دار الافتاء والإبراء المستحيل !
ميلاد عمر المزوغي
الذي نعرفه ان احد علماء الدين قد فر من البلاد مع بداية اندلاع اعمال العنف الى قطر الراعي الرسمي لأحداث الشغب التي طاولت بعض البلاد العربية, واتخذ من قناة الجزيرة مقرا له يبث من خلالها افكاره الداعية الى الخروج على الحاكم بدعوى تكميم الافواه وسلب الحريات وكأنما البلد الذي ارتحل اليه تنفق وارداته في سبيل اسعاد المواطن والسعي على راحته, ويتمتع سكانه بحرية الرأي والتعبير, فالحكم الصادر بحق صاحب القصيدة (الياسمين)مداده لم يجف بعد.
مع سقوط النظام نُصّبَ ذاك العالم مفتيا للديار الليبية, أصبح يشارك فعليا في مجريات الامور,يكفّر هذا الطرف ,ويبارك عمل ذاك ويصدر صكوك الغفران (حيث الصكوك البنكية لم يعد لها دور في ظل نقص السيولة النقدية) بدلا من الدعوة الى رصّ الصفوف ولم الشمل والخروج من دوامة العنف,تحول المفتي الى رجل سياسة,استطاع ان يجذب اليه نفر من اولئك المعتوهين, خريجي تورابورا والسجون المحلية التي لم تنفع في اصلاحهم وتاهيلهم, الذين كل همهم الاستيلاء على السلطة والاستحواذ على مقدرات الشعب وتبذيرها,ما اوصل البلد الى حالة الافلاس,وحيث ان لكل حزب سياسي جناح عسكري “ميليشيا” لاستخدامها عند الحاجة ,تداعت بعض الفصائل المسلحة وأعلنت انها تضع نفسها تحت امرة فضيلة المفتي ورهن اشارته.
بالأمس القريب وفي ظل تغيّر المواقف حيال ما يجري في ليبيا بعيد فوز ترامب,وخسارة من اسهمت في احراق البلد ومحاولة فرض اجندات خارجية متمثلة في الفوضى (الخلاقة) التي اتت على الاخضر واليابس, اعلنت دار الافتاء في طرابلس عن تنصلها من كل اقوالها(فتاوى) التي ساهمت في تأجيج الصراع بالبلد , حيث اخذ الصراع ابعادا جهوية وأيديولوجية, ادى الى احداث اعمال عنف, جعلت ليبيا تتبوأ الصدارة من حيث الكم الهائل من الجرائم وخاصة بالعاصمة التي تتحكم بها الميليشيات الخارجة عن القانون.
مع تمكن ايطاليا من بسط سيطرتها على ليبيا ,نقلت لنا كتب التاريخ ان احد رجال الدين في بلدي وقد عينه المستعمر المسيحي مفتيا, فأفتى بالجهاد لصالح الطليان ,بل اهدى موسوليني سيفا اسماه سيف الاسلام ليسلطه على رقاب الليبيين وقال عنه بأنه حامي حمى المسلمين ,ذاك في طرابلس, وفي اطار التسابق الى فعل الخيرات قيل ان احد علماء الدين في بنغازي حذا حذو مفتي الديار.
التاريخ يعيد نفسه,وتظل العمالة تسري في العروق ,مفتي الديار الليبية الحالي ذهب ابعد من ذلك في تقديم الولاء والطاعة والعرفان بالجميل لمن اوصلوه الى هذا المقام الديني,فقال: (من لم يشكر قطر فهو اخس واقل من الكلب),فأي احتقار للمواطن الليبي بعد هذا؟.
لا شك ان المواطن لن يغفر لدار الافتاء تحريضها على الاقتتال بين ابناء الوطن,ودعوتها الى مهاجمة بعض المناطق بحجة ان سكانها من اتباع النظام السابق, يسعون الى اجهاض الثورة وعودة العسكر الى الحكم.
ربما المرة الاولى التي يعترف بها العالم علانية بدور القوات المسلحة في القضاء على الارهاب وخاصة في بنغازي وما تبعه من استهداف تلاميذ ابرياء بأحد المدارس يتوقون الى المستقبل,من قبل ميليشيا “سرايا تحرير بنغازي” التي تدين بالولاء لفضيلة المفتي وبعض الميليشيات الاخرى,حيث سقط قتلى وجرحى.
ان التنصل (التبرؤ)من الاعمال الاجرامية-قولا وفعلا ,لن يجدي نفعا, فالإبراء مستحيل, ولا بد ان يأتي اليوم الذي يقاد فيه هؤلاء الى المحاكم لينالوا جزاءهم.
2016-11-24