يوم السادس عشر من تشرين الأول عام 2017 دخل في تاريخ الأكراد كما دخل يوم الخامس من حزيران عام 1967 في تاريخ العرب، باعتباره يوم الهزيمة الفاصلة التي ستكون لها تداعيات خطيرة. إنها هزيمة لن يستوعب مداها وعواقبها بسرعة وسهولة الكثيرون. والمسألة لا تنحصر في الهزيمة وحدها، وإنما ليس مخطئا أيضا من يتوقع أن ما سيعقب الهزيمة سيكون شيئا من قبيل النسخة الكردية لداحس والغبراء العربية. الحرب الأهلية قادمة إلى كردستان، ربما سيكون اسم تلك الحرب “الربيع الكردي” تيمنا باسم شقيقه “الربيع العربي”.
سقطت مهاباد من جديد، ولكن مع الأسف، لن يدفع البارزاني بنفسه الكثير، فالولد على سر أبيه، فهو، تماما كما فعل أبوه، سيجد من يؤويه ساعة تأتيه الأوامر بإخلاء حاج عمران. ربما ستستقبله السويد، أو سويسرا، أو أي مكان اقتنى فيه فيللا وقصورا بحصة الشعب الكردي من خيرات العراق. ومن حوله من “المثقفين” الطراطير سيعود كل منهم إلى البلد الذي يحمل جنسيته.
ولكن ماذا عن الكردي المسلوب الإرادة الذي جرده البارزاني من وطنيته ومن دينه، وأجبره على رفع العلم الإسرائيلي في يوم الخامس والعشرين من أيلول المشؤوم؟
لنكن صريحين. إن ملايين العراقيين بكوا بقلوب دامية وهم يرون الأعلام الإسرائيلية ترفرف في أربيل والسليمانية – وفي كركوك أيضا. وملايين العراقيين أصابتهم الكآبة وهم يتابعون ما كشف عنه بعض الأكراد من لؤم وجحود ونكران للعراق. إن من كان عرب العراق يعتبرونهم إخوة لهم، ودافعوا عن حقوقهم لعشرات السنين، طعنوهم طعنة نجلاء. ولهذا لن نستغرب اليوم انقلاب المزاج بعد الانهيار التاريخي الصادم الذي أصاب مرتزقة البيشمركة المغرورين بالدعم الإسرائيلي. العراقيون، كل العراقيين، يحتفلون الآن بهذا الدحر السريع والفظيع لمرتزقة مسعود البارزاني، لسان حالهم يقول “سحقا للعنصرية الحاقدة”.
ولكن حذار! إيانا أن نترك مزاج الفرح والتشفي بالمغرور المتغطرس الأرعن الذي كان قبل يومين يهددنا بسحق العراق والزحف حتى البصرة بفضل شقيقته العزيزة إسرائيل، يذهب أبعد من ذلك. علينا أن لا ننسى أن الشعب الكردي له هوية مثل هويتنا، وأنه، مثل كثير من الشعوب العربية، مغلوب على أمره، مسلوب الإرادة، يتحكم برقابه شذاذ الآفاق من مصاصي الدماء، سواء كانوا شيوخ قبائل أو أنصاف متعلمين.
الشعب الكردي له قضية عادلة، ويستحق الدعم، والتعاطف، والإنصاف. مشكلة هذه القضية هي أنها لم يكتب لها على مدى ستة عقود أن تكون في أيد أمينة، بل أصبحت في أيدي تجار سياسة ربطوا مصيرها بإرادة الغرباء الذين لا يريدون الخير لا للشعب الكردي، ولا لبقية شعوب المنطقة.
ساسة الأكراد لم يخطئوا بحق العراق فقط، بل إنهم بعمالتهم لإسرائيل أجرموا بحق الشعب الكردي قبل غيره. لقد رفع هؤلاء شعار “الدولة”، دون أن تكون لديهم أصلا فكرة عن مفهوم الدولة في الواقع. واستطاعوا بغبائهم وفقر تفكيرهم المدقع إقناع الجميع بأنهم يريدون إنشاء دولة عدوانية شبيهة بإسرائيل، ورغما عن أنوف ثلاث أمم كبرى تحيط بهم كإحاطة السوار بالمعصم. نعم، تحجرت عقولهم على مفهوم غبي للدولة، ليس باعتبارها مستقلة استقلالا مطلقا وحسب، بل وعدوانية تفرض إرادتها على من حولها. إنهم لم يدركوا أبدا أن مفهوم الدولة المستقلة بشكل مطلق انتهى من زمن بعيد، هذا إذا كان في يوم من الأيام واقعا في السياسة العالمية. وأسوأ ما ظنوه هو أن ذلك ممكن برهن قضيتهم بإرادة من يعادي هذه الأمم الثلاث، ويريد تمزيقها، ولم يفكروا في يوم من الأيام بأن تقوم لهم دولة بالتفاهم مع من حولهم، دولة تضمن للشعب الكردي الرفاهية والتقدم والأمان، وتضمن لمن حولها أنها لن تتحول إلى قاعدة للعدوان عليهم.
ثم إن أغرب ما في الأمر أن أكراد العراق حصلوا في الواقع على دولة بمفهوم عصري واسع، فمنذ عام 1991 يتمتعون باستقلالية تامة عن مركز الدولة العراقية، بل وصاروا بدء من عام 2003 يسيطرون عل الدولة العراقية، ويعيثون فسادا فيها. ثم إن بلدان الجوار صارت تعاملهم كدولة، فبينها وبينهم تجارة مستقلة عن المركز، ومعابر حدودية تحت سيطرتهم، ولهم فيها استثمارات؛ دولة لها علم خاص، ورئيس، في نفس الوقت الذي يشغل كردي منصب الرئيس في العراق، وكردي آخر منصب وزير خارجية العراق. الأكراد صارت لهم على أرض الواقع دولتان إحداها اسمها العراق والأخرى إقليم كردستان. ماذا كان ينقص هذه الدولة؟ مقعد في الأمم المتحدة؟ لا، أبدا. ما كان ينقص هذه الدولة هو إمكانية فرض إرادتها على طهران وأنقرة، مثلما فرضتها على بغداد، ومن ثم التعامل مع العالم كامبراطورية! بئس البلاهة حين تصيب أناسا مسؤولين عن مقدرات شعوبهم.
على أية حال، للعراقيين اليوم ما يحق لهم فعلا أن يفرحوا به. إنه ليس الهزيمة المزلزلة التي لحقت بالبارزاني وزبانيته الأغببياء، بل النجاح الذي أحرزته الإرادة الموحدة لشعوب المنطقة، فلأول مرة منذ تجربة إمارة مهاباد في منتصف أربعينيات القرن الماضي تجتمع إرادة إيران، وتركيا، والعراق على التعاون الوثيق من أجل منع شرذمة هذه المنطقة، وتمزيق لحمة شعوبها. إرادة ستترك أثرا بعيدا وعميقا على التطورات في كل المنطقة. سيكون سقوط عفرين القريبة من إدلب أيضا ثمرة لها.
وفي هذا فإن أهم جوانب النجاح المشترك الذي أحرزته إيران وتركيا والعراق هو شكل الهزيمة التي لحقت بالبارزاني، فالهزيمة ليست عسكرية، بقدر ما هي سياسية واستخباراتية. لقد راهن البارزاني في استفتائه الأرعن وعدوانه على الدولة العراقية والدول المجاورة على لعبة كلاسيكية، فقد كان يتوقع أن تبادر كل من إيران وتركيا إلى فرض حصار فوري على كردستان العراق، فتبدأ الماكنة الإعلامية الصهيونية في تصوير معاناة الشعب الكردي، وتفرض على مجلس الأمن وعلى الدول الكبرى اتخاذ إجراءات لإبقاء الشرايين التي تخدم اقتصاد كردستان العراق مفتوحة – أسوة بما فعلوا من أجل إمارة قطر. إن السياسة الحكيمة لإيران وتركيا فوتت على البارزاني هذه الفرصة، فالحصار استخدم جزئيا وبشكل تكتيكي مرن، ولم تعط الدولتان أي مبرر لأحد باتهامهما بخنق الشعب الكردي، وتجويعه.
وواضح تماما أن البارزاني كان، بتخطيط من مستشاريه من الإسرائيليين وتلاميذهم، يعد لمعركة شرسة في كركوك يقاوم فيها البيشمركة الجيش العراقي لبضعة أيام على الأقل تتيح له فرصة طلب تدخل القوات الأمريكية القريبة من كركوك لتثبيت أقدامه في المدينة. وقد أسقط في يده أيضا، فالمخابرات التركية والإيرانية سجلتا تفوقا ستراتيجيا ساحقا على مستشاري البارزاني، وأجهضتا هذه المحاولة الخبيثة. لقد تبين تماما أن من لم يكن من ساسة الكرد عميلا لإسرائيل كان عميلا للاستخبارات الإيرانية أو التركية. ونعمَ العمالة!!
إنه تحت تأثير العمل الاستخباراتي التركي الإيراني هربت مجاميع البيشمركة من مواقعها دون قتال، وحقق الجيش العراقي انتشاره في كركوك وما حولها خلال ساعات قليلة، ولم يفق البارزاني من صدمته حتى رأى سنجار أيضا تسقط. وهذا النجاح الاستخباراتي سيتواصل حتى يهرب مسعود البارزاني مدحورا مذموما حتى من حاج عمران.
كان من بين ما أراده مسعود البارزاني من استفتائه المشؤوم أن يظهر في انتخابات الشهر المقبل باعتباره بطل “الاستقلال”، ولكن ها هو اليوم ينقلب إلى بطل داحس والغبراء التي تهدد كردستان العراق، وربما تكون أشرف طريق أمامه ليتجنب مصير والده، هو أن يترك الساحة قبل موعد الانتخابات، ويعطي الشعب الكردي فرصة لانتخاب ممثلين جدد له، عسى أن يكونوا قد تعلموا درسا، بأن الدولة التي يعد بها الإسرائيليون مسعود البارزاني، كما وعدوا أباه من قبل، أضغاث أحلام.