منذ أن اندلعت الأزمة السورية عام ٢٠١١ بدأت الدعوات للحل السياسي وكان ظاهر الأمور وقت ذاك أن المعارضة السورية تملك زمام يديها وأن المشكلة الحقيقية هي بين نظام سياسي قائم و معارضة تسعى للتغيير وفقاً للدعوات للديمقراطية وتعديل الدستور وإطلاق الحريات ولكن المسألة لم تستطع أن تقنع من لديه عقلاً نقدياً بأنها كذلك بعد الفيتو الروسي الصيني الأول في الرابع من تشرين الأول من عام ٢٠١١ الذي أظهر بوضوح بأن الأزمة السورية في حقيقة أمرها ومن أول أيام اندلاعها لم تكن سوى امتداداً لمشروع أمريكي جامح على صهوة حصان الربيع العربي (الأمريكي الصهيوني ) ولتبدأ بعدها المحاولات لإيجاد حل سياسي دولي بدءاً من جنيف (1) من شهر حزيران ٢٠١٢ نتيجة اجتماع وزيري خارجية روسيا والولايات المتحدة بشكل أساسي ضمن مجموعة العمل لسوريا برئاسة كوفي أنان وكانت النتائج واضحة الفشل من خلال التفسير المتباين لكل من روسيا والولايات المتحدة مما دفع بالمحورين الأساسيين للانغماس أكثر في المسألة السورية إلى أن وصلت الأمور لدخول كل الأطراف إلى الأرض السورية مباشرةً وتتوجت بدخول روسيا والولايات المتحدة بدون تصادم مباشر والجميع يرفع لواء الحل السياسي الذي يدرك الجميع بأنه ليس جوهر الصراع و ليس مطلوباً لذاته فالمسألة أبعد من ذلك
يدرك كل من المحورين بأن الحرب في سوريا هي حرب مصيرية نتائجها ستنعكس على المستوى الدولي وسترسم خرائط جديدة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي
ففي المحور الروسي الصيني الإيراني السوري العراقي و حزب الله فأن نتيجة الهزيمة في سوريا سترتد على روسيا بالتقوقع والحصار بالناتو ومن بعدها التفكيك وعلى الصين بخسارة مشروع طريق الحرير البديل عن مضيق ملقا وحصارها بحرياً في جنوب شرق آسيا بالقوات الأمريكية التي تنتقل إلى هناك وعلى إيران بخسارة كل ما بنته وتقوقعها ومن ثم تفكيكها وهي الدولة المتعددة القوميات وعلى سوريا والعراق سيكون الأمر المحتوم هو التفكيك والصراعات الداخلية التي لن تنتهي خدمة ل”إسرائيل” ونهب كل الثروات المتوافرة والمكنوزة في باطن الأرض وبطبيعة الحال فإن حزب الله سيكون مصيره التلاشي تلقائياً بفقدان الدول الحاضنة والداعمة.
وفي المحور الثاني الذي يضم بشكل أساسي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي و”إسرائيل” والمملكة السعودية وقطر إمارات العربية المتحدة فإن هزيمة الولايات المتحدة ستعني اعترافاً واضحاً لروسيا والصين في دورهما الدولي الموازن للولايات المتحدة وبالتالي نظام دولي جديد متعدد الأقطاب والنزول عن منصة الهيمنة الدولية وسيتبعها تغير أنماط التبادل التجاري المعتمدة على عملة الدولار مما سيؤدي في النهاية لظهور التباينات الاقتصادية بين الولايات الأمريكية ذاتها، وهذا سيرتد على الاتحاد الأوروبي ويدفعه باتجاه الشراكة مع روسيا وعلى “إسرائيل” بشكل مباشر حيث ستصبح بمواجهة محور المقاومة ككتلة وليس كحزب أو دولة وعلى السعودية وقطر والإمارات فالخسارة في سوريا والعراق واليمن سينعكس على داخل هذه الدول وخاصةً بعد الصراع السعودي الإماراتي والقطري
أما تركيا الأكثر تورطاً في الأزمة والحرب السورية فإن مصيرها يتعلق بطبيعة الاستدارة النهائية والمستقرة وهي حتى لو ذهبت مع الولايات المتحدة فإن مصيرها كمصير المحور الأول، وهو التفكيك كقوة إقليمية كبرى ذات طموح ممنوع من التحقق وليس أمامها سوى الاصطفاف في محور روسيا وسيكون الثمن هو أقل خسارة وهو الاعتراف بالدور الإقليمي الذي يتناسب مع حجمها بدون طموحات إمبراطورية.
هذا على المستوى الإقليمي والدولي فماذا عن المستوى المحلي ؟
رغم كل الثغرات الكبيرة في النظام السياسي السوري فإنه مازال الأقوى بل و يزداد قوة خاصةً بعد المتغيرات الميدانية الكبرى التي حصلت بالأشهر الأخيرة ويمتلك قاعدة شعبية لا يستهان بها وفي المقابل فإن كل القوى التي تحسب نفسها معارضة قد وصلت لطريق مسدود، وهي لا تملك من أمرها شيئاً وتنتظر الأمريكي أن ينتصر ليأتي بها إلى سدة الحكم، وهي تعيش أضعف حالاتها، وازدادت ضعفاً بعد الصراع الخليجي المتفاقم، وهي بالأساس لا تملك قوة حقيقية على الأرض سوى الإخوان المسلمين والحركات السلفية وهؤلاء لا يمكن أن يكون لهم أي دور في أي حل سياسي في ظل مجتمع متعدد ومتنوع لا يقبل المسألة الدينية في إطار الحكم
هذه الصورة الإجمالية تعطي انطباعاً بعدم إمكانية أن تتحقق معادلة رابح رابح من خلال إيجاد حل سياسي تسووي بين أطراف لديها استقطاب تنابذي كبير إلا في إطار هدنة مقنعة بحل سياسي ظاهري و سيبقى الصراع مستمراً حتى تتحقق معادلة رابح خاسر على كل المستويات والتي تبدو ملامحها الآن بالانتصارات المتلاحقة للمحور الأول و خاصةً بعد أن تم تلاقي قوات الجيش العربي السوري وقوات الحشد الشعبي على الحدود العراقية السورية شمال شرق النتف ولا مكان لوجود حل سياسي قبل أن يتم إقرار الطرف المهزوم بهزيمته.
فإذا كان الحل السياسي غير ممكن فهل هذا يعني تلاشي فكرة التغيير؟
لا شك أن التغيير ضرورة للجميع وبشكله الجذري والعميق و الهادئ ولكن يحتاج لحديث آخر.
دمشق/ 2017.06.19
———————
(*) د.أحمد الدرزي: طبيب وكاتب سوري.
عن صحيفة ميسلون