصندوق النقد الدولي , وما شاكل .
آنذاك حذر زبغنيو بريجنسكي من “الفوضى العالمية الجديدة”. بوش الأب لم يعر هذا الكلام أي اهتمام . وكان ان أطل الشمبانزي من المكتب البيضاوي ليدفع بالكرة الأرضية الى قاب قوسين أو أدنى من الجحيم .
رفع مستوى التوتر في العلاقات مع الكرملين الى الذروة . الحرب الاقتصادية ضد الصين . لولا الحاجة التكتيكية , أو الماكيافيلية , الى القارة العجوز لم يكن ليتردد في تدمير الاقتصادات الأوروبية .
هل أصغى دونالد ترامب الى صوت الجنرالات الذين يعتبرون أن الدمار الذي يعتري العلاقات الدولية , كما العلاقات الاقليمية , لا بد أن يقود الى “البيغ بانغ” , أي الانفجار الكبير الذي لا يفضي الى بداية العالم وانما الى نهاية العالم ؟
الرئيس الأميركي اتصل بنظيره الروسي فلاديمير بوتين , مبدياً الرغبة في اللقاء اثر اللقاء مع كيم جونغ ـ اون . قد يذهب بنا التفاؤل بالبراغماتية الأميركية حد التساؤل عن لقاء محتمل مع حسن روحاني .
في الشرق الأوسط , نحن ضحايا الدرجة الأولى , لا عرب. ظلال بشرية وتحتاج الى تسوية بين آلهة القرن . نبقى … الدمى الدموية !!
2018-05-06